47/07/08
الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر
خلاصة ما تقدم:
أنَّ اطلاق القاعدة لوجوب الوضوء الضرري وإن سقط بالمعارضة مع اطلاق دليل وجوب الوضوء إلا أنَّ اطلاقها لوجوب الاحتياط في جانب الوضوء الضرري لا يسقط بالمعارضة لعدم وجود معارض له، إذ لا دليل على وجوب الاحتياط في مورد العلم الإجمالي شرعاً حتى يكون معارضاً لإطلاق القاعدة لوجوب الاحتياط، نعم العقل في مورد العلم الإجمالي يحكم بوجوب الاحتياط، لكن من الواضح أنَّ حكمه معلَّق على عدم الترخيص شرعاً، والقاعدة تكون حاكمة على حكم العقل ورافعة لموضوعه، أي عدم الترخيص الشرعي، وأما وجوب الاحتياط في جانب التيمم فيبقى على حاله لحرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، والمفروض أنه ليس ضررياً فلا يمكن نفيه بالقاعدة، وبذلك نصل الى نفس نتيجة تقديم دليل (لا ضرر) على دليل وجوب الوضوء.
واعترض على هذا البيان بأنَّ رفع وجوب الاحتياط العقلي بالقاعدة غير معقول، لأنَّ مفادها نفي الأحكام الشرعية لا العقلية، فلا تدل على نفي الحكم العقلي الضرري.
وفيه: ليس المقصود بكون القاعدة رافعة للحكم العقلي هو أنَّها ترفعه كما ترفع الحكم الشرعي الضرري، وإنما المقصود هو أنَّ الحكم العقلي لما كان مقيداً لُباً بعدم الترخيص من قبل الشارع فإذا ورد الترخيص ارتفع موضوع الحكم العقلي.
والحاصل: أنَّ القاعدة لا ترفع وجوب الاحتياط العقلي لأجل كونه ضررياً حتى يقال أنَّ القاعدة ترفع الحكم الشرعي الضرري ولا ترفع الحكم العقلي الضرري، وإنما ترفعه برفع موضوعه وإن لم يكن ضررياً.
ومنه يظهر تمامية هذا الوجه إذا وصلت النوبة إليه.
الوجه الثالث: ما يقال من أنَّ دليل (لا ضرر) إذا لوحظ مع كل واحد من الأدلة المثبتة للتكليف فالنسبة بينهما هي العموم من وجه، إلا إنه إذا لوحظ مع مجموع الأدلة المثبتة للتكليف فالنسبة بينهما هي عموم مطلق، فتُخصص تلك الأدلة بدليل (لا ضرر) ويتقدم عليها بالأخصية.
والوجه فيه هو أنَّ حديث (لا ضرر) ينفي الحكم الضرري لا بعنوان خاص، إذ لا فرق في ذلك بين أن يكون الحكم الضرري هو وجوب الوضوء أو وجوب الغسل أو وجوب القيام في الصلاة أو غير ذلك، فيكون المنفي هو واقع الحكم الضرري، فلا خصوصية لإطلاق دليل وجوب الوضوء أو غيره من الأدلة، وعليه تُلحظ نسبة حديث (لا ضرر) الى إطلاق طبيعي الدليل الجامع بين هذه الأدلة المثبتة للتكليف، ومن المعلوم أنَّ نسبة الحديث الى هذا الجامع هي نسبة الخاص الى العام، فتكون النسبة هي العموم والخصوص المطلق.
وأجاب السيد الخوئي قده عنه بما حاصله:
أنَّ المعارضة هي بين كل واحد من هذه الأدلة وبين هذه القاعدة، ولا يوجد عندنا دليل يُسمى (مجموع الأدلة) حتى نوقع التعارض بينه وبين قاعدة (لا ضرر).
وأما ما ذكره من أنَّ مفاد (لا ضرر) هو نفي الحكم الضرري من دون أن يتعنون بعنوان خاص فهو وإن كان صحيحاً إلا أنه لا يقتضي أن تُلحظ نسبته الى إطلاق الدليل الجامع بين تمام الأدلة، لأنَّ كل واحد من هذه الأدلة دليل مستقل بعنوانه وهو بهذا العنوان طرف في المعارضة.
الوجه الرابع: أنَّ الأمر دائر بين تقديم القاعدة على جميع الأدلة الأولية المثبتة للتكليف، أو العكس، أو تقديم بعضها على القاعدة دون بعض، والأخير يوجب الترجيح بلا مرجح، والثاني يلزم منه لغوية القاعدة، فيتعيَّن الالتزام بالأول، فتختص الأدلة بغير موارد الضرر، وهو المطلوب.
وأجاب عنه السيد الخوئي قده بأنَّ الدليلين المتعارضين بالعموم من وجه إذا كان العموم في أحدهما مستنداً الى الوضع وفي الآخر مستند الى مقدمات الحكمة فيتعين تقديم ما كان عموم بالوضع على ما كان بمقدمات الحكمة، وإذا كان عموم كل منهما بمقدمات الحكمة فيتساقط الظهوران ويرجع الى عموم أو أطلاق فوقاني، ومع عدمه يرجع الى الأصل العملي، فلابد من النظر الى الدليل المعارض لدليل نفي الضرر.
وتقديم بعض الأدلة على القاعدة لكون عمومها بالوضع دون البعض الآخر من الأدلة لكون عمومها بالإطلاق ليس ترجيحاً بلا مرجح.