« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ يوسف السبيتي
بحث الفقه

46/07/21

بسم الله الرحمن الرحيم

 كتاب الشهادات.

الموضوع: كتاب الشهادات.

القول: في صفات الشهود.

الثالث :الإيمان، فلا تقبل شهادة غير المؤمن فضلًا عن غير المسلم مطلقاً على مؤمن أو غيره أو لهما. نعم، تقبل شهادة الذمّي العدل في دينه في الوصيّة بالمال؛ إذا لم يوجد من عدول المسلمين من يشهد بها، ولا يعتبر كون الموصي في غُربة، فلو كان في وطنه ولم يوجد عدول المسلمين تقبل شهادة الذمّي فيها. ولا يلحق بالذمّي الفاسق من أهل الإيمان. وهل يلحق به المسلم غير المؤمن إذا كان عدلًا في مذهبه؟ لا يبعد ذلك. وتقبل شهادة المؤمن الجامع للشرائط على جميع الناس من جميع الملل. ولا تقبل شهادة الحربي مطلقاً. وهل تقبل شهادة كلّ ملّة على ملّتهم؟ به رواية، وعمل بها الشيخ قدس سره[1] .

ذكر سيدنا الماتن (قده) في هذه المسألة عدة قضايا:

١- إشتراط الإيمان (أن يكون إثنا عشري).

٢- قبول شهادة الذمي العدل في دينه في الوصية بالمال مع عدم وجود عدول المسلمين.

٣- عدم إشتراط شهادة الذمي أن يكون الموصي في الغربة.

٤- هل يلحق بالذمي الفاسق من أهل الإيمان؟

٥- هل يلحق بالذمي المسلم غير المؤمن إذا كان عدلا في مذهبه؟

٦- قبول شهادة المؤمن الجامع للشرائط على جميع الناس وأهل الملل.

٧ - هل تقبل شهادة الحربي؟

٨ - هل تقبل شهادة كل ملة على ملتهم؟

١- القضية الأولى: (إشتراط الإيمان) في الشاهد، فقد استدلوا عليه بالإجماع، كما إدعاه أكثر من واحد، كالفاضل المقداد في التنقيح الرائع حيث قال: (اتفق الأصحاب على عدم قبول شهادة غير المؤمن مسلما كان أو كافرا)[2] .

وابن فهد في المهذب البارع حيث قال: (أقول: أجمع الأصحاب على منع شهادة الذمي على المسلم في غير الوصية، ومنع شهادة غير المؤمن مطلقا)[3] .

والشهيد الثاني في مسالك الأفهام حيث قال: (ظاهر الأصحاب الاتّفاق على اشتراط الايمان في الشاهد)[4] .

والاردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان حيث قال: (ودليل اشتراطه ـ بعد الاتّفاق والإجماع على ما يظهر ـ هو أن غير الإيمان فسق، وهو مانع بالكتاب والسنّة، والإجماع، وهو ظاهر)[5] .

وذهب صاحب الجواهر(قده) إلى أكثر من ذلك حيث قال: (الثالث: الايمان) بالمعنى الأخص الذي هو الإقرار بإمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم‌ السلام) (فلا تقبل شهادة غير المؤمن وإن اتصف بالإسلام لا على مؤمن ولا على غيره) إلا ما ستعرف (لاتصافه بـ) ـالكفر فضلا عن (الفسق والظلم المانع من قبول الشهادة) بلا خلاف أجده فيه، بل عن جماعة الإجماع عليه، بل لعله من ضروري المذهب في هذا الزمان)[6] .

ويمكن أن يُقال بأنه القدر المتيقن من شهادة الشاهد، وعندئذٍ فإن تحقق الإجماع وكان محصّلًا ولم يكن مستنده ومعتمده (القدر المتيقن) فبه وإلا فالحكم على إطلاقه محل تأمل بل منع، حيث إن غير المؤمن بالمعنى الإصطلاحي الفقهي (إثنا عشري) إن كان يعرف الحق وينحرف عنه لأغراض دنيوية شخصية أو لأهداف سياسية إتباعًا للسلطان رغبة أو رهبة منه وغير ذلك فهو ممّا لا إشكال في عدم قبول شهادته لعدم كونه (مِمّن ترضون دينه) أو لكونه مخزيّ الدين كما ورد في معتبرة السكوني:

-(محمّد بن يعقوب، عن عليِّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إنَّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان لا يقبل شهادة فحّاش، ولا ذي مخزية في الدين)[7] .

-(عن إسماعيل بن مسلم، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قال: لا تقبل شهادة ذي شحناء، أو ذي مخزية في الدين)[8] .

وأما إذا كان غير ذلك كما لو كان لشبهة، أو لقصور في معرفة الحق وغير ذلك، فظاهر إطلاق جملة من النصوص قبول شهادته، كما في صحيحة محمد بن مسلم:

–(عن الحسن بن محبوب، عن العلاء، عن محمّد ابن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لو كان الأمر إلينا لأجزنا شهادة الرجل إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس)[9] .

هذا ويمكن الاستدلال بإطلاق صحيحة الشيخ الصدوق(قده) باسناده عن عبد الله بن يعفور عن مولانا الصادق (عليه السلام) بعد أن سُئل عن الطريق لمعرفة العدالة حتى تقبل شهادته للمسلمين وعليهم.

-(محمّد بن عليِّ بن الحسين بإسناده عن عبد الله بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر والعفاف، (وكفِّ البطن) والفرج واليد واللسان، ويعرف باجتناب الكبائر الّتي أوعد الله عليها النار من شرب الخمر، والزنا، والربا، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وغير ذلك، والدلالة على ذلك كلّه (أن يكون ساتراً) لجميع عيوبه، حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته وعيوبه وتفتيش ما وراء ذلك، ويجب عليهم تزكيته وإظهار عدالته في الناس، ويكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهنّ، وحفظ مواقتيهنّ بحضور جماعة من المسلمين، وأن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلاّهم إلاّ من علّة، فاذا كان كذلك لازماً لمصلاّه عند حضور الصلوات الخمس، فاذا سئل عنه في قبيله ومحلّته قالوا: ما رأينا منه إلاّ خيراً، مواظباً على الصلوات، متعاهداً لأوقاتها في مصلاّه، فانَّ ذلك يجيز شهادته وعدالته بين المسلمين، وذلك أنَّ الصلاة ستر وكفّارة للذنوب، وليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلاّه ويتعاهد جماعة المسلمين، وإنّما جعل الجماعة والاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي، ومن يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيع، ولولا ذلك لم يمكن أحد أن يشهد على آخر بصلاح، لأنَّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين، فان رسول الله (صلّى الله عليه وآله) همَّ بأن يحرق قوماً في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، وقد كان فيهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك، وكيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من الله عزَّ وجلَّ ومن رسوله (صلّى الله عليه وآله) فيه الحرق في جوف بيته بالنار، وقد كان يقول: لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين إلاّ من علّة)[10] .

 


logo