47/07/10
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
الجواب عن الاعتراض الأول:
إنَّ قاعدة (لا ضرر) لها اطلاقات عديدة وكل اطلاق منها معارِض لإطلاق من اطلاقات الأدلة الأولية، فإذا قدمنا جميع اطلاقات الأدلة الأولية على اطلاقات القاعدة المقابلة لها لزم مخالفة نصوصية القاعدة - أو لغوية القاعدة - وإذا قدمنا بعض هذه الاطلاقات دون البعض الآخر لزم الترجيح بلا مرجح، فيتعين تقديم إطلاقات القاعدة.
الاعتراض الثاني: إنَّ نصوصية القاعدة في نفي الحكم الضرري في الجملة وإن كان يوجب العلم الإجمالي بتخصيص العمومات والمطلقات إلا أنه إنما يوجب ذلك في البعض منها فقط أي أنَّ ما نعلمه بسبب النصوصية هو أنَّ بعض العمومات والمطلقات مخصَّصة أو مقيدة، فالساقط عن الحجية إنما هو البعض، ويبقى البعض الآخر منها على حجيته وإن كان غير معين، وحينئذٍ يقع التعارض بين هذا البعض الباقي على حجيته وبين اطلاق قاعدة (لا ضرر) وبعد التعارض يتساقطان، فلا يمكن ترجيح القاعدة عليها.
وهذا الاعتراض مبني على الرأي القائل بعدم سقوط جميع المطلقات والعمومات في التعارض، وإنما يسقط البعض غير المعين ويبقى البعض الآخر على حجيته ويعارض القاعدة، وفي مقابله رأي آخر يقول بسقوط الجميع، ومعه لا يبقى ما يكون معارضاً للقاعدة.
هذان اعتراضان على الوجه الرابع وتبين أنه يمكن دفعهما.
وأما أصل الوجه الرابع - بعد تتميمه بما تقدم - فقد يقال أنه مبني على افتراض أنَّ نصوصية القاعدة في نفي الحكم الضرري في الجملة تكون منشأً للعلم الإجمالي فتُقيِّد اطلاقات الأدلة وتخصص عموماتها في الجملة وبنحو القضية المهملة، وهذا المطلب مبني على تصور أنَّ حديث (لا ضرر) له دلالتان: دلالة وضعية مرجعها الى قضية مهملة وهي نفي الحكم الضرري في الجملة، أي تدل على تخصيص أو تقييد بعض العمومات والمطلقات، وهي قضية متيقنة، ودلالة إطلاقية ثابتة بمقدمات الحكمة مرجعها الى قضية مطلقة وهي نفي الحكم الضرري مطلقاً، وتقييد أو تخصيص الأدلة العامة المثبتة للتكليف، والدلالة الأولى حيث أنها قطعية ونصية توجب حصول العلم الإجمالي، وأما الثانية فباقية على حالها ولا معارض لها، لأنَّ الدلالة الأولى التي هي السبب في حصول العلم الاجمالي توجب سقوط جميع اطلاقات وعمومات الأدلة الأولية، لأنَّ العمل بها جميعاً مخالفة عملية قطعية للمعلوم بالإجمال، كما أنَّ العمل بالبعض دون البعض ترجيح بلا مرجح، فيسقط الجميع وحينئذٍ يمكن الرجوع الى اطلاق دليل (لا ضرر) ولا يوجد له معارض.
لكن هذا التصور غير صحيح لأنَّ الدلالة على القضية المهملة ليست دلالة وضعية وإنما دلالة تصديقية، لأننا نتكلم عن دلالة (لا ضرر) على نفي الحكم الضرري في الجملة على مستوى الدلالة التصديقية، وهذا معناه أنه لا يمكن فرض هذه الدلالة وضعية وتصورية، وبناءً عليه يطرح هذا السؤال: إنَّ هذه الدلالة التصديقية هل هي دلالة مستقلة في مقابل الدلالة الإطلاقية أو أنها دلالة تضمنية ثابتة في ضمن الدلالة الإطلاقية؟
الأول لا يمكن الالتزام به لأنَّ الدليل الواحد ليس له إلا دلالة تصديقية واحدة، وفي محل الكلام لا يمكن القول أنَّ حديث (لا ضرر) له دلالتان تصديقيتان جديتان وإنما له دلالة تصديقية واحدة هي إما القضية المطلقة وإما القضية المهملة، فإن كانت هي المهملة فهي وإن كانت توجب العلم الإجمالي وتساقط المطلقات والعمومات إلا أنه لا يمكن حينئذٍ الرجوع الى اطلاق (لا ضرر) بعد التساقط، لأنَّ المفروض عدم وجود الدلالة الإطلاقية المثبتة للقضية المطلقة في حديث (لا ضرر)، وإن كانت هي الإطلاقية فحينئذٍ لا موجب لحصول العلم الإجمالي.