46/04/19
-التفكيك بين الإيجاب والقبول والرضا والصحة واللزوم.
الموضوع:- التفكيك بين الإيجاب والقبول والرضا والصحة واللزوم.
كان الكلام في الايجاب القبول وانشاء الرضا والالتزام، أربعة أمور، ومر بنا أنَّ الايجاب والقبول له ثلاثة معاني، هنا الايجاب والقبول بمعانيه الثلاثة أيضاً مرَّ بنا أنَّ البيع - وهذا من باب المثال - أو المعاوضة كالإجارة هي ماهية مركبة بعدَّة تركيبات، يعني الهبة لماذا هي عقد يعني مركبة مع أنها تمليك من طرفٍ واحد فلماذا تكون مركبة؟ وذلك لأنَّ الواهب يوجب ويوجد - فالواهب فاعل - وهذا مر بنا، فهنا يوجد ايجاب وإيجاد، فهو يوجب ويوجد تمليك العيم الموهوبة للواهب ولكن لا تحصل الهبة بذلك بل لابد من مطاوعة الموهوب له بأن يستقبل ويطاوع وينفعل ويتملّك العين الموهوبة.
فبالدقة الهبة ليست أيقاعاً يتم من طرف واحد، إنما الهبة مع أنها تمليك بسيط غير معوضي وعقد غير معاوضي وهو بيط ولكن مه ذلك هذا الامر البسيط وهو التمليك لعين واحدة لا يتم إلا بإنشاءين مرتبطين، مثل دولة مصدرة ودولة مستوردة، مصدِّر ومستورد، فمرسل ومرسل إليه من هذا القبيل فإذاً في الهبة يوجد تركيب وعقد يعني بإنشاءين ولا يتم بإنشاء واحد وهي ليس كالطلاق أو العتق فإنهما ايقاعان ، بل هنا لابد من فعلين، والبيع هكذا فإن البيع من طرف المبيع بمفرده هو عقد، ونفس الذي مرَّ بنا في الهبة ولكن زيادة على ذلك المشتري أيضاً يملّك الثمن إيجاباً وإيجاداً والبائع يستقبل ملكية الثمن أي يطاوع فهو قابل، فيوجد ايجابين وقبولين، ويوجد تركيب ثالث في البيع وهو ربط هذين التركيبين في قابل بعضهما البعض، ( بعتك ) هذا الذي هو تركيب ( بهذا ) الذي هو تركيب أيضاً، يعني بالثمن والثمن تركيب والباء أيضاً تركي، فتوجد عندنا ثلاث تركيبات على أقل تقدير في البيع أو الاجارة أو في أي عقد معاوضي، وهذا التحليل بهذه الدقة وبهذا التفصيل الذي ذكره الأعلام هو لأجل ماذا؟ إنه لأجل أن يبيّنوا أنَّ كلاً من الطرفين بلحاظٍ هو موجد وموجب وفاعل والطرف هو قابل.
نعيد العبارة: - إنَّ غاية الاعلام من هذا التفصيل والبسط في التحليل هو لبيان أن كلاً من الطرفين موجباً وموجداً والطرف الآخر هو قابل، يعني في المبيع القابل هو المشتري والموجب والموجد هو البائع، وأما في الثمن فالأمر بالعكس المشتري هو الموجب والموجد والبائع هو القابل، فإذاً هذه الماهية المركبة فيها إيجابين وفيها قبولين.
وتستطيع أن تقول بعبارة أخرى:- هذه الماهية المجموعية المركبة يمكن أن يوجدها المشتري فيقبل البائع ويمكن أن يوجبها أو يوجدها البائع ويقبل المشتري وهذا ليس في البيع فقط وإنما في النكاح وفي الاجارة وفي كل المعاوضات، فالمعاوضة ماهية مركبة كالعملة المعدنية هي شيء واحد ولكن لها وجهان ولها صفحتان صفحة من جهة البائع وصفحة من جهة المشتري وصفحة من جهة الزوج في النكاح وصفحة من جهة المرأة، كل من صفحته أو من جهته يمكنه أن يوجد وينشئ هذه الحقيقة الواحدة، نعم هو يوجدها من جهته يعني بالشكل الذي هو من جهته وبالتابع تنوجد الصفحة الأخرى بقبول الطرف الآخر.
فإذاً طبيعة العقود لفظاً في الاجاب والقبول اللفظي أو في الايجاب والقبول المعنوي الماهوي بهذا المعنى الأول والثاني الذي هو ثاني المجموع أو أول المعنوي طبيعة العقود يكن أن يكون كل منهما موجباً والآخر قابلاً وهذا ليس مجازاً واستعمالاً بل هو حقيقية بهذا المعنى، وهذا هو الذي مرَّ بنا أنَّ الايجاب والقبول يتبدل ويتبادل كل من الطرفين عليه وكذلك الايجاب والقبول المعنوي أحدهما نعم المعنى الثالث من الايجاب والقبول لا يتبدل وهذا الكلام مر بنا ونقلناه عن الاعلام.
فإذاً مسألة الايجاب والقبول بهذا اللحاظ والتحليل الذي ذكره شراح المحققين للمكاسب هو دقيق، وهذا اللغط الكثير الموجود وكلمات كثيرة من طبقات الفقهاء يمكن علاجه وحلحلته بهذا البيان الذي هو بيان دقيق ولطيف.
تبقى تفاصيل لابد وأن نستعرضها: - طبعاً البائع حينما ينشئ من قبله فيقول للمشتري بعت والمشتري يقول قبلت ولكن هذه كلمة بعت لا يصير أن يستعملها المشتري نعم يقول اشتريت هذا مراعاة لمعنى الثالث للإيجاب والقبول لأنه مر أن المعنى الثالث للإيجاب والقبول لا يتبدل، الرجل يقول توجتك وهل يقول زوجتك نفسي إنه لا يقول ذلك إلا بمعنى أنَّ النكاح عبارة عن الاقتران وإلاف الرجل يقول تزوجتك والمرأة تقول زوجتك أما الرجل فلا يقول زوجتك نفسي والمرأة لا تقول تزوجتك ولو أن هذا بمعنى الاقتران يصحح أما بمعنى تمليك المنفعة فلا لأنَّ المملّك الأصلي هو المرأة والرجل يتملك، يعني الابتداء يكون من المرأة - المعنى الثالث في النكاح الايجاب والقبول - فالتمليك من المرأة والقابل والتملّك هو الزوج بهذا اللحاظ، هذه خصوصيات يجب الالتفات إليها.
ويوجد تفصيل آخر يجب أن ندقق فيه: - وهو أن قبلت - حسب ما مرَّ بنا الآن - هل هو إنشاء للقبول أو أنه إنشاء للرضا أو لهما معاً أو أنه لا فرق بينهما؟ إنه يوجد فرق وأقصد يوجد فرق ماهوي لا فرق وجودي في آلية الانشاء، فإنَّ إنشاء الرضا هو شرط وإنشاء القبول وقبول يعني تملك المبيع أو إنشاء تمليك الثمن فالقبول ماهيةً بالدقة يختلف عن ماهية إنشاء الرضا، هذا كماهية لا كآلية إنشاء، يعني كما أن الصحة ماهيةً في عقد البيع وغيره من العقود الأخرى الصحة ماهية وجودها يغاير ماهيةً وإلا فقد تنوجد الصحة واللزوم بوجود واحد ولكنهما وجودان مندمجان فحينما نقول يغاير فليس بمعنى أنه يغاير ماهية، مثل الآن الجدار وجوده ووجود لونه مترابطان ولكن ماهيته مختلفة فإنَّ احدهما جوهري والآخر عرضي، فبالدقة وجودهما اثنان ولكنهما مرتبطان، فالصحة ماهية بالدقة ووجوداً لا أقول نتفل وغنما هي تغاير وجود اللزوم وماهية اللزوم وإن لم تنفك خارجاً، فليس كلامنا في الانفكاك وعدم الانفكاك وإنما كلامنا في التغاير الماهوي، كيف الصحة واللزوم هكذا ماهية وجوداً وإن اندمجتا وجوداً كذلك الرضا والقبول ماهيتان وإن وجدا معاً لما مر بنا أمس ﴿ تجارة عن تراض ﴾، هو القرآن الكريم فرض أنَّ هذه تجارة، والصحيح في معنى التجارة هو مطلق العقود الاستثمارية وليس خصوص البيع وإن كان هذا محل لغط بين اللغويين والفقهاء وأن البيع هو البيع والبيع هو التجارة أو لا ولكن الصحيح المراد من التجارة هي كل عقد استثماري يستثمر ويستربح به من ثم في زماننا استثمار مع أنَّ المقاولات هي اجارة وليست بيعاً، وقد يكون حتى النكاح استثمار مثلاً، مثلاً امرأة تتزوج بكبار السن لأنهم على حافة الرحيل لكي تملك الإرث فهذا استثمار أيضاً، فالعقد فهي استثماري فنكاحه استثماري مثل ما يقولون نكاح سياسي أو عقيدي فإن النكاح له وجهات متعددة ولا مانع من ذلك، فالمقصود أن التجارة هي بمعنى الاستثمار ولذا قد البيع ليس استثماراً وإنما لأجل الاستهلاك أو لقضاء حاجة وما شاكل ذلك، فليس كل بيع تجارة وليس كل تجارة هي بيع فإنَّ الصحيح هو هذا فإنه يوجد بينهما عموم وخصوص من وجه، كذلك ليس كل اجارة استثمار وليس كل تجارة هي اجارة وإنما يوجد بينهما عموم وخصوص من وجه، أو الهبة فإن شخصاً قد يستثمر في الهبة فهو يعطي هدية لكي يغنم هدية أكبر فهو ذكي في هذا الجانب، فهذا باب الهدية عنده استثمار وهذا لا مانع منه فهو ذكي وعنده علاقات اجتماعية هذا من باب المثال وهلم جرا، فالتجارة في الحقيقية هي استثمار وهذا يفتح باب الخمس في الابراح ليس مخصوصاً في البيع وإنما باب الخمس هو في الاستثمار ولو كان موظفاً أو اجارة لأن هاذ كله يرجع إلى الاستثمار ولذلك يسمونه تكسب وكسب حلال وهلم جرا، فالصحيح أن التجارة هي استثمار.
أيّاً ما كان فعنوان التجارة في الدليل ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة ﴾ يعني عقداً استثماريا، و﴿ عن تراض ﴾، فافترض تغاير العنوانين وإن لم يفرض التفكيك بين العنوانين، والصحيح هو هذا فإنَّ العقد شيء وانشاء الرضا شيء آخر، كما هو الحال في بحث عقد الفضولي فإنَّ إنشاء العقد شيء والرضا شيء آخر إن لم ينفكا في آلة الانشاء يعني لم ينفكا في جملة من الموارد وإلا ففي عقد الفضولي ينفك العقد عن الرضا.
والكلام هنا وهو أن لفظة ( قبلت ) هل هي موضوعة لإنشاء القبول ماهوياً أو لإنشاء الرضا أيضاً؟ الظاهر أنَّ هذا محل اتفاق بين الاعلام ولغة الأمر هكذا هو أن ( قبلت ) هي انشاء للقبول بالمعاني الثلاثة التي مرت وهو إنشاء للرضا أيضاً، ومن ثم المكره الذي يكره بالتهديد بالقتل أو ما شاكل ذلك أو الفتاة التي أكرهها وليها على النكاح إذا قالت ( قبلت ) ما الذي تم بكلام المكره بـ( قبلت ) وما الذي تم؟ الذي تم هو القبول بالمعاني الثلاثة ولم يتم القبول بمعنى انشاء الرضا، فالخلل في العقد الاكراهي - وهذه نكتة صناعية مهمة - أو العقد الفضولي بيس بالإيجاب والقبول إنما الخلل في الرضا لا في العقد وهذه نكتة مهمة لأنه لدينا ايجاب ولدينا قبول فيشكلان العقد ولدينا رضا والتزام وعهد وهلم جرا، كما أنه كيف الانسان قد ينشئ صحة البيع ولا ينشئ لزومه فبالتالي هنا يوجد شيئان، وهنا هذه نكتة مهمة جدا. إذاً في إيجاد هذه الأمور الخمسة ايجاب وقبول ورضا والتزام وعهد يمكن تصوير إيجاد بعضها من دون أن يوجد بعضها الاخر، فإذا تم هذا البحث الصناعي فسوف يكون حلالاً للمشكلات في بحوث عديدة ستأتي ليس في البيع فقط بل في كل العقود، التفكيك بين الصحة واللزوم والايجاب والقبول وانشاء الرضا وإنشاء التعهد واللزوم، فهذه نكتة مهمة جداً. صحيح أنه في كثير من الموارد آلية إنشاء العقد هي بنفسها آلية إنشاء الرضا أو آلية إنشاء الالتزام والتعهد في كثير من الموارد ولكين ذلك ولكن إذا تخلف أحد الأمور لا يعني أن الآخر قد تخلف ولم يتحقق، فهذه الضابطة الصناعية إذا تمت فإنها توجب تنقيح وحلول لكثير من العقد اليت ستأتينا في لك بحث البيع والخيارات والشروط والعقود كلها إذا التزمنا بهذه النكتة فإنها نكتة كلية في نظرية العقد الكلي باصطلاح الاكاديميين وهذا أمر يجب التركيز عليه فإنه مرَّ بنا مراراً أنَّ جملة من بحوث البيع ليست مختصة بالبيع وإنما هي مشتركة في كل العقود، بل هي مشتركة حتى مع الايقاعات، فيجب الالتفات إلى ذلك لأنَّ هذه بحوث ليست خاصة، فعندنا انشاء ايجاب وإنشاء القبول وانشاء الرضا وانشاء التعهد وانشاء الالتزام وهلم جرا.
وكمثال اذكره لكم فهل أنت تستوضحوه:- من أحد الشروط والشروط لها عدَّة مصطلحات في باب المعاملات فإن استعمال شرط وشروط من قبل الفقهاء لها عدة اصطلاحات، أما الشروط الشرعية فهذا بحق آخر يعني اركان الصحة، وأما شروط المتعاقدين فهذا ليس له ربط بشروط الصحة وإنما هما معنيان متباينان ومقصودي من شروط المتعاقدين ليس الشروط الشرعية في المتعاقدين لأن الشروط الشرعية في المتعاقدين هي نفس اركان الصحة، أو الشروط الشرعية في العوضين هذه أيضاً من اركان الصحة فهي أيضاً شروط شرعية فالمعنى واحد، فكلامنا ليس في الشروط الشرعية في العقد أو الشروط الشرعية في المتعاقدين أو الشروط الشرعية في العوضين بل هذه الشروط كلها هي أركان الصحة وهذا معنى واحد للشروط وكلامنا ليس فيه وإنما كلامنا في الشروط اليت يشترطها ويلتزمها المتعاقدين وهذا معنى مباين من الشرط وهو اصطلاح آخر للشرط ويعبر عنه بالشروط الضمنية، وهناك اصطلاح ثالث للشروط وهي الشروط اليت يشترطها أيضاً المتعاقدين لا الشارع ولكنها تحدد العوضين فهذه تسمى شروط أيضاً ولكن لها معنى ثالث ولها احكام ثالثة، فالشروط الشرعية لها احكام والشروط التي من قبل المتعاقدين لها احكام وهي الضمنية إذا كانت شروط ضمنية وهي الشروط الضميمة فهذه لها أحكام ايضاً وهذا هو المعنى الثاني من مصطلح الشروط، وهناك مصطلح ثالث لمعنى الشروط هو الشروط المحِّددة للعوضين وهذه لها أحكام أخرى، فكلمة الشرط على اقل تقدير لها ثلاث معاني أو اكثر حتى في باب المعاملات فلها ثلاث مصلحات لمعنى الشرط، وهي معاني ليست مترادفة ولا مصاديق وإنما هي معاني مختلفة اصلاً يجب أن لا نخلط بينها، والشيخ الانصاري مثلاً في آخر الخيارات يقول شروط صحة الشروط وما معنى ذلك يقول في المكاسب: ( أما القول في الشروط ) فأي شروط يقصد؟ إنَّ مقصوده هي الشروط الضمنية الضميمة، ( فلها شروط شرعية في صحتها ) فلاحظ هذا معنى ثاني، فيعدد الروط الشرعية في صحة الشروط التي تنشأ من قبل المتعاقدين كضميمة وضمن، فلاحظ هذان معنيان.
وطبعاً الشيخ الانصاري يتعرض إلى نفس المعاني الثلاث الشروط الشرعية والشروط التي من قبل المتعاقدين الضميمة والضمنية والشروط التي من قبل المتعاقدين المحددة لأصل العوض، فتوجد ثلاثة اصطلاحات للشروط فيجب أن نفكك بينها فإن معانيها مختلفة واحكامها مختلفة.
ولا بأس أن نذكر امثلة - وإن كان تتمة الكلام غداً إن شاء الله تعالى -: - مثلاً حينما البائع والمشتري يقول له اريد منك حنطة ثم يتبين أن المبيع شعيراً وليس حنطة فهنا شرطية الحنطة هي من المعنى الثالث يعني شروط محددة، أما إذا قال له أريد منك حنطة لهذا العام فيعطيه حنطة العام الماضي فهذا الشرط يقولون هو ليس شرطاً محدداً وإنما هو شرط ضميمة ضمني مثل خياطة الثوب في البيع، والشروط الشرعية معروفة أيضاً مثل ( نهى النبي عن بيع الغرر ) و(هي النبي عن الربا) وهلم جرا،.
فهذه المعاني الثلاثة يلزم أن لا نخلط بيها كما أن احكامها مختلفة وسنبين أصل القاعدة التي كنا فيها التفكيك الماهوي بين إنشاء الايجاب وإنشاء القبول إنشاء الرضا وإنشاء الالتزام وإنشاء التعهد وإنشاء الصحة وإنشاء اللزوم، فهذه سبع أو ثمانية أمور إذا استطعنا أن ندقق في التفكيك الماهوي بينها فسوف تترتب حلول ومعالجات لأمور معقّدة جداً في المعاملات.