« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الفقه

46/04/15

بسم الله الرحمن الرحيم

-تفاصيل الروايات في الإنشاء اللفظي.

الموضوع:- تفاصيل الروايات في الإنشاء اللفظي.

 

كنا في الأدلة العامة التي استدل بها الاعلام لشروط الصيغة اللفظية وظاهراً استعرضناها اجمالاً ونكتفي بهذا القدر ونذهب إلى تفصيل كلام الشيخ الانصاري الذي نقله من الكلمات ومن الروايات: -

واجمالاً مبحث الاشارة أيضاً أشار إليه الشيخ - وطبعاً هذا بالنسبة إلى العاجز - وهل في العاجز الاخرس الإشارة مقدمة على الكتابة أو أنَّ الكتابة مساوية للإشارة؟، وهناك بعض الروايات استشهد بها الشيخ على أنه الإشارة مقدمة على الكتابة أو مساوية لها في الاخرس، واجمالاً وردت لدينا نصوص في باب الحج أو غيره أنَّ إشارة الاخرس هي بمثابة تكلّمه، بل ورد في روايات الاخرس أن فعله كذلك - وفعله أيضاً إشارة - مثلاً إذا غطّى امرأته فهذا بمعنى أنه طلقها، وهل يقدّم توكيله في الطلاق على طلاقه هو نفسه بالإشارة؟ إنه يوجد كلام بين الاعلام في ذلك، وإن كان الأكثر لا يشترط بالاجتزاء بإشارة الاخرس حتى في الطلاق عدم القدرة على التوكيل الصحيح بل تكون اشارته مقبولة حتى مع قدرته على التوكيل، وكذلك ورد في تلبية الاخرس في الاحرام وغير ذلك أنَّ اشارته تقوم مقام ألفاظه في الإنشاء.

ولا بأس أن نلاحظ الباب التاسع عشر من أبواب الطلاق فإنَّ الروايات الواردة فيه وإن كانت واردة في الاخرس إلا أنَّ الآية الكريمة في الكتابة قالت ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل فاكتبوه ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا كان أو كبير ﴾، وما الفرق بين ( تداينتم ) وبين ( اقرض بعضكم بعضها )؟ إنَّ ( تداينتم ) أعم من القرض، مثلاً البيع بالنسيئة فيه تداين، أو اجارة لا يسلّم الثمن أيضا هي دين، فالدين هو ملك الشيء بسبب معاملة فيه إنساءٌ في الاجل فهذه الآية الكريمة التي تقول ﴿ إذا تداينتم بدين ﴾ هي أصلاً ووضعاً ولغة وفقهاً غير مخصوصة بالقرض وإنما تشمل كل العقود حتى النكاح فإنَّ المهر فيه دين، فمعنى ( إذا تداينتم ) إذاً مطلق العقود. فإذاً هذه الآية الكريمة ليست خاصة بالقرض وإنما تشمل كل العقود حتى الخلع إذا لم يكن التقابض من كلا الطرفين في المجلس، وهذه نكتة مهمة، ومن ثم على ضوء هذه النكتة كما مرَّ أنَّ ﴿ أحل الله البيع وحرم الربا ﴾ الزيادة الربوية في القرض في أصل التشريع في الآية الكريمة لم ترد في القرض وإنما وردت في بيع النسيئة أو بيع المعجَّل الحاضر فينسأ ويؤجل، ولكن اليهود قالوا إنه لا فرق بين البيع وبين الربا ﴿ إنما البيع مثل الربا ﴾، أي أنَّ الدين الحاصل من البيع هو نفس البيع نسيئة، ولكن الباري تعالى قال كلا بل مطلق البيع حلال وإن كان نسيئةً أو سلفاً وأما إنساءُ الدَّينِ بزيادةٍ فهذا ربا، ولذلك لا يتوهم أن حرمة الزيادة الربوية مخصوصة بالقرض، كلا مر بنا حرمة الزيادة الربوية في كل دينٍ يؤجل من أيّ عقدٍ بعد العقد يوجّل بزيادة، هذا هو القرض الربوي وحتى إذا عبروا عنه بالقرض الربوي فهذا مسامحة فإنه ليس قرضاً بل حتى غير القرض وإنما الدين الذي فيه، وهذه نكتة يلزم أن نلتفت إليها، وهذا غير الربا المعاوضي، فالربا الديني ويسمّى بالبيع القرضي هو أعم من القرض وهو يختلف عن الربا المعاوضي، فيوجد عندنا قسمان من الربا، فهذه العبارة في الآية الكريمة ﴿ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى ﴾ في النكاح أيضاً المهر الغائب في النكاح يصدق عليه هذا الشيء أيضاً.

فإذاً ليس المقصود به خصوص القرض يعني كل عقد، ثم قالت الآية الكريمة:- ﴿ فاكتبوه إلى أجل مسمى ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً ... أقسط... ﴾، ثم أنَّ الباري علل الكتابة بأنَّ ذلك اقسط يعني لإقامة الاستحقاقات ولأداء الاستحقاقات بينكم وحتى لا يصير فيها خطل وغمز، ثم قالت ﴿ أقوم للشهادة ﴾ باعتبار أنَّ في ذلك توثيق وقطع لمادة النزاع، فالباري عز وجل لم يذكر أنه دخيل في اللزوم وإنما هو دخيل في إقامة الشهادة، ثم قالت ﴿ وأدنى أن لا ترتابوا ﴾ هذا في الوفاء إذا كان حضراً فحاضر بحاضر لأنه لا يوجد دين ولكن مع ذلك كأنه يوجد في الآية استحباب، ثم قالت ﴿ فليس عليكم جناح ألا تكتبوها ﴾ يعني الأفضل أن تكتبوه ولكن لا جناح عليكم في أن لا تكتبوه.

فالمهم إذاً لتوثيق العقد ولإحكامه الكتابة والشهادة في نفس منطق القرآن، ومرَّ بنا البحث أنه عقلائياً في جملة من العقود تحتاج إلى ذلك كما في التسجيل العقاري فإنَّ التسجيل العقاري عبارة عن كتابة وهو أقوم من الشهادة وأن لا ترتبوا وهلم جرا، بل لا يستبعد أن يستظهر عرفاً الآن في المعاملات الخطيرة من آليات الانشاء وشرائط الانشاء التسجيل العقاري، وهذا غير بعيد وليس مخالفاً للأدلة لما مرَّ بنا أنَّ الشارع في آلية إنشاء العقد اوكلها إلى العرف والعرف قد يتجدد وقد يتغير وقد يتبدّل من بيئةٍ إلى بيئة ومن زمانٍ إلى زمان من مورد في المبايعات إلى مورد آخر وهذا لا مانع منه.

والروايات فهي: -

الرواية الأولى: - ما رواه محمّد بن علي بن الحسين بإسناده، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، أنّه سأل أبا الحسن الرضا عليه‌ السلام: - ( عن الرجل تكون عنده المرأة، يصمت ولا يتكلّم، قال: أخرس هو؟ قلت: نعم، ويعلم منه بغض لامرأته وكراهة لها، أيجوز أن يطلق عنه وليه؟ قال: لا، ولكن يكتب ويشهد على ذلك، قلت: أصلحك الله، فانّه لا يكتب، ولا يسمع، كيف يطلقها؟ قال: بالذي يعرف به من أفعاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها )[1] ، أي نفس الزوج الاخرس يكتب ويشهد على ذلك، وبحسب هذه الرواية الصحيحة تتقدّم الكتابة على الإشارة في إنشاء الطلاق، وطبعاً الإشهاد هو شرط الصحة في الطلاق ولكن تُقدَّم الكتابة على الإشارة.

الرواية الثانية: - وعنه عن صالح بن السندي، عن جعفر بن بشير، عن أبان بن عثمّان، قال: - ( سألت أبا عبد الله عليه ‌السلام عن طلاق الخرس، قال: يلف قناعها على رأسها ويجذبه )[2] ، يعني يعتبرها أجنبية عنه.

الرواية الثالثة: - وعنه عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني قال: - ( طلاق الاخرس أن يأخذ مقنعتها ويضعها على رأسها ويعتزلها )[3] ، يعني أنه طلقها وكأنما يبتُّ في المهر.

الرواية الرابعة: - وعنه، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس في رجل أخرس كتب في الارض بطلاق امرأته، قال: - ( إذا فعل في قبل الطهر بشهود، وفهم عنه كما يفهم عن مثله، ويريد الطلاق، جاز طلاقه على السنة )[4] .

الرواية الخامسة: - وبإسناده عن الصفار، عن إبراهيم بن هاشم، عن الحسين بن يزيد، عن علي بن رئاب، عن أبي بصي عن أبي عبدالله عليه‌السلام، قال: - ( طلاق الاخرس أن يأخذ مقنعتها، ويضعها على رأسها ، ثمّ يعتزلها )[5] .

هذه جملة من الروايات ورد فيها تقديم الكتابة، ولا ريب أنه عقلائياً وكعرفٍ عقلائي الكتابة مع معرفته للكتابة ومعاني الكتابة سيما ليس الكتابة في الأرض فقط لأنه إذا كتب في الأرض فكأنما الأمر غير جدّي بل يكتب في روقة وما شابه ذلك مع وجود الشهود فهذا أبين عقلائياً في الانشاء من التلفّظ أو ما شاكله لأنه الالفاظ والافعال ربما لا تكون واضحة، وهذا طبعاً في باب الاخرس فإنه يدل على أنه آلية الانشاء وإن لم تكن صريحة ولكن مع كونها فيها ظهور متعارف فإنه يعتمد عليه ويعمل به، فبالتالي لا يشدَّد فيه بالصراحة.

ولذلك الشيخ الانصاري الآن يبدأ في قضية الصراحة في المادة والصراحة في الهيأة في ألفاظ العقود، فهل يصح أن يستعمل المجاز أو الكناية فيها أو لا يستعمل كما ينقل كلمات كثيرة للأعلام، والعلامة في التذكرة جزم باشتراط التصريح فلا يقع بالكناية، كأن يقول ( جعلته في ملكك ) أو ( جعلته لك ) أو ( خذه مني )، و(خذه مني ) فيه كلام، أو ( سلطتك عليه بكذا ) فهذا فيه كلام أيضاً في نقل للملكية ولكنه مبهمٌ قليلاً.

ومثلاً من ضمن الكلمات هي ( سلمت إليك ) أو ( عاوضتك ) فحتى ( عاوضتك ) هل المراد به البيع أو غير البيع؟ إنَّ هذه كلّها محل اختلاف، أو ( نقلته إلى ملكك ) أو ( جعلته ملكاً لك بكذا ) فإنَّ الكثير منهم يستشكل في كونه صريحاً في البيع، أو يقول له ( ولّيتك العقد )، فهنا ( ولّيتك ) هل أنت تتولى العقد أو ماذا؟، أما ( ولّيتك السلعة ) أو ( شاركتك ) فكل هذه يعتبرونها ظاهرةً وليست صريحة، والكلام في نفس العقد وإنشاء العقد، فولّيتك العقد شيء وولّيتك السلعة شيء آخر، نعم حتى ( وليتك السلعة ) إنصافاً قد يكون المعنى فيها غير واضح، أو ( خذه بمثله ) أو ( أسلفتك ) أو ( انتفع به وعليك ردّ عوضه ) فكل هذه الأمثلة أنها من الالفاظ غير الصريحة، أو في الرهن مثلاً يقول ( هذه وثيقة عندك ) فهذه ظهورها لا بأس به، أو يقول له ( امسك هذا بمالك ) ولا يصرّح بأنَّ هذا رهن.

فعلى كلٍّ الظهور يختلف وكأنما مرادهم والذي يستخلص منه الشيخ الأنصاري أنه في بقية العقود يقبلون بالظهور وأما في خصوص البيع والنكاح يشترطون درجةً عاليًة من الظهور وهو أن يكون بدرجة التصريح، مثلاً في الضمان يقول ( تعهدت المال أو تقلّدته )، ولا خلاف أنه في المزارعة يقبل حتى بالظهور بأني قول( ازرع )، أو يقول في الوقف ( حرّمت ) أو ( تصدَّقت ) مع القرينة مثل قرينة ( أن لا يباع ولا يورث ) كصيغة من صيغة الوقف فإنَّ الكثير يقبلها.

ودعونا نقرأ الروايات التي ذكرها الشيخ فلاحظ الوسائل في أبواب احكام العقد الباب الحادي عشر، والباب الثامن في احكام العقد، وطبعاً عندهم كلام في انشاء الايجاب بالاستفهام وأنه هل يصح انشاء الايجاب بالاستفهام أو لا بأن يقول له ( أتبيعه؟ فقال الآخر:- نعم ) فهل يكتفى بهذا المقدار أو يلزم يقول ( بعت )، أي قضية الماضوية وقضية الظهور.

أما الباب الثامن: - فمن رواياته: -

الرواية الأولى: - ما رواه محمد بن الحسن بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن ابن سنان، عن أبي عبدالله عليه‌السلام قال: - ( لا بأس بأن تبيع الرجل المتاع ليس عندك تساومه، ثمّ تشتري له نحو الذي طلب، ثم توجبه على نفسك، ثم تبيعه منه بعد )[6] ، باعتبار أن فيها التقييد بالإيجاب باللفظ.

وقد سجلنا ملاحظة على التمسك بالروايات: - بأنَّ الروايات في صدد أحكام أخرى وليست في صدد آلية الانشاء بل هي موكولة إلى العرف، ولكن من باب أن َّجملة من الاعلام استدلوا بهذه الروايات فنحن نقرأها وإلا فهذه الرايات في صدد بيان احكام أخرى للبيع أو احكان أخرى للعقود.

الرواية الثانية:- وعنه، عن صفوان، عن ابن سنان قال:- ( سألت أبا عبدالله عليه ‌السلام عن الرجل يأتيني يريد مني طعاما أو بيعا نسيئا، وليس عندي، أيصلح أن أبيعه اياه واقطع له سعره، ثم اشتريه من مكان آخر فأدفعه إليه؟ قال: لا بأس به)[7] ، وقطع السعر يعني بتّ السعر وحسمه، وكأنما هو إنشاءٌ إلزامي وأما إذا كان مجرد قول كأن يقول له ( نعم هذا المتاع وجود وإذا اردت أن تشتريه فاشتره ) من دون تعيين السعر وقطعه فهنا يوجد كلام لأنه كأنما هذا ليس إنشاءً إلزامياً وإنما هو مساومة فلاحظ التعبير في الرواية السابقة قال عليه السلام:- ( تساومه ثم تشتريه )، يعني المساومة والمقاولة ليست إنشاءً وإنما إذا حصل بتٌّ أي قطعت السعر فهنا يكون هذا إنشاءً للصحة وإنشاءً للزوم.

وطبعاً من المهم بحث الفرق بين المقاولة، وهي ليس نفس المقاولات المستعملة بهذا العنوان في عصرنا فإنَّ المقاولات في عصرنا هي عبارة عن الاجارة لإنشاء شيءٍ عمراني أو ما شاكل ذلك وإنما المقصود المقاولة في اللغة هو التفاوض القولي الذي يقع قبل البيع.

الرواية الثالثة: - وعنه، عن ابن أبي عمير ، عن يحيى بن الحجاج ، عن خالد بن الحجاج قال:- ( قلت لابي عبدالله عليه‌السلام الرجل يجيء فيقول: اشتر هذا الثوب وأربحك كذا وكذا، قال: أليس إن شاء ترك، وإن شاء أخذ؟ قلت: بلى، قال: لا بأس به إنما يحل الكلام ويحرم الكلام )[8] ، يعني طريقة إنشاء العقد مؤثرة، مثلاً الآن اشتر هذا الثوب لكي لا يكون من بيع ما ليس عنده. فهو لم يعقد وإنما هذه مجرّد مفاوضة ومقاولة وليست إنشاءً بتّياً للبيع.

هنا يفهم من روايات هذا الباب أنه يجب أن يكون في الانشاء بتٌّ وحتمٌ وقطعٌ للترديد أما المقاولة فيوجد فيها ترديد وهلم جرا.

فإذاً آلية الانشاء يجب أن يكون فيها بتٌّ وقطعٌ وحسمٌ وتعيينٌ وتحديدٌ، فهذه علامة للإنشاء وآلية لإنشاء للصحة واللزوم.

الرواية الرابعة: - وعنه، عن فضالة، عن أبان، عن عبد الرحمن بن أبي عبدالله قال: - ( سألت أبا عبدالله عليه‌السلام عن الرجل يأتيني يطلب مني بيعا وليس عندي ما يريد أن أبايعه به إلى السنة أيصلح لي أن أعده حتى أشتري متاعا فأبيعه منه؟ قال: نعم )[9] ، فهنا نفس الكلام، لأنه الآن توجد مجرد مفاوضة ومقاولة ومواعدة والمواعد هي بابٌ آخر فإنها لست من العقود وإنما هي خارجة عنها، وهي مثل الدواعي التي مرت بنا وأنَّ التعاقد بنحو الدواعي ليس مشارطة، المشارطة فيها بتَّ وتعهّد والتزامٌ وقطعٌ وفيها سعرٌ وفيها تحديدٌ وفيها تعيين.

وهذه نكتة مهمة جداً وهي أن المواعدات ليست، وطبعاً في عالم التجارة ذكرنا هذا الشيء ونعيد التذكير به مرة أخرى وهو أنه في عالم التجار بين التجار المواعدة لها اعتبار مالي - لا أنه قانوني - بين التجار اشد من العقود المشروطة، ولماذا؟ يعبرون عنها في بعض الأعراف بالشرفية حتى البنوك، يعين شرف كلامه وشرف اعتباره ووفاءه بوعوده يعتبرونه اهم من العقود وتوزن ذمّة التاجر أو مالية التاجر بمدى وفائه بالوعود، وهذا حتى مع البنك أو المصرف.

وهذه نكتة مستقلة لا بأس أن نركز عليهاً شيئاً ما:- وهي مؤثرة في البحوث البنكية والبحوث المستجدة، فمع أنها ليست عقداً وليست مشارطةً ولكن لها دور مركزي جداً وبورصة بين التجارة فإنه يرجع إلى هذه النكتة، وسبق وان شرحنا هذا في المكاسب المحرمة شيئاً ما ولكن نسلّط الضوء عليه الآن ببسطٍ أكثر، وهو أنَّ مالية الذمة لأي شخص من الأفراد مثلاً الفقير - وهذا ليس استهانة بالفقير - فالفقير بحسب عجزه عن المال يقولون إنَّ ذمته المالية مليون مثلاً ولا يوجد عنده أكثر من ذلك وإنما يمكنه باللتيا والتي أنَّ يدبر المليون بالقرض أو بالاستعطاف أو بشيءٍ آخر، وأما إذا كان الشخص معروفً وذو ثراءٍ أو عنده مهارة قوية أو فنوناً استثمارية قوية فإنه وإن كان لا يوجد عنده رأس مال إلا أنَّ هذا الشخص ذمته تُعيّر وتُعيَّن ومعيارها ربما يكون ملياراً و يكون تاجر آخر تعير ذمته المالية بترليون مثلاً، وما معنى هذا؟ إنَّ معنى ذلك أنَّ هذا الفقير إذا اتى وعقد عقداً بمليارٍ مثلاً فهذا العقد لا يكون صحيحاً إلا إذا كانت عنده القدرة على الوفاء، وأما إذا لم تكن عنده القدرة على الوفاء فأصلاً هذا العقد غير صحيح لا أنَّ العقد يكون صحيحاً ولكن يصير مديوناً بمليار مثلاً، كلا بل العقد ليس بصحيح أصلاً، ولماذا؟ لأنَّ الذّمة وجودها اعتباري عند العقلاء، فهذه الذّمة التي وجودها اعتباري عند العقلاء عيار ماليتها يكون بحسب قدرة صاحب الذمَّة، فإذا لم تكن عنده قدرة عقلائية فاصلاً هذه الذمة غير موجودة.

إذاً الاعتبار السوقي أو البيئي المالي للذمم هو ركن العقود، فإنَّ المال الكلي في الذمة هو ركنٌ في العقود في البيع والاجارة وكل العقود، فالإخلال بدرجة المالية يسبب اخلالاً في أصل العوض في المعاوضات الكلية، لأنَّ المالية ليست تعبّداً شرعياً وإنما مالية المال - كما مرّ بنا مراراً - وجودها عقلائي اعتباري عرفي، وصحيح أنَّ له مناشئاً تكوينية ولكن في الحقيقة هو مال فرضي اعتباري لدى العقلاء.

إذاً المالية تتفاوت بحسب القدرة، والخطوة الثانية هي أنَّ دخالة المالية في العوض في كل المعاوضات دخالةً ركنية، وهذه الخطوة الثانية مهمة يلزم أن نلتفت إليها، والخطوة الثالثة هي اعتبار التجّار أي الوفاء بعهودهم فيما بينهم - والتي مرت بنا وهي شبيه الدواعي - فإنها عندهم أكثر خطورة في اعتبار مالية ذمة التاجر من شروطه واشتراطه والتزامه بالشروط، لأنه في باب التجارة السريعة اليومية شبيه ما مرَّ في الآية الكريمة يصعب التقيّد فيها بالكتابة والتدوين والشهود لأنها عملية دوران تجاري استثماري سريع لكي لا تفوت الفرص، ومع أنَّ كل هذه العقود المتعاقبة لم تشترط في بعضها البعض، مثل ما مرَّ بنا ( إن شاء اشترى وإن شاء لم يشتر ) أو ( إنما يحلل الكلام ويحرم الكلام ) طبعاً من جهة بيع ما ليس عنده، فهي مجرد مواعدة والشارع لم يعترض في المواعدة بين التجّار ودوران السوق الاستثمارية بالمواعدة لأصل مالية ذممٍ عندهم وهي أهم من المشارطة، فصحيح أنها ليست مشارطة وإنما هي من قبيل الدواعي - ( إن شاء اشترى وإن شاء لم يتشر ) - لكنها في عرف العقلاء في البنوك وفي ساحات البورصات المالية مدى التزامه بالوعود - فإنَّ الوعود ليست شروطاً قانونية ملزمة - هو يعتبر مدى الذمة المالية له، وهو شبيه بالقدرة، وهذه نكتة مهمة يجب أن نلتفت إليها في المسائل الابتلائية.

وإن شاء الله تعالى سوف نتابع بقيّة الروايات غداً.


[1] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج22، ص47، ب19 من أبواب الطلاق، ج1.
[2] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج22، ص47، ب19 من أبواب الطلاق، ج2.
[3] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج22، ص47، ب19 من أبواب الطلاق، ج3.
[4] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج22، ص47، ب19 من أبواب الطلاق، ج4.
[5] وسائل الشيعة، الحر العاملي، ج22، ص47، ب19 من أبواب الطلاق، ج5.
[6] وسائل الشيعة، العاملي، ج18، ص49، ب8، ح1.
[7] وسائل الشيعة، العاملي، ج18، ص49، ب8، ح2.
[8] وسائل الشيعة، العاملي، ج18، ص50، ب8، ح4.
[9] وسائل الشيعة، العاملي، ج18، ص49، ب8، ح5.
logo