45/06/29
كتاب القضاء.
الموضوع: كتاب القضاء.
القول: الفصل الثاني: في المقاصّة.
مسألة (15): إذا كان للغريم الجاحد أو المماطل عليه دين، جاز احتسابه عوضاً عمّا عليه مقاصّة إذا كان بقدره أو أقلّ، وإلّا فبقدره وتبرأ ذمّته بمقداره[1] .
قد يقال بأن النصوص الشرعية وردت في جواز الأخذ من المال الذي وقع في يد الطالب، ولكن العرف لا يرى هذه الخصوصية بل يفهم التوسعة لهذا العنوان، ومن ثم يرى جواز إحتساب الدين عوضاً عما جحده الغريم أو بما ماطل به، هذا كما في روية عبدالله بن جعفر:
-(عبد الله بن جعفر في (قرب الإِسناد) عن عبد الله بن الحسن، عن جدّه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل الجحود أيحلّ أن أجحده مثل ما جحد؟ قال :نعم، ولا تزداد)[2] .
وعندئذٍ لا إشكال في برأة ذمة المقتص منه بمقداره كما هو واضح في الرواية.
مسألة (16): ليس للفقراء والسادة المقاصّة من مال من عليه الزكاة أو الخمس أو في ماله إلّا بإذن الحاكم الشرعي، وللحاكم التقاصّ ممّن عليه أو في ماله نحو ذلك وجحد أو ماطل. وكذا لو كان شيء وقفاً على الجهات العامّة أو العناوين الكلّية وليس لها متولّ لا يجوز التقاصّ لغير الحاكم، وأمّا الحاكم فلا إشكال في جواز مقاصّته منافع الوقف. وهل يجوز المقاصّة بمقدار عينه إذا كان الغاصب جاهلًا أو مماطلًا؛ لا يمكن أخذها منه وجعل المأخوذ وقفاً على تلك العناوين؟ وجهان. وعلى الجواز لو رجع عن الجحود والمماطلة، فهل ترجع العين وقفاً وتردّ ما جعله وقفاً إلى صاحبه أو بقي ذلك على الوقفية وصار الوقف ملكاً للغاصب؟ الأقوى هو الأوّل، والظاهر أنّ الوقف من منقطع الآخر، فيصحّ إلى زمان الرجوع[3] .
أما عدم جواز إقتصاص الفقراء عامة أو سادة أعزهم الله تعالى من مال من عليه زكاة أو خمس فذلك للأصل أولاً، وثانياً لعدم ولايتهم على ذلك وإنما دل الدليل على كونهم ممن يجوز لهم التصرف بمال الخمس والزكاة وليسوا مالكين للخمس والزكاة، مضافاً الى الإجماع على ذلك.
أما جواز إقتصاص الحاكم الشرعي خاصة، فذلك لكونه (لا أقل) الولي على الأمور الحسبية وذلك منها وهذا مما لا إشكال فيه.
فإذا إمتنع عن من عليه الزكاة مثلاً من دفعها أو ماطل، فإن مقتضى ولاية الحاكم على أموال الزكاة لإطلاقات الدليل فإنه يجوز له التقاص بلا خلاف في ذلك،
وهكذا لو كان شيئ وقفاً على الجهات العامة أو العناوين الكلية كما لو كان الشيئ وقفاً على فقراء البلد أو علمائها مثلاً، وليس لهذه الموقفات متولٍ عليها، فإنه لا يجوز لأحد التقاص في ذلك إلا بخصوص الحاكم الشرعي دون سواه.
وعندئذٍ فمما لا إشكال فيه أن الحاكم الشرعي يجوز في المقام المقاصة من منافع الوقف.
ولكن هل يجوز له المقاصة بمقدار عينه إذا كان الغاصب جاحداً أو مماطلاً لا يمكن أخذه منه وجعل المأخوذ وقفاً على تلك العناوين (فقراء، علماء)؟ وجهان:
الأول: (الجواز) وعندئذٍ فإن للحاكم أن يقتص من الغاصب عيناً بدلاً عن تلك العين الموقوفة التي إغتصبها غاصب ويجعلها وقفاً بدل تلك لعدم الإنتفاع بوقفيتها، وهذا كما في قضية جواز بيع الوقف إذا خرج عن الإنتفاع المعتد به.
الثاني: عدم الجواز التقاص وذلك لعدم الدليل على ذلك وما يؤيده أن الغاصب للعين الموقوفة لم يذهب بها بعينها بمنافعها وعندئذٍ جاز التقاص بالمنافع ليس إلا.
وعلى الجواز -إن قلنا به- فلو رجع الغاصب عن الجحود والمماطلة، فهل ترجع العين وقفاً وترد ما جعله الحاكم وقفاً الى صاحبه؟ أو بقي ذلك على الوقفية وصار الوقف ملكاً للغاصب؟
ذهب سيدنا الأستاذ (قده) الى الأول وهو رجوع العين وقفاً وترد ما جعله الحاكم وقفاً بديلاً إلى صاحبه، وذلك لكون الغاصب قد أرجع العين الموقوفة إلى أصحابها، وعندئذٍ على الحاكم الشرعي أن يرجع العين المأخوذة إقتصاصاً من الغاصب إليه، ولا وجه لبقاء ما أخذه الحاكم من الغاصب إقتصاصاً بعنوان البدلية ويبقيه وقفاً بعدما خرج المبدل منه عن الغصبية.
مسألة (17): لا تتحقّق المقاصّة بمجرّد النيّة بدون الأخذ والتسلّط على مال الغريم. نعم، يجوز احتساب الدين تقاصّاً كما مرّ، فلو كان مال الغريم في يده أو يد غيره، فنوى الغارم تملّكه تقاصّاً، لا يصير ملكاً له، وكذا لا يجوز بيع ما بيد الغير منه بعنوان التقاصّ من الغريم[4] .
أما عدم كفاية النية في التقاص فذلك لأجل ما تقدم من أن التقاص إنما يتحقق بالقصد والأخذ كي ينطبق عنوانه عليه، وعليه فنية الغارم لتملك المال الذي بيد الغريم تقاصًا لا تكفي في التمليك، ويستدل عليه أولًا: بالأصل.
ثانيًا: تقدم إستفادة ذلك من ظواهر الأدلة، بل ظاهر الأدلة تقضي بتحقق التقاص بالأخذ كما في صحيحة داود بن رزين:
-(محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن داود بن رزين قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): إنّي أُخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها، والدابّة الفارهة فيبعثون فيأخذونها، ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ قال: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه)[5] .
وصحيحة ابي بكر الحضرمي:
-(عن الحسن بن محبوب، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: رجل كان له على رجل مال فجحده إيّاه وذهب به، ثم صار بعد ذلك للرجل الذي ذهب بماله مال قبله، أيأخذه مكان ماله الذي ذهب به منه ذلك الرجل؟ قال: نعم، ولكن لهذا كلام يقول: اللّهمّ إنّي آخذ هذا المال مكان مالي الذي أخذه منّي وإنّي لم آخذ الذي أخذته خيانة ولا ظلماً)[6] .
مضافًا الى الإجماع الذي إدعاه أكثر من واحد.
نعم تقدم جواز إحتساب الدين تقاصًا، وهذا ليس مما هو هنا، لأن الدين نحو من أنحاء الأخذ. وكذا الحال، لا يجوز بيع ما في يد الغير تقاصًا من أموال الغريم من غير أخذه منه لعدم تحقق الأخذ في المقام.
مسألة (18): الظاهر أنّ التقاصّ لا يتوقّف على إذن الحاكم، وكذا لو توقّف على بيعه أو إفرازه يجوز كلّ ذلك بلا إذن الحاكم[7] .
وذلك لأن إطلاقات النصوص الشرعية الواردة عنهم (عليهم السلام) هي بذاتها إذن شرعي للمغصوب منه أن يأخذ ماله من الغاصب، هذا مضافًا إلى أصالة البراءة عند الحاكم الشرعي بذلك.