46/08/20
كتاب الشهادات.
الموضوع: كتاب الشهادات.
القول: في صفات الشهود.
تابع الخامس: طيب المولد، فلا تقبل شهادة ولد الزنا وإن أظهر الإسلام وكان عادلًا. وهل تقبل شهادته في الأشياء اليسيرة؟ قيل: نعم، والأشبه لا. وأمّا لو جهلت حاله فإن كان مُلحقاً بفراش تقبل شهادته وإن أنالته الألسن، وإن جهلت مطلقاً ولم يعلم له فراش ففي قبولها إشكال[1] .
وفي مقابل هذه الروايات روايتان:
الاولى:
-(عبد الله بن جعفر في (قرب الاسناد) عن عبد الله بن الحسن، عن عليّ بن جعفر، عن أخيه، قال: سألته عن ولد الزنا هل تجوز شهادته؟ قال: (نعم، تجوز شهادته) ولا يؤمّ).[2]
ولكن يرد عليها:
اولًا: بضعف سندها بعبد الله بن الحسن الذي لم تثبت وثاقته.
ويرد عليه بأن الأصحاب عملوا بالكثير من مروياته.
ثانيًا: حملها البعض على افتراض صحة سندها على التقية ومنهم صاحب الوسائل (قده) وأيضا كما في تكملة المنهاج حيث قال: (لا بد من حملها على التقية)[3] .
ويمكن أن يرد عليه: بأن العمل بالترجيحات إنما هي على نحو الترتب، فالترجيح بموافقة الكتاب العزيز يكون قبل الترجيح بمخالفة العامة، وعليه فلو قلنا بتمامية السند وذهبنا إلى الترجيح، فإنه لا محالة نأخذ بترجيح موافقة الكتاب، حيث إنه لم يرد فيه تقييد العادل بأن يكون طاهر المولد، وعندئذ يقدم على روايات المنع من قبول شهادة ولد الزنى ولكن هذه الرواية نقلها صاحب الوسائل(قده) في باب ٣١.
-(ورواه عليُّ بن جعفر في كتابه، عن أخيه، إلاّ أنّه قال: لا تجوز شهادته ولا يؤمّ)[4] .
عن كتاب علي بن جعفر ويبدو أنها نفس الرواية المذكورة في قرب الإسناد التي تقدمت، وعليه يكون الأمر من باب الإختلاف في النسخ، ونسخة كتاب علي بن جعفر أولى بالصحة، ولكن على أي حال فمع الإجمال بإختلاف النسخ فإن الرواية تسقط عن الإعتبار. ومع هذا فلو تم سندها، فلا يمكن الجمع بينها وبين ما تقدم من روايات المنع بحملها على الكراهة، لأن الحكم في المقام كان وضعيًا لا تكليفي.
الرواية الثانية في مقابل روايات المنع من شهادة ولد الزنى:
-(عن الحسين بن سعيد، عن فضالة، عن أبان، عن عيسى بن عبد الله، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شهادة ولد الزنا؟ فقال: لا تجوز إلاّ في الشيء اليسير إذا رأيت منه صلاحاً)[5] .
سندها تام، وحملها بعض الأجلة على التقية كما هو واضح ومع هذا فإن فيها إجمالًا من جهة الدلالة حيث إن اليسير والكثير أمران إضافيان، بإعتبار أن اليسير إذ نظرنا إليه بالنسبة إلى ما هو أدنى منه فهو كثير، وإذا نظرنا إليه بلحاظ ما هو أعلى منه فهو يسير وقليل، هذا مع إختلافهما من جهة الزمان والمكان والحال والأحوال، وإختلاف الرجال.
ولكن، يمكن القول بأنهما مفهومان عرفيان بلحاظ إهتمام العرف للقلة والكثرة بحد ما، وقد يقال بأن الإختلاف وخاصة في الزمان والمكان لا يضر في تطبيق الحكم مع هذا الإختلاف، لأن المناط تطبيق الحكم في الزمن الواحد والمكان الواحد، وكذا يقال بأن المقام إنما هو في المصاديق المشكوكة وليس في كل يسير وكثير، وعليه فلا مانع من حجية الرواية.
هذا فيما لو غضضنا النظر عن الشهرة المحققة في خلاف ذلك وعدم الأخذ بهذه الرواية، خصوصًا مع وجود روايات مطلقة صحيحة سندًا وصريحة دلالةً وهي من شأنها أن تورث الإطمئنان بمفادها مما يسقط الرواية هذه عن الإعتبار ولكن مع هذا كله، يمكن أن نقول بأن أداء الشهادة، بذاتها ليست من الأمور التي تبعث على الإفتخار والإعتزاز عند العقلاء وكذا عدم الأداء لها ليس من موارد الذم والمنقصة عندهم، بل قد ترى الكثير من العقلاء وأصحاب النفوس العلية يحترزون عن أداء الشهادة ويجتنبون ذلك لما يحتوي على الشبهات والمخاطر وبالتالي فهو تكليف قد اسقطه الله عن إبن الزنا.
-هل تقبل شهادة مجهول الحال في كونه إبن زنا، أو، لا؟
تقدم الكلام فيمن كان معلوم الحال بكونه إبن زنا، ولكن وقع الكلام في مجهول الحال، وهذا على نحوين:
تارة يكون له فراش، وأخرى مجهولية الفراش أيضا.
أما الأول وهو كونه ملحقا بالفراش، لتوفر شرائط اللحاق بالفراش، فلا إشكال عندئذ من قبول شهادته ولا يضر في ذلك إنالته الألسن وشيوع الخبر بين الناس.
وطوراً لا يكون له فراش، فقد وقع الكلام بين الأعلام (أعلى ألله مقامهم) في القبول وعدمه.
وقد ذهب سيدنا الأُستاذ (قده) إلى الإستشكال في قبول شهادته في المقام، وهذا ما عليه المشهور، وذهب بعضهم إلى قبول شهادته عملًا بالعمومات والإطلاقات مع عدم ورود المخصص، كما ورد في مباني تكلمة المنهاج للسيد الخوئي (قده)، حيث قال: (إن المخصص عنوان وجودي، فيثبت عدمه عند الشك فيه بالأصل)[6] .
ويمكن الإجابة على ذلك، بأن الأصل ههنا هو إستصحاب العدم النعتي بعدم المنعوت، كما في إستصحاب عدم قرشية المرأة فإن القضية المشكوكة سالبة بإنتفاء المحمول، والقضية المتيقنة سالبة بإنتفاء الموضوع، ولا إتحاد بين القضيتين، فإن ولد الزنا يكون مشكوكا من حيث إنعقاد نطفته، ولم يمض عليه، زمان علم بعدم كونه من زنا حتى يستصحب العدم.
واللافت أن سيدنا الأٌستاذ ينكر جريان الأصل في مثل إستصحاب عدم القرشية، ومع ذلك نراه في متنه (قده) يذكر ذلك بمجرد قوله بأنه محل إشكال، مع أن الإنسجام بين بحثه الأُصولي وبين بحثه الفقهي يكون بالفتوى بعدم القبول وليس مجرد إشكال.
اللهم إلا أن نقول بالأصل الشرعي للحكم بطهارة مولد كل من لم يعلم أنه إبن زنا والبناء على مقتضى قاعدة الصحة في عمل المسلم.