« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ يوسف السبيتي
بحث الفقه

46/07/16

بسم الله الرحمن الرحيم

 كتاب الشهادات.

الموضوع: كتاب الشهادات.

القول: في صفات الشهود.

(تابع1) الأوّل: البلوغ، فلا اعتبار بشهادة الصبيّ غير المميّز مطلقاً، ولا بشهادة المميّز في غير القتل والجرح، ولا بشهادته فيهما إذا لم يبلغ العشر. وأمّا لو بلغ عشراً وشهد بالجراح والقتل ففيه تردّد. نعم، لا إشكال في عدم اعتبار شهادة الصبيّة مطلقاً[1] .

 

في الأمر الأول (بلوغه العشر).

ولمعتبرة عبيدة بن زرارة:

-(عن الحسين بن سعيد، عن صفوان، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شهادة الصبي والمملوك؟ فقال: على قدرها يوم أُشهد تجوز في الأمر الدُون، ولا تجوز في الأمر الكبير)[2] .

في الأمر الثاني (التفريق بين الدون والكبير):

ويمكن النقاش في كلّ من الأمرين.

أما صحيحة أبي أيوب فلا يصلح الإعتماد على حجيتها لكونها من غير المعصوم فراويها إسماعيل بن جعفر (رضي الله عنه) مضافًا إلى أن الإستدلال الوارد فيها على جواز شهادة الصبيان واضح البطلان، إذ لا إرتباط ولا وجه للتفريع بين دخول النبي (صلى الله عليه وآله) بعائشة البالغة عشر سنوات، وبين جواز شهادة الصبيان.

وأما معتبرة عبيد بن زرارة فيمكن النقاش فيها، من جهة كونها رواية شاذة ومهجورة لم تكن محط إعتماد الفقهاء عليها.

مضافا إلى أنها تنص على عدم جواز شهادة المملوك في الكبير فهو مقطوع البطلان، فيترك أمرها إلى أهلها هذا مع إجمال المتن فيها، لعدم معلومية الكبير والصغير في المقام، ومع أنهما متضايفان ليس لها واقع محدّد فالشيء الواحد كبير بالإضافة إلى شيء وصغير بالإضافة إلى شيء آخر.

بقي معتبرة طلحة بن زيد:

-(محمّد بن عليِّ بن الحسين بإسناده عن طلحة بن زيد، عن الصادق جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ (عليهم السلام) قال: شهادة الصبيان جائزة بينهم ما لم يتفرّقوا أو يرجعوا إلى أهلهم)[3] .

والواضح فيها أنها تدل على جواز شهادة الصبيان في خصوص الأمور التي تكون فيما بينهم لا مع غيرهم، وهي مقيدة بعدم تفرقهم، أو، ما لم يرجعوا إلى أهلهم، ويمكن أن تكون في مورد الشهادة على القتل. والله العالم.

وأما قوله (قده): (ولا بشهادة المميز في غير القتل والجرح، ولا بشهادته فيها إذا بلغ العشر).

فالواضح أنه لم يدل دليل على إعتبار العشر سوى ما تقدم من صحيحة أبي أيوب الخزاز وتقدم النقاش فيها وعدم حجيتها.

فلا مناص من أن يكون المرجع في ذلك هو الروايات المعتبرة الدالة على قبول شهادة الصبي في القتل مطلقًا في كل من صحيحة محمد بن حمران وصحيحة جميل المتقدمين قبل قليل.

وأما قوله(قده): (وأما لو بلغ عشرًا أو شهد بالجراح والقتل ففيه تردد).

فقد تقدم قبول شهادة الصبي في القتل وأما في الجرح فلا دليل عليه فيكون تردد الماتن (قده) في محله والتعدي عن مورد القتل إلى غيره يحتاج إلى دليل فإن تم الإجماع وهو غير تام، فلا موجب للتعدي.

إن قلت: يمكن تعديه بالأولوية.

نقول: الأولوية ممنوعة لعدم تحقق الملاك فإن القتل يقع على مرأى ومسمع من الصبيان غالبًا دون غيرهم، فلا مجال للأولوية هنا، وإلا فاللازم تعديه إلى غير الجرح أيضًا.

وإن قلت: يمكن التعدي لأجل الإجماع.

قلنا: بأنه غير متحقق لمخالفة فخر المحققين في المسألة صريحًا، وعن الاردبيلي (رحمه الله) نسبة الخلاف إلى غيره أيضًا.

وأما قوله (قده): (نعم لا إشكال في عدم إعتبار شهادة الصبيّة مطلقًا).

فإن ذلك لعدم الدليل على ذلك حتى في القتل.

الثاني: العقل، فلا تقبل شهادة المجنون حتّى الأدواري منه حال جنونه، وأمّا حال عقله وسلامته فتقبل منه إذا علم الحاكم بالابتلاء والامتحان حضور ذهنه وكمال فطنته، وإلّا لم تقبل. ويلحق به في عدم القبول من غلب عليه السهو أو النسيان أو الغفلة أو كان به البله، وفي مثل ذلك يجب الاستظهار على الحاكم حتّى يستثبت ما يشهدون به، فاللازم الإعراض عن شهادتهم، إلّا في الامور الجلية التي يعلم بعدم سهوهم ونسيانهم وغلطهم في التحمّل والنقل[4] .

تقدم منَّا شرط البلوغ وأنه مقيّد بالكمال والعقل إذ لا معنى للبلوغ بحسب تراكم السنين الخمسة عشر، بمعزل عن كونه عاقلًا، كما لو كان مجنونًا لا يدرك مزايا الأمور، وخصوصيّات الوقائع والحوادث بل لا يلتفت إلى ما يجري حوله من القضايا والاحداث، وعندئذ فعدم إعتبار شهادة المجنون المطبق محل إجماع بلا نكير من أحد من الفقهاء (أعلى الله مقامهم) بل هو لا أقل من ضروريات المذهب إن لم نقل من ضروريات الدين لولا النقاش في قضية الإطباق والإدوار في الجنون.

ولذا لم نجد داع لذكر شرط (العقل) في شهادة الشاهد وفي غيره إلا ما ورد في الصبيّ المميّز وما شابه المورد، وقد تقدم.

هذا في المجنون الإطباقي، وكذا الحكم في الإدواري منه حال جنونه، وأما حال عقله وسلامته، فتقبل منه إذا علم الحاكم - بالإبتلاء والإمتحان - حضور ذهنه وكمال فطنته، وإلا لم تُقبل.

وذلك للابدّية تحقق الحضور الذهني منه والعلم به كي نعلم بعدم كونه مجنونًا حال شهادته، فلا يُقال بإمكانية إجراء أصالة عدم الخطأ والاشتباه بحقه وجواز شهادته، بل يُقال بأن أصالة عدم الخطأ والإشتباه فرع العلم بحضوره الذهني وكمال فطنته وعندئذٍ تجري الأصالة المذكورة.

ويلحق به في عدم القبول مَن غلب عليه السهو أو النسيان أو الغفلة، أو كان به البله، وفي مثل ذلك يجب الاستظهار على الحاكم وانتظار جلاء الأمر حتى يستثبت ما يشهدون به هؤلاء، وعليه فلا بد للحاكم من أن يستظهر هذه الأمور عند الشك والريبة، ليعمل بمقتاضاه وقد أجاد المحقق الحلي(قده) بما ذكره في شرائعه حيث قال:

(والأولى الإعراض عن شهادته، ما لم يكن الأمر الجلي، الذي يتحقق الحاكم استثبات الشاهد له وأنه لا يسهو في مثله)[5] .

هذا مضافًا إلى أن مقتضى الاستصحاب عند الشك في تحقق هذه الأمور المعتبرة في الشهاده، عدم تحققها، وكذا مقتضى السيرة العقلائية عدم الاعتماد على شهادة هؤلاء.

 


[1] - تحرير الوسيلة، السيد روح الله الخميني، ج2، ص472، ط نشر آثار الإمام الخميني.
logo