« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

47/08/11

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

الأمر الثاني: في تحديد من يتحمل الخسارة الحاصلة من إيقاع الضرر على أحد المالين؟

ذهب الى المشهور أنَّ الخسارة إذا أوقعت على الأقل ضرراً فيتحملها الآخر لأنها حصلت لتخليص ماله، وذهب السيد الخوئي الى أنها تُقسَّم بينهما بالتساوي، واستدل عليه بقاعدة العدل والإنصاف.

وقلنا أنه لا مبرر لقول المشهور بعد افتراض أنَّ العامل الطبيعي أوقع الضرر بكل منهما، وأما القول بالتقسيم فتارة يستند الى قاعدة العدل والإنصاف، وأخرى يستند الى الرواية الواردة في الودعي فإنها تدل على التقسيم بالتساوي أيضاً، فإنَّ كان المستند هو القاعدة فإنها لا تقتضي التساوي بينهما إلا في فرض التساوي في جميع الجهات، من مقدار الخسارة وأهمية الاحتمال والمحتمل...الخ، وأما مع فرض الاختلاف بين الضررين فالقاعدة لا تقتضي ذلك، وإنما تقتضي التقسيم بالنسبة، فإذا فرضنا أنَّ قيمة الدابة (100) وقيمة القدر (50)، ومقدار الخسارة في الدابة هي (10) وفي القدر (6)، ففي هذه الحالة لا يحكم بالتساوي بينهما، وذلك باعتبار أنَّ نسبة الخسارة الواردة على مالك الدابة تختلف عن نسبة الخسارة الواردة على مالك القدر، فإذا اختار المالك أقل الضررين - ولو بالاتفاق بينهما - فالخسارة تكون في القدر فقط وهي (6)، فلابد من تقسيمها أثلاثاً، ويضمن صاحب الدابة ثلثين منها لصاحب القدر، ويتحمل صاحب القدر ما تبقى من الخسارة وهو ثلثاً واحداً، وهذا هو مقتضى العدل والإنصاف في المقام.

مثال آخر: لو أودع شخص (999) درهماً، وأودع آخر درهماً واحداً وتلف أحد الدراهم عند الودعي، فالتنصيف يعني تقسيم الدرهم التالف بينهما، والحال أنَّ احتمال أن يكون الدرهم التالف من صاحب الدرهم ضعيف جداً كما هو واضح.

ويؤيد ذلك أنَّ صاحب القدر قد يتحمل أضعاف قيمة القدر في بعض الفروض، كما إذا فرضنا أنَّ الحاكم حكم بإتلاف الدابة - ولو باعتبار التراضي على ذلك - وكانت الخسارة في الدابة (100) وكانت قيمة القدر (10)، فإذا قُسِّمت الخسارة عليهما بالتساوي فهذا يعني تحمُّل صاحب القدر أضعاف قيمة القدر، وهذا ما لا يمكن الالتزام به! وعليه فمقتضى العدل والإنصاف هو الأخذ بالنسبة.

هذا كله في الصورة الثانية وهي أن يكون الضرر لشخصين.

الصورة الثالثة: ما إذا دار الأمر بين تضرر شخص وبين الإضرار بشخص آخر:

ومثاله المعروف حفر بالوعة في ملكه، بنحو يلحقه الضرر من فرض عدم حفرها، ولكن كان ذلك مضراً بجاره، ومثله بناء الحمام وإحداث الزريبة ونحو ذلك، بل عمموا الكلام الى لزوم المشقة من عدم التصرف في ملكه ولو لم يستلزم الضرر، بل قالوا بكفاية عدم ترتب المنفعة، فيدور الأمر بين انتفاعه وبين الإضرار بجاره، وقيل أنَّ المشهور ذهب الى جواز التصرف وعدم الضمان.

والكلام في هذه المسألة يقع تارة بلحاظ القواعد الأولية، وهي في المقام قاعدة السلطنة، وأخرى بلحاظ قاعدة (لا ضرر) فالكلام في مقامين:

المقام الأول في قاعدة السلطنة

قد يقال: إنَّ إطلاق دليل السلطنة يقتضي تسلط المالك على أمواله والتصرف فيها مطلقاً، وإن لزم الإضرار بالغير.

ونوقش فيه:

أولاً: بأنَّ القاعدة ليس لها دليل لفظي حتى يصح التمسك بإطلاقه، نعم ورد ذلك في بعض المجاميع الحديثية - كالبحار - والكتب الاستدلالية، ولكن ليس لها أصل معتبر في رواياتنا، نعم لا يبعد أن تكون القاعدة متصيدة من موارد متعددة.

قد يقال: دليلها الاجماع أو الارتكاز العقلائي.

وجوابه: إنَّ الاجماع والارتكاز العقلائي من الأدلة اللُبية ولا إطلاق فيها، فيُقتصر فيها على القدر المتيقن، وهو جواز التصرف في ماله ما لم يصل الى حد الإضرار بالغير.

ومع التنزل عن ذلك وافتراض وجود أدلة لفظية تامة للقاعدة، فهل يمكن التمسك بإطلاقها لإثبات فتوى المشهور أم لا؟

logo