« قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ يوسف السبيتي

بحث الفقه

45/11/20

بسم الله الرحمن الرحيم

كتاب القضاء.

الموضوع: كتاب القضاء.

القول: الفصل الثاني: في المقاصّة

مسألة (3): لو كان المطلوب مثلياً وأمكن له المقاصّة من ماله المثلي وغيره، فهل يجوز له أخذ غير المثلي تقاصّاً بقدر قيمة ماله، أو يجب الأخذ من المثلي، وكذا لو أمكن الأخذ من جنس ماله ومن مثلي آخر بمقدار قيمته؛ مثلًا: لو كان المطلوب حنطة، وأمكنه أخذ حنطة منه بمقدار حنطته وأخذ مقدار من العدس بقدر قيمتها، فهل يجب الاقتصار على الحنطة أو جاز الأخذ من العدس؟ لا يبعد جواز التقاصّ مطلقاً فيما إذا لم يلزم منه بيع مال الغاصب وأخذ القيمة، ومع لزومه وإمكان التقاصّ بشي‌ء لم يلزم منه ذلك، فالأحوط بل الأقوى الاقتصار على ذلك، بل الأحوط الاقتصار على أخذ جنسه مع الإمكان بلا مشقّة ومحذور[1] .

 

تقدم أن قضية المقاصّة حالة خاصة، أجازها الشارع وأذن بها إذا توفرت الشرائط المتقدمة.

وعليه فالمقاصّة إستثناء من قاعدة (الناس مسلطون على أموالهم)، وأنه لا يجوز لأحد التصرّف بأموال الغير من غير طيب نفس منهم.

والتأمل يفضي إلى عدم كونها مطلقة من جميع الجهات، بل كما في الآية الكريمة (فإعتدوا بمثل ما إعتدى عليكم)،

-﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾[2] .

وهكذا ظاهر الأخبار الواردة في المقام كما في صحيحة إبن رزين المتقدمة:

-(محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن داود بن رزين قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): إنّي أُخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها، والدابّة الفارهة فيبعثون فيأخذونها، ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ قال: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه)[3] .

وبقوله (عليه السلام): (خذ مثل ذلك ولا تزد عليه). وغيرها الواضح منها المماثلة التامة، مضافا إلى إقتضاء التقاص بالنسبة إلى الخصوصية النوعية أيضًا هو المماثلة بين المأخوذ والمردود ما أمكن ذلك.

وما ذهب إليه الماتن (قده) من نفي البعد عن جواز التقاص مطلقًا إذا لم يلزم منه بيع مال الغير فهو بعيد.

اللهم إلا إذا كان فيه حرج ومشقة فيجوز له ذلك، فيستبدل عندئذ الحنطة بالعدس، وأي مال بمال آخر ذلك لرفع الحرج والمشقة.

وقضية البيع فهو أولى بعدم جواز بيع مال المقتص منه لأصالة عدم الإذن به من الشارع، ولأصالة عدم الولاية له على ذلك.

 

مسألة (4): لو أمكن أخذ ماله بمشقّة فالظاهر جواز التقاصّ، ولو أمكن ذلك مع محذور -كالدخول في داره بلا إذنه أو كسر قفله ونحو ذلك- ففي جواز المقاصّة إشكال. هذا إذا جاز ارتكاب المحذور وأخذ ماله ولو أضرّ ذلك‌ بالغاصب. وأمّا مع عدم جوازه -كما لو كان المطلوب منه غير غاصب، وأنكر المال بعذر- فالظاهر جواز التقاصّ من ماله إن قلنا بجواز المقاصّة في صورة الإنكار لعذر[4] .

 

أما حكمه (قده) في جواز التقاص فيما لو أمكن أخذ ماله بمشقة فذلك:

أولًا: لكون المورد من موارد التقاص بحسب إطلاقات النصوص المتقدمة.

ثانيًا: فمع كون المفترض في المسألة لحاظ المشقة، فإن ذلك يعني عدم إمكان تحصيل ماله عرفًا إلّا بالمقاصة.

وأما قوله (قده) : (لو أمكن ذلك مع محذور – كالدخول في داره بلا إذنه، أو كسر قفله ونحو ذلك – ففي جواز المقاصة إشكال).

فإن وجه الإشكال في جواز المقاصّة فيما لو أمكن أخذ ماله بتوقف ذلك على إرتكاب المحذور كالدخول إلى داره بغير إذنه، أو كسرقفله ونحو ذلك، لإمكان الوصول إلى عين ماله دون اللجوء إلى المحذور في التقاص.

ولكن من جهة ثانية فإن إرتكاب ذلك حيث إنه يحرم إرتكابه فإنه والحال يصبح معجزًا عن الوصول إلى عين ماله، وعندئذ جاز له القصاص لعدم إمكان الوصول إلى عين ماله إلا بإرتكاب المحذور، وعليه نقول بأنه وإن كان دخول الدار بغير إذنه، أو كسر القفل مثلًا من المحرّمات بالعنوان الأوّلي إلا أنه لا إشكال في جوازه بالعنوان الثانوي.

هذا مضافًا إلى أنه يمكن أن يقال بأن دخول الدار وكسر القفل من اللوازم العرفية للمقاصّة، والإذن بالمقاصّة بحسب إطلاقات الأدلة إذنٌ في ذلك عرفًا، وإن كان الإحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

وأما قوله (قده): (هذا إذا جاز إرتكاب المحذور وأخذ ماله ولو أضرّ ذلك بالغاصب).

فإن ذلك لما ورد من كون الغاصب يؤخذ بأشق الأحوال.

هذا، ولكن قد يقال بعدم جواز إقدامه على ذلك فيما لو إستلزم ضرراً على المقتص منه لحديث نفي الضرر والضرار:

-(عن أحمد بن محمد بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: إنَّ سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار، وكان منزل الأنصاري بباب البستان، فكان يمرّ به الى نخلته ولا يستأذن، فكلّمه الأنصاريُّ أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلمّا تأبّى جاء الأنصاريُّ الى رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، فشكا إليه وخبّره الخبر، فأرسل إليه رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وخبّره بقول الأنصاري وما شكا، وقال: إذا أردت الدخول فاستأذن فأبى، فلمّا أبى ساومَه حتّى بلغ به من الثمن ما شاء الله فأبى أن يبيع، فقال: لك بها عذق يمدّ لك في الجنّة، فأبى أن يقبل، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) للأنصاري: اذهب فاقلعها وارم بها إليه، فإنه لا ضرر ولا ضرار)[5] .

مضافًا إلى عدم كون أدلة المقاصّة واردة في مقام البيان من هذه الجهة حتى يتمسك بإطلاقها.

وأما قوله (قده): (وأما مع عدم جوازه – كما لو كان المطلوب منه غير غاصب وأنكر المال لعذر– فالظاهر جواز التقاص من ماله إن قلنا بجواز المقاصّة في صورة الإنكار لعذر).

فإننا نلاحظ بأن سيدنا (قده) قد خالف ههنا ما ذهب إليه وإختاره في المسألة الأولى بقوله (وأما إذا كان منكرًا لإعتقاد المحقيّة، أو كان لا يدري محقيّة المدَّعي، ففي جواز المقاصّة إشكال، بل الأشبه عدم الجواز).

حتى مع تعليق قوله على القول بالجواز في هذه المسألة الرابعة. وهذا هو الأقرب وذلك لكون المقاصّة على خلاف القاعدة كما تقدم فإنه يُقتصر فيها على القدر المتيقن، وهي صورة الجحود والإنكار. وعليه فلو كان المطلوب منه غير غاصب، وأنكر المال بعذر فالأقرب عدم جواز التقاص في المقام.

 


logo