46/11/08
نظام المالية (١7)أحكام أقسام للمالية الاعتبارية
الموضوع: نظام المالية (١7)أحكام أقسام للمالية الاعتبارية
المالية والنظام المالي الجديد:
كان الكلام في بحث الماليّة، ووصلنا إلى هذا النّظام الماليّ الجديد الّذي يفترض فيه خلق المال الاعتباريّ، وهو يغاير خلق النّقد الاعتباريّ. هذا من وادي وذاك من واد آخر. فالنّقد هو ماليّة الورق نفسه، أمّا المال الاعتباريّ فهو كلّيٌّ في الذّمّة، سواءٌ في ذمّة البنك أو ذمّة الدّولة أو ذمّة الأشخاص أو ذمّة المؤسّسات. فالمال الاعتباريّ المحض هو هذا، وهو يغاير العملة الإلكترونيّة لأنّ الأخيرة بالتّالي لها بصمةٌ إلكترونيّةٌ يعني النّقد الورقيّ ماليّته اعتباريّةٌ، والمال الاعتباريّ الذّمّيّ أيضا هو مالٌ اعتباريٌّ، والعملة الإلكترونيّة هي أيضا مالٌ اعتباريٌّ. فالمال الاعتباريّ بالمعنى الأعمّ يشمل النّقد الاعتباريّ ويشمل العملة الإلكترونيّة، لكن بينها فرقٌ وليس سواسيا، لأنّ الملابسات والمؤثّرات الّتي تحيط بالبيئة الماليّة هذه الأقسام الثّلاثة تختلف عن بعضها البعض، وأحكامها عرفا من حيث القانون العرفيّ الوضعيّ أو من حيث الأحكام الشّرعيّة أيضا تختلف.
نفس الرّبا الدّيني وتحريم القمار وتحريم الاحتيال والنّصب هو الّذي يسمّى بغسيل الأموال: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ يعني بأسباب باطلة، فالـسرقة سببٌ باطلٌ، وغزو القويّ للضّعيف سببٌ باطلٌ. ﴿فلا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾ بلحاظ السّبب أو الاعواض الباطلة، كلّ هذا باطلٌ باطلٌ. هذه أمورٌ غددٌ سرطانيّةٌ إعجازيّةٌ بيّنها دين الإسلام في القرآن وفي السّنّة المعصومة.
ومن الأحكام الّتي بيّنها الشّرع أيضا، ولعلّه من خواصّ مذهب أهل البيت، بطلان بيع الكالئ بالكالئ أو الكالي بالكالي -تخفّف الهمزة تصير كالي- يعني بيع الدّين بالدّين. فليس الورق النّقديّ هو الدّين ولا العملة الإلكترونيّة، وإنّما بيع الذّمّة في الذّمّة. فالذّمّة وجودٌ اعتباريٌّ في قبال الوجود الجزئيّ العينيّ الخارجيّ. كيلٌ من الحنطة وجودٌ خارجيٌّ في كيل من الحنطة في الذّمّة وجود فرضيّ. مائة دولار ورقٌ نقديٌّ خارجيٌّ، بين مائة دولار في الذّمّة حين يكون في الذّمّة يعني وجودٌ اعتباريٌّ. فالمقصود من القسم الثّاني هو الوجود الافتراضيّ في الذّمّة وفي العهدة، في قبال العملة الإلكترونيّة وفي قبال النّقد الورقيّ الخارجيّ. وإن كانت الذّمّة لا تنحصر بشيء، يعني يمكن وجودٌ افتراضيٌّ لكلّ الأشياء.
مثلا الشّارع يقول: يحرم بيع الدّين بالدّين. القدر المتيقّن منه بيع الدّين المؤجّل بدين مؤجّل هذا بيعٌ باطلٌ ومعاوضةٌ باطلةٌ. افترض لديك دينٌ على شخص ثالث، تريد أن تتعاوض على هذا الدّين أيضا بدين للطّرف الآخر على شخص آخر، أو بثمن مؤجّل هذا صار دين مؤجّلا بدين مؤجّل بشتّى مناشئ التّأجيل والدّينيّة. والتعاوضٌ على الدّيون هذا باطلٌ. نعم لو كان التّعاوض معجّلا بمعجّل يعني كلّيٌّ في الذّمّة اعتباريٌّ معجّلٌ بكلّي في الذّمّة اعتباريٌّ معجّلٌ، هذا لا مانع منه. مثلا اشتري منك طنّا من الحنطة كلّيّ على أن تسلّمه الآن بكذا مبلغ نقديّ كلّيّ، هذا لا مانع منه، معجّلٌ بمعجّل، هذا ليس من بيع الدّين بالدّين. وإنّما المقصود من الدّين بالدّين دينٌ مؤجّلٌ بدين مؤجّل كالئٌ.
وهذا بحثٌ معقّدٌ وحسّاسٌ. بعض مكاتب الاستفتاء ربّما قريبٌ ثلاثين سنة وجّه لهم استفتاء في بيع العملات، وقالوا أنّه لا إشكال في البورصات. سجّلنا ملاحظة عليهم أنّه هذا بيع العملات دينٌ مؤجّلٌ بدين مؤجّل، هذا لا يصحّ، هذا ليس تقابضا. قالوا ليس من باب الصّرف. قلت ليست الإشكاليّة من جهة الصّرف، الإشكاليّة من جهة الكالئ بالكالئ. صرف الذّهب والفضّة بذهب وفضّة يشترط فيه التّقابض في المجلس ، لو كان النّقد بدين مؤجّل هذا لا مانع فيه، أمّا الدّين المؤجّل بدين مؤجّل هذا يمنع منه الشّرع، وظاهرا بعدين سحبوا الفتوى. يعني قد مسألةٌ واحدةٌ تتدخّل فيه خمس قواعد، ولكن ليس في هذا الباب، وإنّما في باب آخر. فيجب التّثبّت في هذه المسألة وفي كلّ أبواب الفقه.
لعلّ في هذا الموضوع رواية واحدة ذات سند معتبر ، ولكنّه معمولٌ ومفتى بها باتّفاق علماء الإماميّة إلّا من شذّ. وفعلا هذه القاعدة في باب الماليّة سنرى أنّها معجزةٌ ماليّةٌ من دين الإسلام ومذهب أهل البيت.
قيود خلق المال الاعتباري:
مرّ بنا خلق المال الاعتباريّ. ذكرنا عدّة قيود لابدّ من توفّرها كي يكون صحيحا وإلّا يكون باطلا. سنذكره الآن مرّة أخرى بشيء من الشّرح والتّفصيل، لكن قيدٌ آخر لم نذكره أمس واليوم نذكر: ألّا يكون هذا البيع كالئا بكالئ. مثلا لو باع الدّولار مؤجّلا بدينار مؤجّل، هذا البيع باطلٌ. أكثر البورصات تبادل العملات المختلفة دينٌ مؤجّلٌ بدين مؤجّل، وهذا باطلٌ. فلسفة هذا البطلان عند الشّارع أنّ هذا النّوع من التّعامل حقيقة يؤول إمّا إلى القمار أو إلى ربا. وهذا مهمٌّ يلتفت اليه أنّ الشّارع لمّا يمنع من بيع الدّين أو المال الاعتباريّ في الذّمّة -وهو ليس ورقا نقديّا خارجيّا وليس عملة إلكترونيّة ببصمة مغناطيسيّة، وإنّما اعتباريٌّ كلّيٌّ- يعني إذا أردت أن تنظر إلى خارطة نظام المال الشّرعيّ من فوق، يجب أن تركّز وتدقّق على هذه النّقطة ، فالتّبادل والمعاملات والمعاوضات ما أن تدخل حيّز الاعتبار الافتراضيّ المسألة تصير حسّاسة جدّا. حسّاسيّته أنّ هذا الوجود الاعتباريّ الافتراضيّ يمكن فرض تراميه وتعاقبه بشكل لا محدود، وهذا مثل القمار والرّبا، وأحد الأدلّة على حرمته عبارةٌ عن لعب ودين بدين وديونٌ اعتباريّةٌ تتضخّم وتترامى وتتمدّد بدون نشاط اقتصاديّ حقيقيّ أو بدون نشاط وحركة تجاريّة حقيقيّة سوف تكون مجموعةٌ من المعاملات وسّحب لرأس مال طرف أو ذمّة من دون سبب تجاريّ واقعيّ صحيح أو سبب اقتصاديّ واقعيّ صحيح يعني شيءٌ خياليٌّ.
تجد الدّول هي أثرياء لكن بين ليلة وضحاها تذهب اموالها كلّها هدرا. هذا نوعٌ من العمل التّجاريّ أو الاقتصاد الفاسد، وهذا نوعٌ من الأكل بالباطل والقمار. نفس الكلام الكلام في الرّبا المتضخّم في الدّيون، كيف يزداد تلقائيّا؟
إذا دقّقنا النّظر في باب القمار وفي باب الرّبا وفي جملة من أبواب الفقه، الشّارع منع منها لأنّها تمدّدٌ وتعاقبٌ وتضخّمٌ في الأمور الاعتباريّة من دون منشأ وسبب واقعيّ حقيقيّ منتج في البيئة التّجاريّة أو البيئة الاقتصاديّة أو البيئة الماليّة. فهذه قاعدة منع بيع الدّين الكالئ بالكالئ، وهي بالدّقّة مرتبطة بالقمار والرّبا وبهذه الغدد السّرطانيّة.
كما قال جملةٌ من الفقهاء إنّ الشّارع حرّم الرّبا المعاوضيّ لأجل هذا السّبب. و فرقٌ بينه وبين ربا الدّيون. كلامنا الآن في النّخاعيّات، والمهمّ هو العمود الفقريّ في هذه الأبحاث. فالرّبا المعاوضيّ يقولون إنّما حرمها الشّارع لمنع الرّبا الحقيقيّ. يعني بعبارة أخرى الشّارع لديه أحكامٌ أخرى يحرّمها أو يؤسّسها وينشئها حراسة وحياطة حريما لأحكام أخرى،
مثل النّظر. لماذا النّظر حرامٌ؟ في بيان الإمام الرّضا (عليه السّلام) أنّ التّلذّذ بالنّظر هو زنا العين، ولكلّ عضو زنا، وزنا العين هو النّظر. أو الخلوة بالأجنبيّة في مكان ليس فيه غيرهما، ومن هذا القبيل التّبرّج. لاحظ جملة من المحرّمات في باب النّكاح تحريمه وقايةٌ عن الوقوع في الزّنا أو في الفجور. فهذه الأحكام ليست أنّها طريقيّةٌ أو غيريّةٌ، إنّما هي نفسيّةٌ لكن ملاكها مقدّميٌّ أو تهيّؤيٌّ. وهكذا في باب المال. القرآن الكريم يقول: ﴿لا تقربوا الزّنا﴾ وليس يقول “لا تزنوا”.
نرجع. فإذن حرمة بيع الدّين بالدّين والكالئ بالكالئ سببه أنّه يؤدّي إلى تضخّم في الاعتباريّات، والمال الاعتباري بلا منشأ حقيقيّ. إذن من مجموع هذه القيود، سواءٌ قيد القمار وقيد الرّبا الدّينيّ وقيد أكل المال بالباطل -وهذه قاعدةٌ عظيمةٌ- وقيد بيع الدّين بالدّين وأمثالها من الأحكام من مجموعها نرى أنّ الشّارع يمانع خصوص المال الاعتباريّ عن تضخّمه وتمدّده بلا مناشئ وغطاء حقيقيّ. وهذا نوعٌ من التّقييم للنّظام الماليّ الجديد في البنوك أو في المؤسّسات. وسنبسّط الحديث تفصيلا عنه.
فإذن هذا النّظام الماليّ الجديد في البنوك أو في المؤسّسات الماليّة أو في البورصات لا مانع منه بشرط هذه القيود الأربعة:
1. أنّه عنده قدرةٌ على أداء تعهّداته،
فيجب أن لا تزيد تعهّداته الجهة الّتي تولّد المال الاعتباريّ يعني يتعامل في ذمّته هذا التّعامل بالبنك ويتعامل بذمّته بالبورصة يجب أن لا يزيد حجم التّعامل عن قدرتها. يعني بشكل ممتنع عليها. بشكل ممكن قد له وجهٌ ، فإذا كان ممتنع فالممتنع واضحٌ، الممتنع يصير أكل المال بالباطل لأنّه ما عنده ذمّةٌ. والعقلاء إنّما يقولون بتمويل الذّمّة مع القدرة، سواءٌ كانت فعليّة أو القدرة القريبة أو القدرة الوسطيّة او البعيدة، لكنّ القدرة الممتنعة كلّا. فإذا كان ممتنعا عليه قطعا هذا أكل للمال بالباطل وهذا سرقةٌ وليس تعاملا.
كذلك إذا كانت قدرةٌ بعيدةٌ واحتمالٌ ضئيلٌ لدى العقلاء هذه ليست ماليّة. القدرة القريبة أو المتوسّطة لا مانع، أمّا البعيدة وبعيدة المنال عند العقلاء لا يعتبرونها .
أمس مثّلنا بالفرد الّذي يظهر نفسه أنّه ثريٌّ وليس بثريّ. هذه الموارد إذا كان التّعامل خارجا عن قدرتها بشكل ممتنع حقيقة هذه ليست بيوعا، هذه عبارةٌ عن سرقات، والسّرقة سببٌ محرّمٌ لأكل المال. كذلك إذا كانت القدرة بعيدة والاحتمال ليس مـمكنا بحسب النّظرة العقلائيّة، هذين الموردين من الواضح أنّهما أكل للمال بالباطل والسّرقة، حتّى لو قصد جدّيّا أنّه بيعٌ، هذا ليس بيعا. إذن هذا هو القيد الأوّل وهو القدرة.
2. أن لا يترامى، لأنّه إذا ترامى خرج عن القدرة.
3. ألّا يؤول إلى القمار أو الرّبا أو أكل المال بالباطل.
4. ألّا يكون كالئ بكالئ.
إذن هذه القيود مرتبطةٌ مع بعضها البعض للحفاظ على أنّ هذا خلق المال الاعتباريّ خلقٌ حقيقيٌّ.
الجديد في النظام المالي:
النّقطة الجديدة والمساحة الجيّدة هذا المطلب أنّه ليس من الضّروريّ أن يكون ماليّة العهدة في الذّمّة بمقدار ما يمتلكه البنك التّجاريّ أو البورصة أو الجهة الّتي تتعامل أو الدّولة مع دولة أخرى ليس من الضّروريّ أن يكون غطاءٌ فعليٌّ للأموال، بل قدرتها ومهارتها في التّعامل والتّبادل برأس مال الآخرين بشكل مضمون عقلائيّا. فبمقدار قدرتها هذه الماليّة العرفيّة موجودةٌ. وهذا بابٌ جديدٌ نستطيع أن نعتبره أنّ الماليّة الاعتباريّة غير الورق النّقديّ وغير العملة الإلكترونيّة، هذه الماليّة الاعتباريّة الّتي يسمّونها النّظام الماليّ الجديد، هذا يمكن أن يتولّد من ازدياد المهارة ومن ازدياد الفنون ومن ازدياد الخبرة والتّجارب في الوساطة الماليّة والوسطيّة الماليّة فينشأ للبنك التّجاريّ أو للمؤسّسة الماليّة أو للبورصة ينشأ لها مال اعتباري حقيقيّ. هذا هو الجديد في النّظام الماليّ الجديد وما ينحصر في المال الموجود بيدها. فبهذه القيود يكون مالٌ صحيحٌ حقيقيٌّ. هذه القيود تكبّل على انقلابه من مال اعتباريّ له حقيقةٌ اعتباريّةٌ صحيحةٌ عن تبدّله إلى الغدد السّرطانيّة المحظورة عند الشّارع وحتّى عند العرف.
كذلك البورصة يجب أن نتعرّف عليها ما هي وما هو الجديد فيها؟ ونحن كرجال دين لا أن نتخصّص وإنّما نتعرّف ثقافيّا عليها، وفي الجلسة القادمة نحرّرها.
ونقطةٌ أخرى يجب أن نتعرّض لها: الفرق بين الشّركات الوهميّة الّتي تبيّض الأموال وهل هذا صحيحٌ أم لا؟ وبين الشّركات الحقيقيّة الّتي تدخل على الخطّ والسوق السوداء. وهذا عكس الصّورة الأولى، الصّورة الأولى هي شركاتٌ سوداويّةٌ تدخل على المساحة البيضاء والمساحة الصّحيحة. بالعكس هناك شركاتٌ عملاقةٌ حقيقيّةٌ ماليّةٌ تدخل على السّوق الحرام وسوق المال. وهذا بحثٌ حسّاسٌ وهو محلّ خدعة بشكل عجيب غريب، فيراها حقيقيّة لكنّ هذا القسم من معاملاتها مافياويّةٌ، سوقٌ سوداء محرّمةٌ، ويجب تنقيحها. وهذا البحث ليس قديما، وإنّما صار له عقدان أو ثلاثةٌ عقود ، يجب أن نتحرّاه.