47/08/13
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
كان الكلام في حدود قاعدة السلطنة وهل تثبت مطلقاً أم لا، وقلنا لابد من ملاحظة مدرك القاعدة للجواب عن هذا السؤال، فإن كان دليلاً لبياً لا إطلاق له فلابد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن، وهو التصرف الذي لا يؤدي الى الإضرار بالغير، وإن كان هو الملكية التي تقتضي جواز التصرف مطلقاً إلا أنَّ له محدداً وهو الحكم الشرعي.
وذكرنا أنَّ هناك أدلة تدل على تحديد سلطنة المالك بما لا يكون مضراً بالغير، وهي ما ورد في باب إحياء الموات والتي تحدد المسافة بين بئر وآخر بحسب اختلاف طبيعة الأرض.
المقام الثاني: والكلام فيه يقع في إمكان نفي سلطنة المالك على ماله بقاعدة (لا ضرر) باعتبارها حكماً ضررياً، أو عدم إمكان ذلك؟
وهذا البحث يستلزم تمامية قاعدة السلطنة وأنها ثابتة للمالك بنحو مطلق أولاً حتى يقال هل يمكن نفي هذه السلطنة بقاعدة (لا ضرر) أو لا يمكن ذلك، والصحيح أنه إذا لم يلزم الضرر على المالك من منعه من التصرف فلا يجوز له حفر البالوعة لأنه إضرار بالغير.
قالوا بأنه لا يمكن نفي سلطنة المالك بقاعدة (لا ضرر) وهو المنسوب الى المشهور، ويُستدل له بوجوه:
الوجه الأول: أنَّ جريان قاعدة (لا ضرر) لنفي سلطنة المالك وإن كان فيه امتنان وإرفاق بالجار إلا أنه ليس فيه امتنان بالنسبة الى المالك فلا تجري، لأنَّ رفع سلطنة المالك على ماله لا امتنان فيه فتبقى سلطنته ويجوز له حفر البالوعة.
وفيه: إنَّ كون القاعدة إمتنانية لا يعني أنَّ جريانها لابد أن يكون فيه امتنان بحق جميع الأطراف، وإنما يعني أنَّ جريانها لابد أن يكون إرفاقاً وامتناً في حق من تجري لأجله - وهو الجار في المحل الكلام - وإن لم يكن إرفاقاً وامتناناً في حق الآخرين.
نعم يشترط في جريانها أن لا يلزم منه الضرر على الآخرين، كما إذا كان المالك يتضرر من منعه من حفر البالوعة مثلاً ضرراً معتداً به، فهنا لا تجري القاعدة لنفي سلطنة المالك لأنها معارضة بجريانها في حق المالك لنفي حرمة هذا التصرف في حفر البالوعة لكونه ضررياً، فتدخل المسألة في تعارض الضررين، ومنه يظهر أنَّ المعارضة المانعة من جريان القاعدة لنفي سلطنة المالك إنما تتم إذا فرض تضرر المالك من منعه من الحفر، وأما إذا لم يُفرض ذلك وفرض فوات النفع فقط فلا تتم المعارضة، بمعنى أنَّ القاعدة تجري لنفي سلطنة المالك ونلتزم بعدم جواز حفر البئر.
الوجه الثاني: هو دعوى أنَّ منع المالك من التصرف في ملكه حكم حرجي لأنه يستلزم الضيق والحرج، ودليل نفي الحرج يقتضي نفيه، فيثبت جواز الحفر.
والنسبة بين دليلي (لا حرج) و (لا ضرر) وإن كانت هي العموم من وجه لكن لابد من تقديم (لا حرج) إما بالحكومة وإما لتعارض الدليلين وتساقطهما، فيُرجع إما الى عموم أدلة السلطنة، وإما الى الأصول العملية المرخصة، وكلاهما يقتضي جواز هذا التصرف، وهذا الوجه مستفاد من بعض كلمات الشيخ في الرسائل[1] .
وأجاب عنه المحقق النائيني[2] : بأنَّ الحرج المنفي بدليل (لا حرج) هو الحرج الطارئ على الجوارح لا على الجوانح، فالمرفوع ليس هو الحرج النفسي وإنما هو الحرج الخارجي، وليس موجوداً في المقام لأنَّ منع المالك من هذا التصرف ليس فيه حرج بدني وإنما فيه حرج نفسي، ومع عدم جريان قاعدة (لا حرج) لا يقع التعارض بينهما.
واستشكل فيه: بأنَّ مقتضى إطلاق الحرج في أدلة نفي الحرج هو نفي كل ما يصدق عليه الحرج، من دون تفصيل بين الحرج الخارجي والحرج النفسي.
وأجاب السيد الخوئي عن هذا الوجه بجواب آخر[3] ، وحاصله:
إنَّ الحرج المنفي بقاعدة (لا حرج) هو المشقة والكلفة الشديدة، لا مطلق المشقة والكلفة ولو كانت نفسية، وإلا للزم نفي جميع التكاليف الشرعية الإلزامية باعتبارها مقيدة للإنسان وتوقعه في المشقة والكلفة! ومنع المالك من حفر البالوعة - بعد افتراض أنه لا يوقعه في الضرر - لا يكون فيه حرج عليه فلا يكون منفياً بالقاعدة، بل قد يكون فيه مشقة وقد لا يكون فيه ذلك، فلا يصح التمسك بدليل (لا حرج) لإثبات جواز التصرف المذكور في جميع الموارد، بل لابد من التفريق بين الحالتين.