« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الفقه

46/08/09

بسم الله الرحمن الرحيم

العقود الإذنية وإيقاع الإذن

الموضوع : العقود الإذنية وإيقاع الإذن

 

كنا في الفرع الذي ذكره السيد اليزدي ان العقود الاذنية تختلف عن العقود التمليكية المعاوضية او التمليكية المجانية حيث هذان قسمان من العقود التمليكية وهناك قسم ثالث وهو العقود الاذنية كالعارية والوديعة والوكالة ، فهو يقول في العقود الاذنية ذكر مشهور الفقهاء ان العقد الاذني تارة يكون الفساد من جهة عدم امضاء الشارع لا من جهة امضاء العدم ومر بنا في بحث الاصول انه تارة الشارع يمضي المعاملة او الايقاع وتارة لا يمضي واخرى علاوة على انه لا يمضي ينهى ويردع يعني يعتبر عدمها فعندنا اعتبار وهو الامضاء وعندنا عدم الاعتبار وهو عدم الامضاء وعندنا اعتبار العدم .

مر بنا في بحث الاصول ان امضاء العدم يعني تدخل الشارع بالوقوف امام هذا النهر العرفي ففي بعض الموارد من الوكالة او الوديعة او العارية ليس ان الشارع لم يعتبر ولم يمض فقط بل ينهى فيجب ان نفرق بين هذه الاقسام الثلاثة وهذه ليست فقط اقسام ثلاثة بالمعاملات وانما اقسام ثلاثة في الاعتبار لانه مر بنا في علم الاصول تارة يكون اعتبار الشيء وهو تصحيح وامضاء له وتارة عدم الاعتبار واخرى اعتبار العدم .

من باب المثال يقولون العقد الفضولي لم يعتبره الشارع لنقص الشروط فليس هو بمعنى الفساد الذاتي كالقسم الثالث وانما بمعنى عدم الصحة الفعلية ولكن اذا اكتملت الشروط فيصح لانه عنده صحة تأهلية والقسم الثاني قد يكون واجد للصحة التأهلية اما القسم الثالث وهو نهي وضعي او تكليفي فليس واجدا للصحة التأهلية لانه فساده ذاتي فبين القسم الثاني وهو عدم الاعتبار والقسم الثالث الذي هو اعتبار العدم بون بعيد .

وهذا البحث كما ذكر الاعلام من الاسس المهمة في باب المعاملات والايقاعات والتفريق بينها مهم مثلا الصحة معانيها متعددة وكذلك الفساد متعدد بتعدد معاني الصحة مثلا الفقهاء يقولون في الاجتهاد والتقليد عمل المكلف من دون اجتهاد او تقليد يعني من دون تعلم باطل هل هو الباطل الذاتي او هو باطل واقعي? انما هو باطل ظاهري ، والباطل الظاهري ايضا معانيه متعدد فتارة الباطل الظاهري بمعنى عدم الاحراز لا احراز العدم مثلا لاحظ السيد الخوئي يفتي بعدم جواز حلق اللحية احتياط وجوبي فيسأله المقلدون انه لو احد من مقلديك حلق اللحية فيحرم ذلك عليه على الاحوط ، هذه ليست فتواه وكذلك يجب على الاحوط ليست فتواه وكذلك يبطل على الاحوط هذا احتياط ، فقد يتساءل السائل اليس قالوا الفتوى قد تقترن بالاحتياط? يعني فتوى بالاحتياط ؟ كلا ليس فتوى بالاحتياط فانه اذا اقترنت الفتوى بالاحتياط يكون احتياط استحبابي ولكن يجب على الاحوط هو ليس اقتران فتواه بالاحتياط ،

نعم اذا قال يجوز والاحوط تركه هنا فتوى تكون اما الفتوى المخالفة للاحتياط اذا اقترنت بالاحتياط فهذا الاحتياط مستحب والحكم المخالف للاحتياط اذا اخبر به الفقيه او افتى به او ابرزه حينئذ يعبر عنه بالاحتياط المقارن للفتوى فيكون احتياط استحبابي اما الفتوى الموافقة للاحتياط هذه ليست فتوى وانما احتياط وجوبي ، فالاحتياط في الفتوى يختلف عن الفتوى بالاحتياط ، فالفتوى بالاحتياط هي فتوى ولكن يجب على الاحوط ليست فتوى فهي فتوى التي قد تكون مستندها الاحتياط الاصولي كما اذا قال مثلا في الاماكن الاربعة كذا ذراع اولى او يجمع بين القصر والتمام او اذا صارت اقامته كذا يجمع بين القصر والتمام ، هنا اذا لم يأت باحوط وقال يجمع بين القصر والتمام هذه فتوى بالاحتياط اما اذا قال يجمع بين القصر والاحتياط على الاحوط هذه ليست فتوى بالاحتياط وانما احتياط بالفتوى .

نعم قد بعض الفقهاء يجعل لنفسه اصطلاح خاص ولكنه خلاف الممشى الاصطلاحي الشائع لدى المعاصرين من مئتي سنة او قرنين فالفتوى بالاحتياط منشأها الاحتياط والمفروض لا يظهر كلمة احتياط لانها فتوى وهذا اصطلاح فقهائي وليس اصطلاح شرعي اما الاحتياط في الفتوى هذا يقول يجب على الاحوط او تبطل الصلاة على الاحوط او يحرم على الاحوط فهذه ليست فتوا بالاحتياط ولا فتوى بل هي مجرد احتياط في الفتوى ولا يفتي.

نعم قد يقال السيد احمد الخونساري عنده اصطلاحات خاصة به او مثلا السيد الكلبيكاني عنده بعض الاصطلاحات بعض الاحتياطات هذه اصطلاحاته الفقهية يصطلحها ويجب ان يعلم انه ماذا يقولها هذا بحث اخر لكن عموما ان لم يبرز الفقيه اصطلاحا خاصا بنفسه فيجرى على الاصطلاح الموجود المتداول .

اذن يجب ان نفرق بين هذه الموارد ان الفتوى بالاحتياط فتوى اما الاحتياط في الفتوى ليست فتوى وامثلتها هي يجب على الاحوط ويحرم على الاحوط اما عندما يقول يجوز هذا يعبر عنها اقترن الاحتياط بالفتوى يعني مخالفة فهذه ليست فتوى موافقة وانما مخالفة فحينئذ يكون استحباب اما اذا اقترن بفتوى موافقة هذه ليست فتوى بالاحتياط ولا فتوى وانما هي احتياط .عندما يقول الفقيه الفلاني يبطل على الاحوط هذا ليس معناه انه يفتوي بالبطلان هذه المزايدات غير صحيحة لتغرير المستفتي .

فسئل السيد الخوئي انه اذا كان احد مقلديك حلق اللحية هل هذا عادل وتقبل شهادته? قال لا تقبل شهادته بل هو فاسق ، فسألوه انه انت ليست عندك فتوى بحرمة خلق اللحية لماذا تفسق المكلف اذا خالف الاحتياط الوجوبي فهل هذه كبيرة? قال لانه هو اما يقلد شخصا يجوز الحلق فبها والا يجب ان يراعي الاحتياط نعم انا ليست عندي فتوى ولكن عندي احتياط وهو ميزان شرعي وليس تقليد ولا اجتهاد ولا فتوى لكنه ميزان فهو ترك التقليد وما عنده فتوى ولم يقلد شخصا يجوز ولا هو مجتهد ولم يذهب لخيارات اخرى فبقي عنده خيار الاحتياط ولما هو لم يلتزم بالاحتياط فاذن هو لم يلتزم بالموازين الشرعية ولما يصر فهذا الاصرار يوجب فسقه فهو يقول بان مخالفة الموازين الظاهرية الناشئة من الاصول العملية العامة العقلية فسق لانه ليس التزام بالمقررات فترك المكلف للاجتهاد والتقليد والاحتياط يوجب بطلان عمله .

فهم يقولون ليس باطل يعني ذاتي وفاسد ذاتي وليس باطل واقعي يقولون بطلان ظاهري بمعنى عدم احراز الصحة فهو وظيفته ان يحرز الصحة ولكن عدم احرازه ليس بمعنى احراز العدم وهذا احد معاني الفساد او الباطل فمن ثم اذا كان في الواقع عمله مطابق لفتاوى الاعلام لانه ما قلد ولا اجتهد فعمله يكون صحيح ولكن بحسب الظاهر اذا بقي على هكذا فصلاته مرهونة بالواقع لكن كسلوك يصير فاسق يعني ما تقيد بالمقررات الشرعية فصلاته صحيحة اذا كان مطابق الواقع ولكن عدم احراز صحة الصلاة بشكل مستمر فسق وهذا امر تكويني يترتب على هذا الامر الظاهري بحيث لما يقول لا تقبل شهادته يعني لا تقبل واقعا وان كان هو ملتزم بالصلاة لانه ما اعتقد .

وهذا شبيه ما يقوله الشيخ الطوسي ان من اعتقد بالحق عن طريق التقليد او عن طريق الاهواء او عن طريق الوراثة هذا من جهة هو من الناجين لانه اعتقد الحق مطابقا للواقع لكنه عاصي واثم من جهة انه اعتقد الحق لكن لم يحصن ايمانه واعتقاده بالادلة لان المفروض ان يعتقد عبر الادلة فهذه العقائد يجب ان تتعلم ويتعرف على ادلتها فهو اثم من هذه الجهة لا من جهة عدم الاعتقاد ، فهو اثم لانه غير مبالي بخلاف ما اذا كانت عنده ادلة بحيث حتى لو عرضت عليه عواصف الشبهات فالادلة هي تقف سدا منيعا فالانسان يجب ان يعتقد الحق ويجب ان يعتقده عن طريق الحق ويجب ان يحصن ايمانه وليس فقط يؤمن .

من ثم وردت الروايات في انه احد انحاء تحصين الايمان هو الزواج لان الزواج يكسر حدة الهوى او الشهوة فمن ثم من تزوج احرز نصف دينه او ثلثيه يعني انت لا يكفيك ان تعتقد بالحق وانما يجب ان تمارس الرياضات الروحية كي تحصن ايمانك ومن ضمنه هو النكاح مع ان النكاح ليس عقائدي ولكن لان الانسان منظومة اجهزة فتؤثر بعضها على بعض .

فاذن الصحة لها معاني احراز ظاهري اذا عمل المكلف من دون دليل ليس المراد منها باطل ذاتي وفساد ذاتي ولا فساد واقعي ولا الفساد الظاهري بكل معانيه وانما فقط مرادهم من الباطل يعني عدم الاحراز لا احراز العدم ، هنا ايضا العقد الايقائي ان فسد اي فساد هو ؟ يقول ان فسد يبقى الاذن ، فاي فساد هو ؟ ليس المراد العقد الايقاعي ان فسد يعني هو القسم الثالث فنهي الشارع عنه واعتبر عدمه وانما المراد هو القسم الثاني وهو عدم الاعتبار لا اعتبار العدم فالفقهاء يقولون العقود الاذنية التي هي عدم الاعتبار لا اعتبار العدم هذه العقود الاذنية تخرج عن قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده لان الاذن الايقاعي يكون بدلا عن العقد الايقاعي العقد الايقاعي فسد ومر بنا الان كلها تطويل على اساس نشرح معنى تعدد الفساد ، ففسد يعني عدم اعتبار القسم الثاني لاالقسم الثالث الذي اعتبار العدم .

فيقول الفقهاء اذا كان العقد الايقاعي من القسم الثاني اذا فسد يعني صحة تاهلية موجودة فيه لكن الصحة الفعلية غير موجودة مثل العقد الفضولي احد الشرائط فيه اختل وهذا البحث مفيد حتى في علم الاخلاق وفي علم الرياضة الروحية وفي علم العقائد مثل الفتوى العقائدية التي نقلناها عن الشيخ الطوسي في الاعتقاد بالحق ولكن لا عن دليل فهو ناجي وان كان اثم عاصي فهو اثم لعدم الاستدلال فهو عدم الاعتبار وليس اعتبار العدم هذا في العقائد وفي المعاملات وفي الايقاعات .

فيجب التفرقة بين هذه الاقسام الثلاثة فاذن في العقود التي الفساد فيها من القسم الثاني يعني عدم اكتمال شرائط الصحة لا فساد ذاتي ولا فساد ملاكي هذا الفساد يكون عوضا عنه بدلا عن الاذن الان ما الفرق بين العقد الاذني والاذن وما الفرق بين عقد العارية والاذن في العارية? وكذلك الوديعة والوكالة ؟ الفرق يجب ان نستطلعه بدقة نقول العقد واضح فيه طرفان ايجاب وقبول اما الاذن ايقاع محض وليس عقدا يعني يقوم به طرف واحد كيف هنا يمكن تصويره? وهذه الابحاث هي اسس لهيمنة البحث على مباحث المعاوضات والايقاعات .

مثلا الفقهاء يقولون في الموكل اذا قال الوكيل الوكيل انت وكيلي والوكيل لم ينطق بشيء وما قال قبلت مع ذلك يقولون يجوز للوكيل العمل لانه لم يقبل وليس انه رفض يقولون وان لم ينشئ القبول يجوز له ان يأتي بالعمل الذي اذن فيه الموكل مع انه عقد الوكالة لم يتم يعني لم يظهر القبول لكن ما تم التوكيل عليه يجوز له مثلا قال له ابحث لي عن المرأة ذات مواصفات كذا واعقد لي عليها فالوكيل ما قال قبلت لكن فتش ووجد امرأة ذات مواصفات وعقدها للموكل يقول هنا العقد صحيح ويلزم به مع انه ماتم العقد يقول نفس ايجاب الموكل ايقاع واذن يترتب عليه الاثار .

وهكذا في صاحب العين مثلا يقول اعرت وذاك لم يقبل العارية فلم يكن هناك انشاء فهنا يجوز له التصرف وان لم تتم عملية العقد فعندما يقول اعرتك بمنزلة يقول اذنت لك في التصرف فالعقود الاذنية قبل ان يتم العقد تترتب الاثار وان كانت جملة منها تترتب وليس جميعها وغدا نوضح مسألة مرتبطة بهذا البحث انه اذا قال شخص لاخر وهبتك مالا لتحج به وهذا ما قال قبلت فهل هناك تحققت الاستطاعة? وهل يجب عليه القبول? بعضهم قال نعم يجب عليه القبول لانه انشأ له التمليك والبعض قال لا يجب عليه القبول ولا تجب الاستطاعة وربما اكثر تلاميذ السيد الخوئي هكذا وحتى بعض محشي العروة لان العقد لم يتم فليس من الواجب عليه ان يحقق الملكية .

 

logo