« قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ هادي آل راضي

بحث الأصول

42/07/21

بسم الله الرحمن الرحيم

الدليل الأول/ المقام الأول في أدلة الحرمة /التَّجري

الموضوع: التَّجري / المقام الأول في أدلة الحرمة / الدليل الأول

قلنا أنَّ الكلام في التجري يقع في عِدة مقامات :

المقام الأول : في حرمة الفعل الـمُتَجرَّى به ، كما إذا شرب ما يعتقد أنَّه خمر وتبين أنه ليس خمراً ، فالكلام يقع في أنَّ هذا الفعل هل هو حرامٌ شرعاً كما لو تبيَّن أنه خمر في الواقع _الذي لا إشكال في حرمته _ أو لا ؟ هذا المقام الأول.

المقام الثاني : في قُبح الفعل الـمُتَجرَّى به عقلاً ، هل هو قبيح يحكم العقل بقبحه أو لا ؟

المقام الثالث : العقاب على التَّجري .

أما المقام الأول : اُستدل على الحرمة بعدة ادلة :

الدليل الأول : هو التسمك بإطلاق أدلة الأحكام الأولية ، مثل خطاب لا تشرب الخمر بدعوى أنَّ هذا الخطاب كما يشمل مقطوع الخمرية في حالة الإصابة مع كونه خمراً كذلك يشمل مقطوع الخمرية في حالة الخطأ وعدم الإصابة ، فإذا شرب ما يعتقد أنَّه خمر فمع الإصابة _ مع فرض كونه خمراً في الواقع _ فلا إشكال في أنَّ الخطاب يشمله ، لكن هذا الخطاب فيه إطلاق يشمل أيضاً مقطوع الخمرية مع عدم كونه كذلك _ إي مع الخطأ _ ، فما يقطع بكونه خمراً حرامٌ ، سواءً كان خمراً في الواقع أو لم يكن خمراً في الواقع ، وهو فرض التجري فالخطاب مطلق يشمل كلتا الحالتين ، هذا التقريب المبدئي لهذا الدليل .

قبل بيان وجوه تقريب هذا الدليل لابد من الإلتفات الى أنَّ هذا الدليل إنما يجري فيما إذا كان الخطأ في التطبيق كما في مثال شِرب ما يعتقد أنه خمر ، فهذا الدليل يجري فيه ، ولا يجري فيما إذا كان الخطأ في نفس الحكم الشرعي كما لو قطعَ بحرمة أكل لحم الأرنب فأكله بإعتقاد أنه حرام لكن تبيّن أنه حلال ، فهذا الدليل يجري في الأول دون الثاني ، أما أنَّه يجري في الأول فواضح بإعتبار وجود خطاب شرعي مفاده لا تشرب الخمر ولم يحصل فيه الخطأ ، وإشتباه المكلف في التطبيق ، بأن تخيل أنَّ هذا المائع خمر فشربه بإعتقاد أنه خمر فتنبين أنه ماء ، فهناك خطاب شرعي يُتمسك بإطلاقه.

وأما عدم جريانه في الثاني فلعدم وجود خطاب شرعي يُتمسك بإطلاقه في صورة الخطأ في الحكم الشرعي _ أي في الشبهة الحكمية _ ، فلا معنى لأن يقال هنا نتمسك بإطلاق الخطاب لشمول الحرمة للمقطوع بكونه حراماً سواءً أصاب الواقع أو لم يُصب الواقع _ حالتي المعصية التجري _ ، فالمفروض هنا هو عدم وجود خطاب شرعي.

إذن هذا الدليل يختص بما إذا كان الإشتباه والخطأ في التطبيق ولا يشمل الخطأ والإشتباه في نفس الحكم الشرعي ، وهذا الدليل له تقريبان :

التقريب الأول : وهو التقريب الأبسط والأخصر ، وهو أن يُقال إنَّ خطاب لا تشرب الخمر ، وإن كان له ظهور لا يمكن إنكاره في أنَّ موضوع الحرمة هو شرب الخمر الواقعي ، وإفتراض إنَّ الموضوع هو مقطوع الخمرية لا قرينة عليه ، لأنّ الدليل يقول لا تشرب الخمر فهو كسائر الأدلة يكون المراد منه هو الخمر الواقعي ، الخمر لغة موضوع للخمر الحقيقي ولم يوضع لما يُقطع بكونه خمراً ، كسائر الأشياء الأخرى ، فعندما تقول حنطة ، أو وطن ونحو ذلك يُراد بها الأمور الواقعية لا ما تقطع بكونه حنطةً أو وطناً ونحو ذلك ، إذن لا إشكال في أنَّ خطاب لا تشرب الخمر ظاهر في أنَّ موضوع الحكم هو الخمر الواقعي .

لكن يُدعى أنَّ هناك قرينة عقلية تقتضي أن يكون المراد في هذا الخطاب هو مقطوع الخمرية لا الخمر الواقعي ، هذه القرينة هي أنَّ عنوان شرب الخمر الواقعي لا يمكن أنَّ يكون متعلقاً للتكليف لأنه يستبطن في نفسه إفتراض المصادفة للواقع ، لوضوح أنَّ الشرب لا يكون شرباً للخمر الواقعي إلا إذا صادف قطعُ المكلف الواقعَ ، ففي فرض إصابة القطع للواقع يكون شربه شرباً للخمر الواقعي ، إذن شرب الخمر الواقعي يستبطن إفتراض المصادفة للواقع ، فحينئذِ يقال إن َّالمصادفة للواقع ليست أمرا ًإختيارياً للمكلف ، لأنَّ الخطأ والمصادفة ليست داخلة تحت الإختيار ، فما معنى إن يُقال إذا صادف قطعك الواقع كان متعلقاً للتحريم ! ويستحيل تعلق التكليف بما يستبطن أمراً خارجاً عن القدرة والإختيار ، لأنّ التكليف به يكون تكليفاً بغير المقدور ، فيكون محالاً بحكم العقل ، وهذه هي القرينة العقلية.

ومن هنا لابد من صرف الخطاب عن ظاهره والإلتزام بتعلق الحرمة بشرب مقطوع الخمرية لا بالخمر الواقعي لأنه لا يستبطن عنوان المصادفة للواقع وهو أمرٌ إختياري ، فما تقطع بأنه خمر حرام سواءً صادف الواقع كما هو الحال في المعصية أو لم يصادف الواقع كما هو الحال في التَّجرِّي ، فلا يُعقل تَعلُّق التكليف بشرب الخمر الواقعي لهذا المحذور ، فلابد من صرف الخطاب عن ظاهره والإلتزام بأنَّ التكليف والحرمة تتعلق بشرب مقطوع الخمرية ، هذا هو التقريب الأول.

وجوابه : أنَّ المصادفة للواقع ليست من قيود الواجب التي يتعلق بها التكليف وإنما هي من قيود الوجوب التي لا يتعلق بها التكليف ، وقد مر بنا في بعض المباحث الأصولية الفرق بين قيود الواجب وقيود الوجوب ، والتي يشملها التكليف ويتعلق بها هي قيود الواجب نظير الطهارة والإستقبال في الصلاة ، الذي يرجع الى أنَّ متعلق الوجوب هو حصة خاصة من الطبيعي ، فالوجوب لا يتعلق بطبيعي الصلاة وإنما يتعلق بالصلاة مع الطهارة والإستقبال وهكذا ، وهذه القيود يتعلق بها الوجوب ويُطلب من المكلف إيجادها فهو مسؤول عنها وهي تحت قدرته وداخلة تحت إختياره ، فيطلب منه تحقيق الطهارة حتى تكون صلاته صلاة عن طهارة ، ويطلب منه أن يستقبل القبلة في صلاته حتى كون صلاته الى الكعبة ، فهذه قيود للواجب يتعلق بها التكليف.

وهناك قيود من نوع آخر ، قيود للوجوب من قبيل الإستطاعة بالنسبة الى الحج والزوال بالنسبة الى الصلاة ومن قبيل النهي عن السفر _ كما في بعض الروايات _ إذا دخلَ شهر رمضان ، والإستطاعة ليست قيداً في الحج في الواجب وإنما هي قيد في الوجوب ، فوجوب الحج مشروطٌ بالإستطاعة ، لا أنَّ الحج عن إستطاعة يتعلق به الوجوب كما هو الحال في الصلاة مع الطهارة ، فالإستطاعة شرطٌ في الوجوب بحيث ينتفي الوجوب بإنتفائها ، وأما الطهارة فلا ينتفي الوجوب بإنتفائها بل يطلب من المكلف إيجادها لأنها قيد في الواجب ويتعلق بها التكليف ولا يدور الوجوب مدارها ، بخلاف وجوب الحج يدور مدار الإستطاعة ، فإذا وجِدت الإستطاعة يجب الحج وإذا لم توجد فلا يجب الحج ، هذه من قيود الوجوب ، ونحوها الزوال بالنسبة الى الصلاة ودخول شهر رمضان بالنسبة الى حرمة السفر _ إذا قلنا به _ ، وحيث أنَّ التكليف لا يتعلق بقيود الوجوب ولا يطلب من المكلف إيجادها فلا مانع أن تكون غير مقدورة له كما هو الحال بالنسبة الى الزوال أو دخول شهر رمضان ، فقيود الوجوب قد تكون مقدورة لكن لا يطلب منه تحقيقها وقد تكون غير مقدورة أساساً للمكلف ، ولا مانع من ذلك لأنَّ التكليف لا يتعلق بها حتى يقال أنه تكليف بغير المقدور ، بخلاف قيود الواجب فحيث يتعلق بها التكليف فلابد أن تكون مقدورة كالطهارة والإستقبال ونحو ذلك.

إذا إتضح هذا نأتي الى محل الكلام ، المصادفة للواقع التي قيل بأنَّ شرب الخمر الواقعي يستبطن إفتراض المصادفة ، فهل المصادفة للواقع من قيود الحرمة أو من قيود الحرام ، بمعنى هل هي من قيود التكليف أو من قيود متعلق التكليف ؟ التي عَبَّرنا عنها في الواجبات بقيود الوجوب وقيود الواجب ، ولكن لا خصوصية للوجوب كما هو واضح ، فالقيد تارة يكون قيداً في التكليف بحيث يدور التكليف مداره وجوداً وعدماً ، وأخرى يكون قيداً في متعلق التكليف ، فإذا كان التكليف هو الحرمة فالمصادفة للواقع هل هي قيدٌ في التكليف وحينئذٍ لا يتعلق التكليف بها لأنها غير مقدورة وخارجة عن الإختيار ، أم هي من قيود متعلق التكليف حتى يتعلق التكليف بها ؟

الصحيح في المقام وبه يكون الجواب عن هذا التقريب هو أنَّ المصادفة للواقع هي من قيود التكليف لا من قيود متعلق التكليف ، والسر في ذلك هو أنَّ الخمر الواقعي وقع موضوعاً في الخطاب الشرعي ، وسلمنا أنه يستلزم المصادفة وسلمنا أيضاً أنَّ المصادفة خارجة عن الإختيار ، لكن حيث أنه وقعَ موضوعاً في القضية فلابد أن يؤخذ مفروض الحصول والتَحقُق كما هو الحال في سائر موضوعات الأحكام الشرعية ، أي على تقدير أن يكون هذا الشرب شرباً للخمر الواقعي فهو حرام ، وإذا كان مفروض الحصول والتحقق فهذا يعني بعد فرض تحققه يثبت له الحكم ، وهذا يعني أنَّ التكليف لا يتعلق به لأنه اُخذ مفروض الحصول والتحقق قبل تحقق التكليف ، فعلى تقدير أن يكون هذا الشرب شرباً للخمر الواقعي المتوقف على المصادفة للواقع فشربه حرام ، فإذن الحرمة ثابتة بعد فرض تحقق أنَّ الشربَ شربٌ للخمر الواقعي ، وأن القطع مصادف للواقع ، إذن لا يعقل أن يكون التكليف متعلقاً به حتى يقال أنَّ التكليف به يكون تكليفاً بغير المقدور ومحال.

وهو من قبيل إذا كان هذا زيد فيجب إحترامه ، أو إذا كان القادم عالماً فيجب إحترامه والقيام له مثلاً ، هذا وجوب الإحترام في مرحلة متأخرة عن فرض الموضوع ، وفي محل الكلام إذا اُفترض الموضوع وفرض أنَّ هذا الشرب شربٌ للخمر الواقعي، يعني إذا صادف القطع الواقع _ ولا يكلفه بالمصادفة _ فيكون شرب الخمر حراماً ، وبهذا يثبت أن المصادفة للواقع وإن كانت مستبطنة في إفتراض شرب الخمر الواقعي لكنها من قيود التكليف ، وقيود التكليف لا ينبسط عليها التكليف ، فلا يتعلق بها التكليف حتى تقول هي خارجة عن القدرة فكيف يتعلق بها التكليف وأنَّ التكليف يكون تكليف بغير المقدور .

وعليه لا مانع من أن تكون غير مقدورة كما هو الحال في الزوال بالنسبة الى الصلاة والإستطاعة بالنسبة الى الحج ، ليكن الزوال غير مقدوراً لكنه من قيود التكليف فلا ينبسط عليها التكليف حتى تقول هي غير مقدورة ، ولا مشكلة في إفتراض أن َّشرب الخمر الواقعي يستبطن المصادفة للواقع ولا يلزم من ذلك محذور ،فإلى هنا ينبغي أن نحمل الدليل والخطاب على ظاهره ، إذن هذا التقريب الأول لهذا الدليل ليس تاماً.

التقريب الثاني لهذا الدليل هو ما قربه المحقق النائيني قده ، وكأنه لا يلتزم به ولكن قربه بوجه فني ، ويوجد إختلاف بين مُقرري بحث المحقق النائيني في كيفية تقريب هذا الدليل ، ونحن نعتمد على ما ذكره الشيخ الحُلي قده في تقريب هذا الدليل نقلاً عن استاذه.

 

هوش مصنوعی
برای استفاده از کلیدهای میانبر، پس از انتخاب متن از کلیدهای زیر استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
هوش مصنوعی:
ترجمه: Alt+t
ترجمه نوع دوم: Alt+Ctrl+t
خلاصه سازی: Alt+s
خلاصه سازی نوع دوم: Alt+Ctrl+s
اعراب گذاری: Alt+d
---------------------
جستجو:
جستجو در همه دروس: Alt+a
پس از انتخاب متن می توانید از امکانات هوش مصنوعی، مانند
مترجم، خلاصه ساز و اعراب گذاری استفاده کنید
چنانچه بخشی از متن انتخاب نشود به صورت پیش فرض همه متن انتخاب می شود
logo