« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الفقه

46/05/01

بسم الله الرحمن الرحيم

نظريات في الإيجاب والقبول وتداعياتها

الموضوع: نظريات في الإيجاب والقبول وتداعياتها

 

كان الكلام حول الايجاب والقبول وانشاء الرضا وانشاء الالتزام ومر بنا ان الايجاب والقبول والعقد فيه خمس نظريات وهي مختلفة عن بعضها البعض فعلى النظرية الاولى يتصور الايجاب من المشتري كما يتصور اصالة من البائع وكما يتصور الايجاب من الزوج يتصور اصالة من المرأة فوقع الكلام عندهم اذا ابتدأ المشتري وقال اشتريت فهل يلزم على البائع ان يقول قبلت او يسوغ له ان يقول بعت ؟ كما ان البائع لو قال بعت هل يسوغ للمشتري ان يقول اشتريت كما يسوغ ان يقول قبلت ام لا ؟

وهذا البحث يرتبط بعنوان القبول او رضيت وقبلت ؟ وعندهم هل يسوغ لاحدهما ان يقول رضيت اولا ثم الثاني يقول قبلت مثلا المشتري يقول قبلت والبائع يقول بعت او ان البائع ابتداءا يقول قبلت البيع والمشتري بعد ذلك يقول اشتريت ؟

واستشكل اكثر الاعلام في تقدم قبلت انشاءا وحتى لفظ رضيت على الايجاب ، فرضيت وقبلت يعتبروها مطاوعة وتابعة لا تصح ان تتقدم بخلاف ما اذا قال المشتري اشتريت فيمكن حينئذ ، والبائع بدل ان يقول قبلت يقول بعت فهنا وقع الكلام في حقيقة عنوان قبلت ما هو؟ وكذلك عنوان لفظة رضيت .

مر بنا في النظرية الخامسة او الرابعة نظرية الشهيدة الثاني ان لفظة قبلت او لفظة رضيت مجرد انشاء الرضا فحينئذ كيف يتقدم قبلت على الايجاب؟ سواء قبلت من المشتري او من البائع ؟ فالاكثر ربما قالوا لا يصح ولا ينعقد البيع ولكن جملة من محققي وشراح المكاسب قالوا لو انشأ الرضا بالبيع قبل البيع لا مانع ولو انشأ القبول قبل البيع لا سيما مع الموالاة لا مانع ، فليس من الضروري ان يتأخر زمانا بلفظة القبول او بلفظة الرضا ، وانشاء الرضا امر اعتباري ممكن ان يتصور له بقاء واستمرار نعم هو متأخر رتبة ولكن ليس من الضروري كل ما هو متأخر رتبة او معنى ان يكون متأخر زمانا وذلك شبيه الشروط المتقدمة على المشروط ، الشروط هي توابع للمشروط ولكن لا مانع من ان تتقدم زمانا على المشروط وهذا الكلام وجيه عندهم والدلالات والروايات فيها دلالة على هذا المدعى انه يمكن تقدم الرضا او القبول على الايجاب .

مر بنا على بعض النظريات في الايجاب والقبول ان كلا من المتعاقدين انما ينشئ ايقاع معلق عقديته على التراضي مع انشاء الاخر فسمي العقد عقدا لان انشاء احدهما ايقاعي وانشاء الاخر ايقاعي يترابطان فينعقدان فما المانع في ذلك؟ فمر بنا ان الاعلام عندهم تصويرات في كيفية انشاء وايجاد العقد ماهويا برمته هل هو من مجموع انشاء الاثنين او من انشاء احدهما؟ وضم انشاء الاخر له انما يثمر والحاجة اليه لاجل الصحة الفعلية او اللزوم لا لاجل اصل الصحة التأهلية الاعدادية ؟

فبعض الاقوال تقول الماهية المركبة المرتبطة بالطرفين ينشأها ايقاعا احدهما كالبائع يقول بعت فينشئ تمليك المبيع وتملك المبيع وتمليك الثمن وتملك الثمن فضولة فتكون صحة تأهلية اقتضائية وليست صحة فعلية ، فالمشتري عندما ينشئ الرضى تتطور الصحة التأهلية الاقتضائية الى صحة فعلية والى اللزوم والصحة الفعلية من مجموع انشائهما ، فالصحة الفعلية او اللزوم الفعلي يتوقف كلا الانشائيين انما كلامهم في تصوير وجود الصحة التأهلية هل يوجدها احدهما برمتها ام لا؟

وفي النظرية الخامسة التي تبناها السيد اليزدي والسيد الحكيم لما السيد يقول لعبده انكحتك امتي فلانة يتم العقد بدون قبلت او الوكيل من الطرفين يقول زوجت موكلي زيد من موكلتي فلانة فلا يحتاج ان يقول قبلت يعني هذا الوكيل الذي هو من الطرفين او الولي من الطرفين او اصيل الوكيل كما المرأة توكل زوجها لو لم تكن تعرف اللغة العربية وهو يجيدها سواء عقد منقطع او دائم فيأخذ منها وكالة في ايجاد العقد فهنا يكفي ان يقول زوجت موكلتي فلانة من نفسي وليس بحاجة ان يقول قبلت فهنا بانشاء واحد توجد الصحة التأهلية ثم بعد ذلك الفعلية .

فهنا الصحة التأهلية ينشؤها شخص واحد ، ونقول في النظرية الخامسة في بعض الحالات الصحة الفعلية ايضا ينشؤها شخص واحد ، فأصل ان الصحة التأهلية والتي هي ماهية مركبة من تمليك وتملك المبيع وتمليك وتملك الثمن هي اربعة افعال هذه ينشئها واحد ، فلما يقول بعت البيع اربعة افعال فهو ليس فقط تمليك المبيع وتمليك الثمن وانما تمليك المبيع وتملك المبيع وتمليك الثمن وتملك الثمن كما ان المشتري عندما يقول قبل البائع اشتريت الشراء هو تمليك المبيع وتملك المبيع وتمليك الثمن وتملك الثمن فهي اربعة افعال والا لا يمكن ان يقول اشتريت ويقصد نصف البيع .

فاذن هذه النظرية تقول بان الصحة التأهلية اي منهما ينشؤه كاملا اما فضولة وغيره بحث اخر والاخر لما يقول قبلت يعني هذا الانشاء الذي انشأته بشكل مجموعي رباعي الافعال هذا انا اقبل به فعلى هذه النظرية الثانية وهو القبول بالدقة فقط ينشئ الرضا او ينشئ الالتزام ولا ينشئ اصل الصحة الفعلية ، فالصحة التأهلية برمتها انشأها شخص اخر .

على هذه النظرية اذا قال البائع بعت وقال المشتري اشتريت بدل ما يقول بعت الاكثر يقول يصح والبعض يقول لا يصح لانه في بعت اذا كان هو انشاء للصحة التأهلية وهي اربعة افعال فاشتريت يريد يجدد الصحة التأهلية وهي موجودة فكيف يوجدها مرة اخرى؟ يجب ان يتابع هذا الموجود من الصحة التأهلية يقبله او لا يقبله لا انه يريد يوجد نموذج نطفة جديدة بعد ما صارت متطورة نطفة جيدة من المعاملة .

البعض حاول يحل المشكلة انه عندما يقول البائع بعت والمشتري يقول اشتريت مطابقة كانما ينشئ مرة اخرى نطفة جيدة للبيع لكن يستفاد منه قبول البيع والصحة التأهيلية للبيع الاول ولا يحتاج الى بيع ثاني ولا يحتاج الى وجود ثاني للصحة التأهلية وهذا انشاء التزامي ولا مانع من هذه الدلالة الالتزامية الواضحة كما ان المشتري اذا تقدم وقال اشتريت والبائع بدل ما يقول قبلت يقول بعت فذاك لما يقول اشتريت يعني اوجد البيع ولو من الزاوية التي ترتبط بالمشتري ولكن بالتالي المعاملة ما يمكن تفكيكها هي طبيعتها مركبة بينما على غير هذه النظرية البائع لما يقول بعت لا يوجد كل المركب وانما كأنما يبني نصف البناية والمشتري يبني نصفها الاخر حينئذ تكتمل كبناية .

فالبائع لما يقول بعت يعني ملكت المبيع وتملكت الثمن والمشتري عندما يقل قبلت او اشتريت يتملك المبيع ويملك الثمن فكل ينشئ فعله فقط ولا ينشئ فعل الاخر هذه النظرية هي معروفة اما الاخرى ليست معروفة بكثير وان التزم بها المتأخرون كذلك مثلا في الرجل والمرأة في النكاح لما الرجل يقول نكحتك على مهر قدره كذا والمرأة ان قالت قبلت او قالت انكحتك نفسي فيتم واللطيف ان صيغة الرجل ليس فيها مفعول به اثنان وانما مفعول به واحد فقط نكحتك على مهر قدره كذا اما في المرأة هي فاعل وهي مفعول به والرجل مفعول به .

مثلا كصيغة نحوية انكحتك نفسي المرأة انكحتك فاعل وثم هي مفعول به والرجل مفعول به اما في صيغة الرجل فعل واحد والمفعول به واحد فهنا لو قال الرجل نكحتك بمهر قدره كذا المرأة بدل ما تقول قبلت تقول انكحت سواء انشا كلا الفعلين للرجل والمراة وهي فقط قالت قبلت او هو فقط انشاء فعل والمرأة تنشئ فعلها ثم يلتحم الفعلان الانشائيان فيكونان عقدا .

نظرية المشهور هي هذه ان كل ينشأ فعله فقط والاخر ينشئ فعله فقط فيلتحم الانشاءان فيكونان عقدا وهذا دور المعنى وماله من اهمية فاذن البائع عندما يقول بعت يعني ينشأ تميلك المبيع من دون ان ينشك تملك المبيع فتملك المبيع فعل المشتري وليس فعله هو ، نعم هو ينشئ تملك الثمن لان فعله هو وليس فعل المشتري ، فهنا البائع ينشأ تملك الثمن قبل ان ينشئ المشتري تملك الثمن فلا مانع في ذلك فهي موالاة قريبة .

من ثم يصح ما قاله جملة من المحققين في انه ما المانع ينشأ الرضا قبل ذلك؟ ان يقول قبلت ثم الاخر ينشئ الايجاب لانه ان انشأ البائع قبل ذلك او المشتري قبل ذلك وينشئ الفعل قبل ان يتحقق ارضيته كما ان المشتري لو قال اشتريت يعني تملكت المبيع وملكت الثمن فكيف تتملك المبيع قبل ان يملكك البائع؟

من ثم الصحيح انه لو قال المشتري اشتريت وقال البائع بعت لا مانع فيه فهو من باب تأكيد الانشاء او هو قبول لما قد انشئ واوجد بالدلالة الالتزامية والعكس لو قال البائع بعت والمشتري بدل ان يقول قبلت قال اشتريت لا مانع فحقيقة عنوان القبول وعنوان الرضا هل هو انشاء لنصف الماهية على ما هو المشهور؟ او هو انشاء للرضا فقط على النظرية الاخرى وان الماهية برمتها ينشأها واحد فقط وهو الموجب وهذي لها تداعيات وتأثيراتها وجملة من المتأخرين وهو الصحيح ارتاوا انه يتقدم القبول او يتأخر بلفظ بعت او قبلت كل هذا جائز بل السيد اليزدي في حاشيته في المكاسب استفاد ان صيغة الاستفهام اذا تفيد القبول والرضا هذا نوع انشاء لان في زواج الامام الجواد من بنت الخؤون العباسي وحتى في زواج سيد الانبياء من خديجة الكبرى وكان الخاطب ابو طالب فصيغة الانشاء كانت منه هكذا قال اتزوجون ابننا سيد الخلق كذا ؟ والخطبة كلها وحيانية دليل على ان ابا طالب من الاصفياء فابو طالب قال مخاطبا لوالد خديجة وعمها اتزوجون سيد الخلق ابننا من خديجة؟ قالوا نعم فاستهلت التغاريد وتم العقد واللطيف انه في نفس العقد قال على ان المهر من خديجة فعلق احد الحاضرين قال كيف يكون المهر من المرأة؟ فقال ابو طالب في الجواب اذا كان الرجل مثل سيد الانبياء فتبذل له غالي المهور .

فاستفاد السيد اليزدي ان السؤال نوع ايجاب ونوع قبول وكذلك في قضية زواج الامام الجواد وفي عدة موارد من صيغ زواج الائمة من الطرف الاخر يبتدأ الامام او حتى في زواج النبي من ام سلمة يبتدا بصيغة استفهام ويطرح من قبله فهي تجيب زوجتك نفسي وهذا يدل على انه يمكن الانشاء بصيغة الفعل المضارع او فعل المستقبل .

ولكن السيد اليزدي وصاحب الكفاية يقول لا يشترط الماضوية لان المستقبل مردد لا ينشأ به اما اذا كان المستقبل فيه بت بالانشاء والارادة هذا لا اشكال فيه يصير حاله حال الماضوية مع قرائن الحال كقولهم اتزوجوننا ومشاية ابي طالب وبني هاشم فهذا ليس محل ترديد ونفس الشيء في قضية الامام الجواد او بقية المعصومين .

مر بنا هل الانشاء لكل ماهية العقد من طرف الصحة التأهلية او ان الانشاء من طرفين يعني جزء وجزء ؟ وهو المشهور لكن المتأخرين المحققين منهم يبنون على انه انشاء الماهية برمتها من احد الاطراف انما الاخر فقط يقبل .

 

logo