« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ يوسف السبيتي
بحث الفقه

46/10/23

بسم الله الرحمن الرحيم

 كتاب الشهادات.

الموضوع: كتاب الشهادات.

القول: في صفات الشهود.

مسألة (5): النسب لا يمنع عن قبول الشهادة، كالأب لولده وعليه، والولد لوالده. والأخ لأخيه وعليه، وسائر الأقرباء بعضها لبعض وعليه. وهل تقبل شهادة الولد على والده؟ فيه تردّد. وكذا تقبل شهادة الزوج لزوجته وعليها، وشهادة الزوجة لزوجها وعليه. ولا يعتبر في شهادة الزوج الضميمة، وفي اعتبارها في الزوجة وجه، والأوجه عدمه. وتظهر الفائدة فيما إذا شهدت لزوجها في الوصيّة، فعلى القول بالاعتبار لا تثبت، وعلى عدمه يثبت الربع[1] .


لا خلاف ولا كلام في أصل قبول شهادة الأقارب لهم وعليهم، والكلام في مطلق الأقارب بلا فرق بين كونهم آباء وأبناء وأخوة وأعمام وأخوال من الذكور والإناث. وهذا ما عليه إطلاقات الأدلة ويدل عليه جملة من النصوص والروايات عن أهل البيت (عليهم السلام) منها:

صحيحة الحلبي:

-(عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حمّاد، عن الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه، فقال: تجوز)[2] .

وموثقة سماعة:

-)عن الحسين بن سعيد، عن زرعة، عن سماعة، قال: سألته عن شهادة الوالد لولده، والولد لوالده، والأخ لأخيه، قال: نعم)[3] .

ومعتبرة السكوني:

-(عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن إبراهيم بن هاشم، عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن إسماعيل بن أبي زياد السكوني، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) أنَّ شهادة الأخ لأخيه تجوز إذا كان مرضيّاً ومعه شاهد آخر)[4] .

ويفهم من هذه الروايات أمور:

الأول: ثبوت قبول أصل شهادة القريب بلا فرق بين كون الشهادة له او عليه، وإن كان سؤال السائل للإمام (عليه السلام) عن الشهادة للقريب وليس عليه، لكن ذلك لا يمنع من يكون المنساق عرفا من الكلام قبول شهادة القريب لقريبه وعليه بنحو عام وفي اغلب الموارد.

الثاني: أن ما ورد في معتبرة السكوني من تقييد قبول (شهادة الأخ لأخيه إذا كان مرضيًا ومعه شاهد آخر) لحاجة إنضمام شهادته إلى شاهد آخر، وفهم بعضهم أن يكون أجنبيًا.

وهذا ممنوع في الأمرين معًا (الإنضمام لشاهد آخر، وأن يكون أجنبيًا) وذلك لكون الرواية أولًا في مقام بيان عدم الإكتفاء بشاهد واحد، بل لا بد من ضميمة شاهد آخر لأن المورد من البينات الشرعية ولا بد من شهادة العدلين.

وثانيًا: لا يفهم من الرواية أن يكون الشاهد الثاني أجنبيًا، بل لا دلالة على ذلك من الرواية أصلًا، وعليه، فلو شهد أخوان عادلان لأخ لهما قبلت شهادتهما معًا. بلا خلاف لإطلاق أدلة قبول شهادة الأخ.

نعم وقع الكلام بين الأعلام في قضيتين من قضايا شهادة الأقارب بعضهم لبعض.

الأولى: في قبول شهادة الولد على أبيه وعدمه.

الثانية: في قبول شهادة الزوجة على زوجها وعدمه.

وهذا بعد الإتفاق والإجماع على قبول شهادة الولد لأبيه لا عليه، وكذا شهادة الزوجة لزوجها لا عليه.

أما في القضية الأولى.، فقد تردد سيدنا الاستاذ (قده) في القبول والمنع، ولم يعط رأيا في المسألة سلبًا أو ايجابًا.

وعند التتبع نلاحظ بأن مشهور الفقهاء (أعلى الله مقامهم) قديماً وحديثًا ذهب إلى عدم القبول وادعى أكثر من واحد الإجماع على عدم القبول كما في الخلاف حيث قال: (شهادة الولد على والده لا تقبل بحال. وقال الشافعي: إن تعلق بالمال أو بما يجري مجرى المال -كالدين والنكاح والطلاق- قبلت، وان شهد عليه بما يتعلق بالبدن -كالقصاص وحد الفرية- فيه وجهان، أحدهما: لا تقبل، والثاني: -وهو الأصح- تقبل.

دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، فإنهم لا يختلفون فيه)[5] .

وفي السرائر حيث قال: (لا بأس بشهادة الوالد لولده وعليه، مع غيره من أهل الشهادة، ولا بأس بشهادة الولد لوالده، ولا يجوز شهادته عليه. وقال السيد المرتضى في انتصاره يجوز أيضا شهادته عليه والأول هو المذهب، وعليه العمل، والإجماع منعقد عليه، ولا اعتبار بخلاف من يعرف باسمه ونسبه)[6] .

ولكن يمكن الخدشة في الإجماع بعدم تحققه مع خروج السيد المرتضى (قده) في الانتصار: حيث قال: (ومما انفردت الإمامية به في هذه الأعصار وإن روي لها وفاق قديم: القول بجواز شهادة ذوي الأرحام والقرابات بعضهم لبعض إذا كانوا عدولًا من غير استثناء لأحد، إلا ما يذهب إليه بعض أصحابنا معتمدًا على خبر يرويه من أنه لا يجوز شهادة الولد على الوالد وإن جازت شهادته له، ويجوز شهادة الوالد لولده وعليه. وقد رويت موافقة الإمامية في ذلك عن عمر بن الخطاب وشريح والزهري وعمر بن عبد العزيز والحسن البصري والشعبي وأبي ثور، وروى الساجي أن إياس بن معاوية أجاز شهادة رجل لأبيه وأخذ يمين الطالب)[7] .

والمحكي عن الإسكافي حكى عنه السيوري في كنز العرفان حيث قال: (وعلى كل فلو ترددوا في النسبة إلى السيد والإسكافي، فلا ترديد في عبارة الدروس وانه اختار القبول كعدة ممن تأخر عنه كالكفاية والمفاتيح وشرحه والمسالك وشرح الإرشاد وعدة ممن تقدم عليه أيضا كما هو ظاهر التحرير حيث نسب القول بالمنع إلى الأشهر. بل قد عرفت من ظاهر كلام السيد انه اختيار عدة من الأصحاب أيضا..)[8] .

وأيضا قواه في الدروس حيث قال: (فلو شهد الولد على والده ردّت عند الأكثر، ونقل الشيخ فيه الإجماع والآية، وخبر داود بن الحصين وعلي بن سويد تعطي القبول، واختاره المرتضى رحمه اللّٰه وهو قويّ، والإجماع حجّة على من عرفه. وفي حكمه الجدّ وإن علا على الأقرب)[9] .

وتردد بذلك العلامة في التحرير حيث قال: (الثالث: النسبّ وإن قرب لا يمنع قبول الشهادة، فتُقْبل شهادةُ الأب لولده وعليه، والولد لوالده، والأخ لأخيه وعليه. ولا تُقبل شهادة الولد على والده على الأشهر، سواء شهد بمال أو بحق متعلّق ببدنه، كالقصاص والحدّ. ولا فرق بين الأب الأدنى والأبعد على إشكال)[10] .

ومال إلى ذلك بعض المتأخرين.

ولكن الإنصاف بأن السيد المرتضى(قده) لم يخالف الإجماع على عدم القبول وإنما نسب عدم القبول إلى بعض الأصحاب، ولم يقل بالجواز إلا بمقتضى إطلاق كلامه في الانتصار لا صريحة، وأما الاسكافي فقد اختلف النقل عنه، بل ربما يقال بأنه لم يتعرض للمسألة، وأما الشهيد في دروسه فقد اختار المنع في شرح نكت الإرشاد حيث قال: (ولما رواه داود بن الحصين أنّه سمع الصادق عليه السّلام يقول: «أقيموا الشهادة على الوالدين والولد». والإيراد والإشكال كما تقدّم. والأقوى الاعتماد على الإجماع)[11] .

وعليه فالخدشة بالإجماع غير مضرة به.

ومن وجوه الاستدلال بمنع قبول شهادة الولد على والده:

قوله تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾[12] .

وتقريبه أن شهادة الولد على والده والرد عليه وتكذيبه في فعله وإدعائه، هو من أبرز مصاديق العقوق للوالدين، اللهم إلا أن تكون شهادة الولد على ابيه لأجل إقامة الحق وردع الأب عن الباطل والحرام، ولأجل تفريغ ذمته من حقوق الناس خصوصًا إذا كان الوالد خارجًا عن طاعة الله تعالى، وتراه لا يبالي بأحكام الله تعالى، ولا يكترث لتعاليم الشريعة الحقة فلا يكون ذلك عقوقًا له بل إنقاذًا ونجاة لأبيه من الحرام، وقد ورد مثله في عموم علة ذلك في قول نبينا الأعظم (صلى الله عليه وآله) في الصحيح عن مولانا الصادق (عليه السلام):

-)محمد بن علي بن الحسين بإسناده عن الحسن بن محبوب، عن عبدالله ابن سنان، عن أبي عبدالله (عليه ‌السلام) قال: جاء رجل إلى رسول الله (صلى‌ الله ‌عليه ‌وآله) فقال: إن امي لا تدفع يد لامس، فقال: فاحبسها، قال: قد فعلت، قال: فامنع من يدخل عليها، قال: قد فعلت، قال: قيدها، فانك لا تبرها بشيء أفضل من أن تمنعها من محارم الله عزّ وجلّ).[13]

وعليه يمكن حمل ما يمكن توهمه من معارضة آية المصاحبة بالمعروف بآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾[14] .

مع أن هذه الآية الشريفة يمكن حملها لا على نحو الشهادة بمفهومها الخاص كما في معناها المراد في المقام، وإنما المراد منها بيان الشهادة في اصول الدين بقرينة قوله تعالى: (شهداء لله) فتكون من سنخ قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).[15]

 


logo