الأستاذ الشيخ يوسف السبيتي
بحث الفقه
45/11/13
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب القضاء.
الموضوع: كتاب القضاء.
القول: الفصل الثاني: في المقاصّة.
مسألة (1): لا إشكال في عدم جواز المقاصّة مع عدم جحود الطرف ولا مماطلته وأدائه عند مطالبته. كما لا إشكال في جوازها إذا كان له حقّ على غيره من عين أو دين أو منفعة أو حقّ، وكان جاحداً أو مماطلًا. وأمّا إذا كان منكراً لاعتقاد المحقّية، أو كان لا يدري محقّية المدّعي، ففي جواز المقاصّة إشكال، بل الأشبه عدم الجواز. ولو كان غاصباً وأنكر لنسيانه فالظاهر جواز المقاصّة [1] .
الفصل الثاني في المقاصّة.
هذا الفصل الثاني والأخير من الخاتمة لكتاب (القضاء) وقبل البدء بمناقشة مسائل المقاصّة لا بد من توضيح معنى المقاصّة لغة، وشرعًا:
أما لغة، فهو بمعنى (الإقتفاء) و (الأخذ).
وأما شرعًا، فهو جواز أن يأخذ الدائن ماله من المدين مع جحوده له، أو مماطلته بالدفع، وإن لم يكن ذلك برضا المدين.
بل يأخذه حيث وجده ولو غيلة مثلًا.
وللحكم شروط تأتي في طي المسائل الآتية، وقبل ذلك، يمكن الإستدلال على مشروعية المقاصّة بالأدلة الأربعة (كتابًا وسنة وإجماعًا وعقلًا).
أما من الكتاب العزيز فلقوله تعالى:
-﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾[2] .
وقوله تعالى:
-﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ﴾[3] .
وقوله تعالى:
-﴿وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾[4] .
وأما من السُّنة الشريفة فلورود الأخبار الكثيرة المستفيضة ومنها:
صحيحة داود بن رزين:
-(محمّد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن داود بن رزين قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): إنّي أُخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها، والدابّة الفارهة فيبعثون فيأخذونها، ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ قال: خذ مثل ذلك ولا تزد عليه)[5] .
صحيحة ابي بكر الحضرمي:
-(عن الحسن بن محبوب، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: رجل كان له على رجل مال فجحده إيّاه وذهب به، ثم صار بعد ذلك للرجل الذي ذهب بماله مال قبله، أيأخذه مكان ماله الذي ذهب به منه ذلك الرجل؟ قال: نعم، ولكن لهذا كلام يقول: اللّهمّ إنّي آخذ هذا المال مكان مالي الذي أخذه منّي وإنّي لم آخذ الذي أخذته خيانة ولا ظلماً)[6] .
ومنها معتبرة جميل بن درّاج:
-(عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن علي بن حديد، عن جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن الرجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده أيأخذه وإن لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم)[7] .
وغيرها من الروايات.
نعم هناك طائفة أخرى من الروايات ظاهرها التعارض مع ما ذكرنا أولًا من الطائفة الأولى مثل موثقة سليمان بن خالد:
-(عن علي بن رئاب، عن سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه وحلف ثمّ وقع له عندي مال آخذه لمكان مالي الذي أخذه وأجحده وأحلف عليه كما صنع قال: إن خانك فلا تخنه ولا تدخل فيما عبته عليه)[8] .
وصحيحة معاوية بن عمار:
-(محمّد بن علي بن الحسين بإسناده عن معاوية بن عمّار، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يكون لي عليه حقّ فيجحدنيه ثم يستودعني مالاً، ألي أن آخذ مالي عنده؟ قال: لا، هذه الخيانة)[9] .
وغيرها ممّا سيأتي في المسألة (9).
ويمكن حملها على الكراهة جمعًا بين الطائفة الأولى وهذه الروايات الظاهر في الحرمة، وذلك لأن الطائفة الأولى صريحة في الجواز فتكون قرينة على خلاف الظاهر كما يمكن حملها على صورة التمكن من تحصيل حقها لاحقًا وأيضًا يمكن حمل النهي فيها على الارشاد بقرينة قوله (عليه السلام): (عبته عليه).
وعلى أي حال، فمع التسليم بتحقق المعارضة بينهما إلا أن الشهرة المحقَّقة وتوافق الطائفة الأولى الدالة صريحًا على جواز المقاصة في موردها.
ومن مواردها في ظاهرها أن القدر المتيّقن من جواز المقاصّة حالة ما لو كان الجحود أو المماطلة بغير حق، دون ما لو كان الجاحد أو المماطل معتقدًا بأحقية المطالب له بالمال، ولذلك استشكل سيدنا في جواز المقاصّة في هذا المورد، بل ذهب إلى القول بأن (الأشبه عدم الجواز).
وذلك لوضوح كون المقاصّة على خلاف القاعدة لولا الدليل الدال عليها في المتيقن من مواردها، والدليل لا يشمله، بل الظاهر عدمه.
وهذا بخلاف ما لو كان الجاحد غاصبًا وأنكر ذلك لنسيان الغصبية، فالظاهر جواز المقاصّة، وذلك لأن عدم مطالبته بحقه يستلزم ضياع الحق. وأنه لا يمكن الوصول إلى حقه بغير المقاصّة، وعندئذ تشمله عموم قوله تعالى:
-﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾[10] .