46/08/25
دور التصورات في الاستنباط
الموضوع: دور التصورات في الاستنباط
كان الكلام في المنافع المستوفاة او غير المستوفاة ففي الاول هناك اسباب للضمان كاليد والعقد والاستيفاء ومر بنا ان العقلاء في التقنين حتى في زمن صدور النص يبنون على التضمين طبعا تحرير الصغريات امر اخر ولك الحق في النقاش في ذلك انما الكلام في الجهة الكلية ان الانتفاع من منافع الغير في مشهد ومرأى من هذا المنتفع وان كان هذا الانتفاع ليس بفعله مع التفاته بان صاحب المنفعة لا يبذلها مجانا وانما يبذلها تضمينا مثلا اذا دخل في المطعم ليس طعام مجاني وليست الخدمات مجانية كلها تضمينية وفيها غرامات ان الانتفاع غير الامر الضماني وغير اليد وغير العقد ما يضمن بصحيحه وغير اسباب اخرى وانما نفس الانتفاع بل نفس وصول منفعة من الغير للانسان مع عدم ردعه وان كان الفعل ليس بفعله بل حتى بفعل صاحب المنفعة حيث هو يعلم بان صاحب المنفعة بناؤه على التغريم وهو لا يمانع فهذا يعتبر مضمنا عقلائيا لانه انتفاع حيث اكل المنفعة بمعنى انه انتفع مع عدم ردعه فهذا كاف في التضمين .
فاذن في المنافع المستوفاة هناك عدة اسباب للضمان اما ما حكي عن ابن حمزة انه حتى استشكل في الضمان في المنافع المستوفاة تحت ذريعة الضمان بالخراج فهذا شاذ وهذا الاستدلال نفس ما استدل به ابو حنيفة في قضية صاحب الاجارة الذي استأجر البغل ولكن خالف مورد الاجارة مكانا وزمانا فهل يضمن للاجير الاجرة مع ان صاحب البغل لم يكن من اتباع اهل البيت فرضيا بتحكيم ابو حنيفة فهو لم يضمن المستأجر وانما نفى عنه الضمان فهو استعاذ بالله من هذا القضاء الذي قضى به ابو حنيفة فذهب للامام الصادق وبين الامام ان هذه الفتوى على غير الموازين في الفروع وبين انه الفتوى الباطلة تحبس قطر السماء والارزاق يعني الامر في مبحث الافتاء والتشريع ونسبته الى الدين خطير جدا وحساس .
هذه اذا كان في الفروع والاموال الزائلة الداثرة فكيف بالعقائد؟ هناك نصوص كثيرة في مسألة فرعية في نزاع فردي بين اثنين تسبب منع قطر السماء فكيف بك في مسألة عقائدية وترجع الى عقائد خطيرة في اصول الدين ولو على صعيد عام ، فالامر جدا خطير في مسؤولية المحافظة على حقائق الدين فاذا كان العدل في القضاء ساعة بركاته كذا والجور سيئاته على المنظومة الكونية الطبيعية كذا فكيف في القضاء الفكري؟ لانه اهل البيت بينوا ان الاحياء بالبدن والنفس والروح له شأنه فكيف بك في الاحياء العقائدي الذي هو حياة ابدية للاخرة فتأويل الاية الاعظم انه من احيا نفسا فكأنما احيا الناس جميعا ومن قتل نفسا فكانما قتل الناس جميعا هو قتلها في العقائد اخطر بكثير من قتل الدم .
هناك في مورد يسأل الراوي الامام ان الشخص هو الذي هدانا لهذا الامر لكن قتل احد ارحامنا قال له الامام مقابل ما احياك هذا الدم لا يعتبر شيئا يعني انت يمكن ان تطالب لكن بالنسبة الى المنة والنعمة التي هو عليك بها هذه اعظم من الدم .
فالتكاسل والتهاون في الابحاث العقائدية تحت اي ذريعة من الذرائع امر خطير ومسؤولية كبيرة جدا ، فابن حمزة بنى في الخراج بالضمان وهو ما استظهره ابوحنيفة ومن ثم قالوا هذا القول من ابن حمزة شاذ في المنافع المستوفاة لان المنافع لا يملكها الضامن فكيف يقولها مجانا فالشيخ حاول يجيب بشواهد وتفسيرات كثيرة لهذا المعنى لضمان الخراج .
فالشيخ تارة يستشكل في السند واخرى في المعنى والمفاد ويأتي بشواهد عديدة والصحيح لدينا في معنى هذه الرواية النبوية الخراج بالضمان ان الضمان مستعمل بمعاني هنا المراد من الخراج بالضمان ان الضمان معاوضة والضمان انما يكون معاوضة اذا حصل تضمين فعلي لان الضمان له عدة معاني و احد معانيها انه اذا وضعت يدك على عين مملوكة للغير من دون اذنه جهلا غفلة عمدا هذه اليد تسبب ضمان فهل هو ضمان بمعنى رد العين؟ او بمعنى تغرر الانسان ؟ فهذا المعنى الاول تكليفي وهذا الثاني وضعي لكنه تعليقي ولكن لو تلفت غرم الضامن فهو ضمان لكن بمعنى تعليقي .
المعنى الثالث ان تشتغل الذمة عند التلف بمديونية هذا معنى ثالث .
المعنى الرابع ان نفس اداء الضمان هو احد معاني الضمان وهو له معاني عديدة مثلا شرط الفعل هو هكذا عند السيد اليزدي وعند جمع كثيرين وكذلك الكفالة ضمان والحوالة نوع من الضمان ، احد معاني الضمان اذن هو شرط الفعل يعني يقول له انت ما عندك سبب للضمان لكن نشترط انه لو تلفت هذه العين مع انك ما عندك سبب من اسباب الضمان لهذه العين التالفة لكن لو تلفت هذه العين يجب عليك تكليفا وقد يجب عليك وضعا بلحاظ شرط النتيجة ، شرط يعني انه وضعي يعني ذمتك مشغولة مديونة او بنحو شرط الفعل وهذا ما بحثه الفقهاء في العروة في الضمان او المضاربة .
اذن الضمان استعمل في الروايات والفتاوى بمعاني عديدة ورتب عليه اثار احد معاني الضمان مثلا ما هو الفرق بين الضمان في القرض والضمان السائغ في المضاربة ؟ هناك فرق يعني نفس القرض ضمان ونفس البيع ضمان لانه ضمان المسمى وهذي احد معاني الضمان تبديل مال بمال فالضمان معناه وسيع جدا فهنا الخراج يضمن اي ضمان ؟ فالضمان المعاوضي اي ضمان معاوضي وهذا غير ضمان المسمى ؟
يقصدون من ذلك معنى من معاني الضمان انه اذا ادى الانسان الغرامة الضمانية بسبب اليد الاتلاف والاستيفاء اذا ادى الضامن تلقائيا العين التالفة بقاياها تكون ملكه وليس ملك المضمون له مثلا السيارة في اصطكاك مروري تذهب قيمتها وبقيت عشر قيمتها فيضمن للمالك قيمة سيارة كاملة الان صاحب السيارة الذي دفع له الضمان يريد يأخذ بقايا السيارة لا حق له لانها ملك الضامن لان الضمان هو معاوضة قهرية وهو اداء الضمان ودفع الضمان عقلائيا فيصيره صيرورة معاوضة قهرية فلما يكون قهرية اذن بقايا هذا شيء التالف يكون مللكه ومنافعه ايضا ملكه مثلا هو استعمل السيارة التي ضمنها او غصبها مدة مديدة وبالتالي حصل حادث فذهبت قيمة السيارة فهل يضمن المنافع والسيارة ؟ لا معنى لذلك وانما يعطي له قيمة سيارة جديدة .
فهنا كذلك الخراج الضمان يعني اداء الضمان ولا انه بمجرد معاني اخرى من الضمان هذا لم يثبت من مفاد الحديث والشيخ استشهد بما يفند هذا المفاد او هذه المعادلة وهذه الجملة على تقدير تفسيرها بمعاني اخرى للضمان والا التفسير الذي الان مر بنا تفسير عقلائي ومطابق الى مفاد الحديث من جهة المتن بهذا اللحاظ ولا غبار عليه ولا حاجة للاستشهاد بشواهد ذكرها الشيخ قد فيها نقاش .
مثلا لاحظ صحيحة محمد ابن قيس التي استشهد بها الشيخ من باع وليدة ابيه يعني هي ام الولد لابيه بغير اذن الاب فقال عليه السلام الحكم ان يأخذ الوليد وابنها هنا الضمان ليس بمعنى الاداء وانما معناه الرد فالخراج ليس ملك الضامن وهو الابن هذا كله في المنافع التي استوفيت فماذا عن المنافع التي لم تستوفى؟ هذه المنافع اختلفت الاقوال فيها هل تضمن ام لا؟ نقل الشيخ خمسة اقوال .
فمحل البحث اين في المنافع غير المستوفاة؟ هل تضمن ام لا؟ هل كل المواطن ام لا؟ فما ماذا يراد من المنافع غير المستوفاة؟ ومن الضروري قبل الخوض في بحث ان يتم تحرير تنقيح موضوع البحث فهو يعبد نصف الطريق هذا معنى حسن السؤال وهو تحقيق وتنقيح المراد من الموضوع وحتى من المحمول تصورا وليس تصديقا فالتصور اهم من التصديق .
كثير من الناس يريد يناقش في التصديق والمحمول والحكم وهو ليس عنده تصور وهذه نكتة لطيفة في مبحث الحوار بين المذاهب او الاديان ان الخطوة التصورية يجب ان تكون شفافة علمية لا يوجد فيها اي اثارة سيما عند صاحب الادلة الحقيقية فالغاية من اي حوار او جدل صحيح ليس التصديق بل هو التصور وهذه نكتة منهجية في الحوار بين المذاهب والاديان وحتى الحوارات السياسية والمفاوضات العسكرية ،
علم التفاوض اللي يعتبرونه اصل استراتيجي هو كالعصا السحرية لحلحلة المشاكل بل حتى في النزاع بين الزوج والزوجة وفي النزاع الاسري وبين الارحام ونزاعات الاصدقاء والنزاعات الفردية وغير الفردية اصل الحوار التصوري مطلوب لكن لا يتبدل الى الحوار التصديقي ولا يتبدل لحوار قضائي يعني لا يمكن ان تقفز الى القضاء لان كثيرا من النزاعات والاختلافات منشؤها عدم الفهم الصحيح من كل طرف للاخر وعدم التفاهم يعني عدم امتلاك تصورات كاملة عن مراد الاخر وهذا في علم الادارة والقيادة وفي علم التدبير والقضاء له شيء كبير حتى نحن في باب القضاء عندنا توصيات اكيدة من الشارع ان القاضي لا يتسرع ولا يستعجل ولا يتعتع يعني يسكت الطرفين او يذكرهم وانما يدع كل واحد يتكلم على راحته ولا يعين احدهما على الاخر فان هذا لا يجوز لكن يستنطق هذا ويستنطق هذا بلا ان يعين احدهما ثم هو القاضي بعد ما يدلي له المواد يجب ان يتأمل ويتأنى رويا هذا كله لاجل باب التصور فهو باب عظيم .
لذلك في قضية النزاعات حتى لو كانت بين دول او نزاعات عسكرية وحتى الان كثير من الدول لما تعقد اتفاقيات تلتفت لهذا الامر انه ما الفرق في الاصلاح العصري القانوني البشري بين ان تقول اتفاقية او تقول معاهدة اومفاوضات ما الفرق بين هذه الاستعمالات؟ يوميا نسمع مثلا في نشرات الاخبار هذا الامر اصل الحوار التصوري يسمونه مفاوضات بل حتى الدول الشديدة النزاع حتى النزاع العسكري افترض روسيا مع امريكا على طول الخط حرب يجب ان يكون بينهم ارسال تصورات لانه ربما لا نحتاج الى نزاع والحرب الساخنة فعلم التصورات وتبادل التصورات كنز كبير عند البشر وله تعابير باللغة الانجليزية او الفرنسية وهو علم واحد وهذا العلم يطرحه صائب عريقات واثبت ان امير المؤمنين في هذا العلم له القدح المعلى وانه اسبق من الكل.
المنظر بشري معاصر روجر فيشر كتب كتابا طبع باللغة العربية واهدى نسخة منه الى رئيس الامم المتحدة بان كيمون الكوري فاكتشف صاحب عريقات صفحة اعجاز من صفحات علم امير المؤمنين فيثبت ان امير المؤمنين اقام علم التفاوض على اثنى عشر عمود بينما روجر فيشر اللي هو منظر الاكبر عصريا في هذا العلم عنده سبعة اعمدة فامير المؤمنين تلميذ النبي عنده اثنعشر عمود والسبعة مشتركة .
فهذا علم من العلوم التي لم تكتشف عند الفريقين حول امير المؤمنين واكتشف هذا الباحث الفلسطيني جزاه الله خير .
فالعلم عبارة عن ثروة التصورات وهو من مواليد العلوم الادارية والتي هي علوم قيادية فهي ثروة وثورة ، فوصلوا في هذه النتيجة انه في كل نزاع اذكى تفاوض ان يخرج الطرفان رابحين لانه في الحرب عادة يخرج احدهما فائز او الاخر خاسر والاول منتصر او كلاهما خاسرين لكن الافضل ان يخرج الطرفان رابحين افضل من رابح خاسر وخاسر خاسر وانما يكون رابح رابح يعني هذه الصور الاخرى كلها سلبية ما عدا صورة واحدة وهي رابح رابح ويمكن تكثير الربح في كلا الطرفين ببركة ثروة التصورات والتفاوض .
وهذا هو معنى المشهورة عند علماء الامامية ان امرهم شورى بينهم هذا هو المراد منه يعني من جمع عقول الناس الى عقله وعلوم الناس الى علمه فاذن اصل التصور باب عظيم جدا في الحواريات وفي الامور التربوية سواء على الصعيد الاجتماعي الدولي الفردي الاسري فباب التصورات عظيم جدا لذلك الحكم المتسرع التصديقي خطأ سواء بالنفي او بالاثبات والنفي اعظم من الاثبات فانت لماذا تتسرع وتستعجل وتنفي شيء؟ حاول تثير تصورات .
فالمقصود ان باب التصور مهم هذا كله في التفاوض اما الاتفاقيات فهو الوصول الى تصورات مشتركة مربحة للطرفين هذي يسمونه اتفاقيات بخلاف المعاهدة يعني التزام فهناك مفاوضات وهناك اتفاقيات وهناك معاهدات او مواثيق دولية بين الدول كلها هذه اصطلاحات عصرية تجري في القانون العصري لا بأس بالاطلاع عليها وتفيدنا في مباحث التصور الشيء المهم .