46/11/23
كتاب الشهادات.
الموضوع: كتاب الشهادات.
القول: فيما به يصير الشاهد شاهداً.
مسألة (3): هل يجوز الشهادة بمقتضى اليد والبيّنة والاستصحاب ونحوها من الأمارات والاصول الشرعية، فكما يجوز شراء ما في يده أو ما قامت البيّنة على ملكه أو الاستصحاب، كذلك تجوز الشهادة على الملكية. وبالجملة: يجوز الاتّكال على ما هو حجّة شرعية على الملك ظاهراً، فيشهد بأنّه ملك مريداً به الملكية في ظاهر الشرع؟ وجهان، أوجههما عدم الجواز إلّا مع قيام قرائن قطعية توجب القطع. نعم، تجوز الشهادة بالملكية الظاهرية مع التصريح به؛ بأن يقول: هو ملك له بمقتضى يده أو بمقتضى الاستصحاب؛ لا بنحو الإطلاق. ووردت رواية بجواز الشهادة مستنداً إلى اليد وكذا الاستصحاب.[1]
في المسألة كلام بين الأعلام، فهل تصح الشهادة على طبق ما تفيده الحجج الشرعية وقواعدها، سواء منها العامة أم الخاصة، وهكذا الأصول المعتبرة سواء أكانت موضوعية أم حكمية؟ وعليه أتجوز الشهادة بمقتضى اليد والبينة والإستصحاب ونحوها؟ أو لا تصح الشهادة على طبق الأمارات الشرعية والأصول المعتبرة، موضوعية كانت أو حكمية؟ نعم، قبل الإجابة على ذلك لا بد أولًا من الإشارة أن العلماء (أعلى الله مقامهم) إتفقوا على أمرين في المقام:
الأول: صحة الشهادة بالملكية الظاهرية مع التصريح به، بأن يقول: هذا ملك له بمقتضى يده، أو بمقتضى الإستصحاب، ولكن لا بنحو الإطلاق، على نحو الملكية الواقعية.
الثاني: صحة الشهادة في المقام إذا قامت القرائن القطعية التي توجب القطع، وعندئذٍ لا إشكال في جواز الشهادة، لأنها شهادة بما يعلم. ثم إنه قد تقدم في المسألة السابقة (١) أن الضابط فيما به يصير الشاهد شاهدًا هو العلم، وتقدم الإستدلال على ذلك من الكتاب العزيز والسنة الشريفة، وعليه فلا يصدق على الشاهد أنه شاهد إلا إذا إستندت شهادته على العلم. وحيث إن الأمارات الشرعية والأصول المعتبرة، وما ذكرنا من القواعد كاليد والإستصحاب ونحوهما فإنها وإن كانت معتبرة لعنوان الأمارة، أو الأصل العملي، إلا أنها لا تفيد العلم، بل أقصى ما تفيده الظن، بل حتى إعتبارها ليس لإفادتها الظن الشخصي فضلًا عن العلم. وعندئذٍ، يمكن لنا أن نقول بالفرق الواضح ما بين الحجية، وببن جواز الشهادة على طبقها، وذلك لوضوح عدم الملازمة بين المسألتين. ولكن ذهب بعضهم إلى جواز الشهادة على طبق (اليد) خلافًا لما تقدم معنا قبل قليل، إعتمادًا على رواية حفص بن غياث:
-(محمّد بن يعقوب، عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه وعليِّ ابن محمّد القاساني، جميعاً، عن (القاسم بن يحيى)، عن سليمان بن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال له رجل: إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنّه له؟ قال: نعم، قال الرجل: أشهد أنّه في يده ولا أشهد أنّه له فلعلّه لغيره، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أفيحلّ الشراء منه؟ قال: نعم، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فلعلّه لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك؟ ثمَّ تقول بعد الملك: هو لي وتحلف عليه، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك؟ ثمَّ قال أبو عبد الله (عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق)[2] .
إلا أنه لا بد من حملها على كون المراد من الشهادة ليست الشهادة عند الحاكم في موارد التخاصم التي يختلف الحكم بإطلاقها، بل المراد منها هي النسبة بأنه له ليس إلا، والمؤيد لذلك قول الإمام (عليه السلام) في الرواية: (لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق). فالعمل على ملك ذي اليد الذي لا منازع له، لا مدخلية لسوق المسلمين فيها. وعليه، يمكن القول بأن ما تقدم من الأدلة على إعتبار العلم بالمشهود به من الكتاب: (ولا تقف ما ليس لك به علم). وغيرها. ومن السنة روايتي: علي بن غياث والسكوني المتقدمين:
-(وعنهم، (عن أحمد، عن محمّد بن حسان)، عن إدريس بن الحسن، عن عليِّ بن غياث، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: لا تشهدنَّ بشهادة حتّى تعرفها كما تعرف كفّك)[3] .
-(عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): لا تشهد بشهادة لا تذكرها، فانّه من شاء كتب كتاباً ونقش خاتماً)[4] .
قرينة على أن المراد بالشهادة في هذه الرواية (حفص بن غياث) غير الشهادة في باب القضاء هذا مع عدم الملازمة بين صحة الشهادة على شيء وبين جواز شرائه، وذلك لكون جواز الشراء مترتب على الحكم بالملكية ظاهرًا، وأما صحة الشهادة بأنها مترتبة على العلم بالمشهود به، كما هو أوضح من أن يخفى.
نعم بقي مصححة معاوية بن وهب التي إشارة اليها المصنف:
-(عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يكون في داره، ثمَّ يغيب عنها ثلاثين سنة ويدع فيها عياله، ثمَّ يأتينا هلاكه ونحن لا ندري ما أحدث في داره، ولا ندري (ما احدث) له من الولد، إلاّ أنّا لا نعلم أنّه أحدث في داره شيئاً ولا حدث له ولد، ولا تقسم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار حتّى يشهد شاهدا عدل أنَّ هذه الدّار دار فلان بن فلان، مات وتركها ميراثا بين فلان وفلان، أو نشهد على هذا؟ قال: نعم، قلت: الرجل يكون له العبد والأمة فيقول: أبق غلامي أو أبقت أمتي (فيؤخذ بالبلد) فيكلّفه القاضي البيّنة أنَّ هذا غلام فلان لم يبعه ولم يهبه، أفنشهد على هذا إذا كلفناه، ونحن لم نعلم أنّه أحدث شيئاً؟ فقال: كلّما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته، أو غاب عنك لم تشهد به)[5] .
-(عن الحسن بن محمّد بن سماعة، عن أحمد بن الحسن وغيره، عن معاوية بن وهب، ولا أعلم ابن أبي حمزة إلاّ رواه عن معاوية بن وهب، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يكون له العبد والأمة قد عرف ذلك فيقول: أبق غلامي أو أمتي، فيكلّفونه القضاة شاهدين بأنَّ هذا غلامه أو أمته لم يبع ولم يهب، أنشهد على هذا إذا كلّفناه؟ قال: نعم)[6] .
التي أشار إليها سيدنا الماتن (قده) في متنه والتي استدل بها بعضهم على صحة الشهادة مستندًا إلى الإستصحاب. ولكن بغض النظر عن ما فيها من السند من جهة، وعن ما فيها من الدلالة المتفاوتة فيما بينها من جهة ثانية، إذ أن القسم الأول من الرواية (أو تشهد على هذا؟ قال نعم). الثانية معارض مع القسم الثاني منها (لم تشهد به) يمكن حملهما على حالة وجود القرينة الموجبة للعلم، والله العالم.