« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ هادي آل راضي
بحث الأصول

47/06/29

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

كان الكلام في شمول حديث (لا ضرر) للأضرار الاعتبارية، وقد ذكر السيد الشهيد قده أقساماً ثلاثة، والظاهر من عبارات تقريراته أنَّ الفرق بين الثاني والثالث يكمن في أنَّ الفرد تارة يكون فرداً من العنوان حقيقة ومطلقاً، أي بكل منظار وليس نسبياً، وهو القسم الثاني، وأخرى أنَّ الفرد يكون فرداً من العنوان حقيقة لكن فرديته ليست مطلقة وإنما هي نسبية، ومثَّل له بالضرر وبالحق الثابت للإنسان في ماله، فهما ثابتان بمنظار دون منظار، فنقص المال لا يكون ضرراً على كل تقدير وإنما يكون كذلك بمنظار من يراه حقاً ثابتاً له، وأما من لا يراه كذلك فلا يراه نقصاً وضرراً عليه، وهذا هو القسم الثالث.

ثم قال والصحيح في القسم الثالث أنَّ العنوان المأخوذ في كلام الشارع يشمل الأفراد الموجودة في زمانه ولا يشمل الأفراد المتجددة بعده، فحديث (لا ضرر) يشمل الأضرار العرفية الارتكازية الموجودة في زمان الشارع ولا يشمل الأضرار المتجددة بعد زمانه.

أما الدعوى الأولى - أي شمول العنوان المأخوذ في الدليل للأفراد الموجودة في زمانه - فبمقتضى الاطلاق اللفظي والاطلاق المقامي، أي أنَّ مقتضى الاطلاقين في الدليل هو أنَّ (الضرر) يراد به مطلق النقص ولو كان في الحقوق الثابتة للإنسان، أي شمول الدليل للأضرار العرفية الارتكازية الموجودة في زمان الشارع، بل هي القدر المتيقن من الحديث، وإنما الكلام يقع في شموله للأضرار المتجددة بعد زمانه، والصحيح هو عدم الشمول لعدم جريان الاطلاق اللفظي ولا الاطلاق المقامي، وذلك لأنَّ الاطلاق اللفظي إنما هو على أساس عرفية الشارع من جهة والفهم العرفي من جهة أخرى، ويعتبر هذا قرينة متصلة على صرف الكلام الى المعنى العرفي، ومن الواضح أنَّ الفهم العرفي المعاصر هو القرينة المتصلة دون الفهم العرفي المتأخر زماناً، وكذا الاطلاق المقامي فإنه يكون على أساس قرينية العرف الحاضر على كون نظر الشارع موافقاً لنظر العرف، وهو مختص بزمانه كما هو واضح.

ثم يستدرك على كلامه ويقول هناك أمران لابد من الالتفات إليهما:

الأمر الأول: إذا فرضنا أنَّ فرداً من أفراد العنوان لم يكن موجوداً في زمان الشارع بشخصه لكنه موجود بنكتته وبكبراه، بمعنى أنَّ العرف والعقلاء في زمان الشارع لا يلتفتون الى هذا الضرر لعدم وجوده، لكنهم كانوا يرون أنَّ المفهوم بنحو يشمل هذا الفرد، فلو عُرض عليهم هذا الفرد والتفتوا إليه لحكموا فيه بثبوت الحق وأنَّ الاعتداء عليه يعتبر ضرراً، فإنَّ ذلك يكون كافياً في شمول الحديث له، لأنَّ العبرة بسعة النكتة العقلائية وضيقها لا بوجود الأفراد الفعلية وعدم وجودها، فإذا فرضنا أنَّ حق الطبع والنشر الثابت في زماننا للمؤلف مشمول لنكتة المالكية الثابتة في ذلك الزمان كان منعه منه ضرراً عليه.

الأمر الثاني: عند الشك في ثبوت هذا الحق - الموجود في زماننا - في زمان الشارع لا نحتاج الى تجميع الشواهد التاريخية لإثبات ثبوت هذا الحق، والوجه فيه هو أنَّ هذا الفهم العرفي من الدليل الموجود فعلاً يعطي ظهوراً وتوسعة في ظهور الخطاب بحيث يشمل هذه الأفراد العنائية على أساس الاطلاق اللفظي أو الاطلاق المقامي، أي أنَّ فقرة (لا ضرر) ظاهرة في الشمول لهذه الأضرار المتجددة بعد زمان الشارع، وإنما الشك في أنَّ هذا الظهور في الشمول هل هو موجود في زمان الشارع أو ليس موجود في زمانه، بمعنى أنَّ الشارع هل رضي بشمول دليله لهذه الأفراد المتجددة أو لا، فإذا شُك في إمضاء الشارع لهذه الأفراد المتجددة رجع الشك الى ظهور الخطاب، وأنَّ ما يفهمه اليوم من اطلاقه وشموله هل كان ثابتاً في عصر الشارع أو لم يكن ثابتاً فيه، فيمكن اثباته على أساس أصالة الثبات في اللغة، أو أصالة عدم النقل أو الاستصحاب القهقرائي - وذلك بأن يقال أنَّ الظهور الموجود في الزمان اللاحق هل كان موجوداً في الزمان السابق أو لا، فيجري الاستصحاب القهقرائي لإثبات وجوده في الزمان السابق، أو يقال أنَّ الظهور الثابت في هذا الزمان لو لم يكن هو الظاهر من اللفظ في ذلك الزمان للزم وقوع النقل، والأصل عدمه - وبهذا يثبت أنَّ هذا الخطاب في زمان الشارع ظاهر في هذه الأفراد المتجددة.

logo