« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

47/07/07

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

التنبيه السادس: في بيان النسبة بين دليل (لا ضرر) وبين أدلة الأحكام الأولية

الظاهر أنه لا إشكال في أنَّ النسبة بين دليل (لا ضرر) وبين كل واحد من أدلة الأحكام الأولية المثبتة للتكليف هي العموم من وجه، فالدليل الدال على وجوب الوضوء مثلاً بمقتضى إطلاقه يشمل الوضوء الضرري وغير الضرري، كما أنَّ اطلاق (لا ضرر) يقتضي نفي الحكم الضرري سواءً كان هو وجوب الوضوء أو غيره من الأحكام الضررية، فيجتمعان في الوضوء الضرري، ويفترق الأول في الوضوء غير الضرري، ويفترق الثاني في غير الوضوء مما يكون ضررياً، كالغسل الضرري، فيتعارضان في مادة الاجتماع، والظاهر أنه لا إشكال عندهم في تقديم اطلاق دليل (لا ضرر)، وإنما الكلام في وجه تقديمه على اطلاق الدليل الآخر، وهناك عدة وجوه ذُكرت لهذا التقديم:

الوجه الأول: دعوى أنَّ الموجب للتقديم هو عمل المشهور، فإنَّ المشهور في موارد المعارضة يلتزم بعدم الوجوب وتقديم (لا ضرر).

وهذا الوجه يرجع الى أنَّ الشهرة الفتوائية هل تكون موجبة للتقديم كما هو الحال في الشهرة الروائية في باب التعارض أو لا توجب ذلك؟

والصحيح أنَّ الشهرة الفتوائية لا دليل على أنها من المرجحات، فلا يكون عمل المشهور موجباً للتقديم.

الوجه الثاني: هو أن يقال أنهما يتعارضان في مادة الاجتماع ويتساقطان، فنرجع الى الأصل الجاري في المسألة، وهو أصالة البراءة عن وجوب الوضوء، فنصل الى نفس النتيجة على تقدير تقديم دليل (لا ضرر) على دليل وجوب الوضوء.

واعترض عليه: بأنَّ ذلك لا يترتب عليه إلا نفي التكليف - الذي يتكفل به الدليل المعارض للقاعدة - وهذا لا يكفي لإثبات حكم آخر مترتب على ترجيح القاعدة كوجوب التيمم.

وهذا الجواب مبني على أنَّ وجوب التيمم إنما يثبت إذا نفينا وجوب الوضوء الضرري بالقاعدة، وأما إذا نفيناه بأصالة البراءة ونحوها فلا يثبت، ولعل الوجه في ذلك هو أنَّ البراءة لا تنفي وجوب الوضوء الضرري واقعاً حتى يثبت وجوب التيمم، بل يبقى احتمال وجوبه واقعاً على حاله، فيتشكل علم اجمالي بوجوب الوضوء الضرري أو وجوب التيمم فيجب الاحتياط، وهذا بخلاف القاعدة فإنها تنفي وجوب الوضوء الضرري واقعاً، فيثبت حينئذٍ بدله وهو التيمم.

وأُجيب عنه: بأنه يمكن إثبات وجوب التيمم بإجراء البراءة أيضاً، وذلك لأنه بعد تشكل العلم الإجمالي المذكور فهو وإن كان يقتضي الاحتياط والعمل بكلا الجانبين، ولكن وجوب الاحتياط في جانب الوضوء الضرري يمكن نفيه بالقاعدة، وتوضيح ذلك:

إنَّ وجوب الاحتياط في جانب الوضوء الضرري حكم ضرري فيُنفى بالقاعدة، وأما وجوب الاحتياط في جانب التيمم فلا تجري فيه القاعدة لعدم كونه ضررياً فيبقى على حاله فيجب عليه التيمم، وهي نفس النتيجة التي نصل إليها إذا قدمنا دليل (لا ضرر) على دليل وجوب الوضوء.

والحاصل: أنَّ اطلاق القاعدة لوجوب الوضوء الضرري وإن سقط بالمعارضة مع اطلاق دليل وجوب الوضوء إلا أنَّ اطلاقها لوجوب الاحتياط من جانب الوضوء الضرري لا يسقط بالمعارضة لعدم وجود معارض له، إذ لا دليل على وجوب الاحتياط في مورد العلم الإجمالي شرعاً حتى يكون معارضاً لإطلاق القاعدة لوجوب الاحتياط، نعم العقل في موارد العلم الإجمالي يحكم بوجوب الاحتياط، ومن الواضح أنَّ حكم العقل بوجوب الاحتياط في موارد العلم الاجمالي هو حكم معلق دائماً على عدم ورود ترخيص من قبل الشارع، ولا إشكال في أنَّ قاعدة (لا ضرر) تعتبر ترخيصاً في المخالفة، ولهذا تكون رافعة لموضوع الحكم العقلي بالاحتياط، وبذلك يثبت وجوب التيمم.

logo