46/03/24
-التحوير في العقود ومعالجة الحيل.
الموضوع: - التحوير في العقود ومعالجة الحيل.
كان الكلام في التنبيه الأخير من المعاطاة وهو التنبيه الثامن وهو مرتبط بالمبحث اللاحق وهو شروط الصيغة اللفظية للبيع، واشتراك هذين المبحثين المبحث الأخير في المعاطاة ومباحث شروط الصيغة اللفظية - هو أنه مع الخلل في شروط الصيغة اللفظية في البيع - هل يمكن تصحيح أو البيع أو لا؟ يمكن تصحيحه بيعًا معاطاتياً هذا وجه، أو تصحيحه معاوضة غير بيعية وهذا وجه آخر، أو تصحيحه اباحة متقابلة وهذا وجه ثالث، أو تصحيحه اباحةً مجردة وهذا وجه رابع - يعني على صعيد الدواعي -.
فإذاً أصل البحث هو هذا ولذلك عبرنا عنه بأنَّ هذا المبحث هو مبحث في تحوير يعني تحويل أو تحوير - من حار يحور - من بيع لفظي صحيح إلى بيع غير لفظي وإنما بيع بالمعاطاة الفعلية مثلاً هذا هو الوجه الأول أو تصحيحه معاوضة وهذا هو الوجه الثاني إن لم يصح بيعاً لا لفظياً ولا بيعاً فعلياً، أو الثالث وهو اباحة متقابلة يعني معاوضة في الاباحة وهذا هو التحوير الثالث أو تحويره يعني تصحيحه ومعالجته بإباحة مجرّدة، هذه أربع محاولات موجودة على نحو الترتب، فهذا التصحيح والتحويل أو التحوير أو المعالجة تتخذ هذه المسارات الأربعة لوجود خلل في شروط صيغة البيع، وهذا المبحث يعني محاولة المعالجة أو التحوير أو التحويل هذه لا يجري فقط في البيع وإنما يجري في الاجارة والقرض والوقف والرهن والهبة وفي العقود الأخرى فهل تجري أو لا تجري؟ إنها تجري ولو بخصوصيات أخرى، ففي الوقف مرَّ بنا أنه إذا امتنع عنوان الوقف الآن هو يريد أن يوقف مسجداً هنا ولكن يمتنع أن يصير مسجد لسببٍ وآخر او حسينية أو مكتبة فهذا العنوان للملابسات البيئية ممتنع لسببٍ وآخر فيتحول الوقف إلى خيرية أخرى كمستوصفٍ مثلاً فهل يمكن ذلك أو لا يمكن؟، ففي باب الوقف الفقهاء مشهور شهرة عظيمة عندهم تحوير الوقف عن العنوان الذي أوقفه الواقف إذا امتنع، ففي باب الوقف يوجد عندهم تخريجات وسيتعرض لها الشيخ الأنصاري في باب شرائط العوضين فهو سوف يتعرض للوقف بمباحث ذكروها هنا ولم يذكروها في الوقف وسبب ذلك هو عدم النظم والتنظيم في المباحث ولكن هذا المبحث بالدقة علاجه في الوقف لا يرتبط بخصوصية باب الوقف بل هو مرتبط بعموم النظرية العامة في كيفية هيكلية وهيكلة بناء العقد، فمن ثم الشيخ ذكره هنا، ومباحث البيع حقيقة هي مباحث أكثر ما تكون عموم نظرية العقد وعموم الماهية النوعية للعقد أكثر مما تكون لخصوصية باب البيع، نعم توجد أحكام خاصة بالبيع فهذا صحيح ولكن اكثر المباحث التي تثار في البيع هي مرتبطة بالعنوان والماهية النوعية العامة الكلية للعقد، فمن ثم تنسحب على بقية العقود، فهل يتحور أو لا؟، وهذا ما يعبرون عنه بالحيل الشرعية أو ما شاكل ذلك، لأنَّ الربا هو خلل ايضاً في المعاملة من جهة ربويتها فهل يمكن تحويره لى معاملة أخرى أو لا؟، شبيه ما ذكرناه في الربا القرضي أو ربا الدين ولو لم يكن قرضاً فإنَّ للدائن أن يأخذ من المدين هدية غير مشروطة في تأخير الدين ولكن تبادل الرسائل بين الدائن والمدوين على صعيد لغة الدواعي لا لغة الشروط.
الآن النكاح والزنا يشتركان في مشتركات قضاء الوطر ولكن قضاء الوطر بآلية حلال ومرة يكون بآلية حرام ففرقٌ بينهما أما أنه يوجد اشتراك في النتائج فهذا لا يعني أنَّ النكاح هو عين الزنا والزنا هو عين النكاح كلا بل موجود في الواقع هناك نمط زنا ونمط نكاح ونمط وطء شبهة فأنماط من الوطء واشتراكها في بعض النتائج لا يعني أنَّ ماهيتها واحدة، وهذه نكتة لطيفة جداً أنه في باب المعاملات أو عموم بحث التشريعات ليس مجرّد الاشتراك في غاية تعني وحدة ماهية الطريق لا بل الماهيات مختلفة، هي الشريعة من أحد فلسفاتها أنه يا أيها الانسان أنت عندك أغراض يمكن أن تصل إليها بطرق حلال فلماذا تصل إليها ببطرق حلال، يعين حماقة العاصي أو العصاة أنهم يريدون أن يصلوا إلى أغراضهم بطرق حرام بينما يمكن لهم أني صلوا إلى اغراضهم النهائية عن طريق الحلال فخطأ الانسان هو هكذا.
فإذاً هذا التحوير أو التحويل أو التحايل عن الحرام والتحايل ليس بمعنى الخدعة وإنما إيجاد حل وحلول فالحيلة بمعنى الحل وليس بمعنى الخدعة، وقد مرَّ أنَّ الخلل على أقسامٍ ثلاثة، فإما أن يكون الخلل في شروط صيفة اللفظ في أي عقد من العقود، أو خلل في شروط المتعاقدين، أو خلل في شروط العوضين، فيا ترى هذه الحلول أو التحويرات أو التحويلات أو التصحيحات تشمل الخلل في الأقسام الثلاثة أو لا؟، فالبحث ليس فقط في القسم الأول فهل يمكن هذا أو لا يمكن؟ إنَّ هذا بحث، فلا يمكن القول نعم مطلقاً ولا يمكن القول لا مطلقاً بل يجب دراسة كل محاولة على حدة وكل محذور على حدة فهي حلقات ومثل قطع لأجزاء مركّب يجب دراستها بدقّة صناعياً، فمن الأمور التي تسهّل وتعبّد الطريق للباحث هو معرفة هذا المبحث وهو المسارات الثمانية التي مرت بنا والتي منها ثلاثة شرعية وثلاثة عرفية وواحد عند المتعاقدين وواحد على مستوى الدواعي فهذه المسارات الثمان بالدقة هي مرتبطة برضا المتعاقدين ﴿ إلا أن تكون تجارةً عن تراضٍ منكم ﴾، فمبحث رضا المتعاقدين رضا المتعاقدين هل هو من شروط صيغة اللفظ أو من شروط المتعاقدين أو من شروط العوضين؟ إنه من القسم الثاني وهو من شروط المتعاوضين كالبلوغ و ... واذنها وكونهما ذوا صلاحية في التصرف، فمبحث رضا المتعاقدين وإن كان الفقهاء يبحثونه بشكلٍ غزير أو عميق أو غورٍ عميق في مبحث الفضولي - الذي سيأتي - ولكن نحن نستعجل في فهرست هذا البحث في المقام والفقهاء أيضاً استطردوا بحثه للحاجة الماسة إليه هنا مع أنَّ كلامنا في القسم الثاني وهو شروط الصيغة اللفظية لأنه مثلاً حينما نقول الوقف يتبدل من مدرسة إلى مستوصف هل الواقف راضٍ أو غير راضٍ أو يتبدل من مستوصف إلى شيء ثالث أو رابع أو خامس وهلم جرا فهل هذا التبدل في محطّ نظر الواقف ورضاه وإنشاءه أو لا؟، وأيضاً كذلك حينما نحول القرض الربوي إلى هدايا، فالرشوة في القرض غير حرام وهذا تعبير عرفي سهل، فالرشوة في القرض ليست بحرام، الرشوة في تمديد أداء الدين ليس بحرام أي الرشوة من دون شرط وتشارط بينهما، إنما الشروة حرام فقط في القضاء أو بما يرتبط بمسؤوليات المسؤول الحكومي هذا اثنين أو في الأفعال المحرمة الرشوة حرام، فهي حرام في هذه الأقسام الثلاثة أما الرشوة في تمديد الدين فلا مانع منها، من دون تشارط فإنَّ الرشوة غالباً من دون شرط وإنما من باب ترحيك الدواعي ولا مانع من ذلك.
فالمهم أنَّ البحث في تصحيح المعاملة الفاسدة إلى معاملة صحيحة أيّاً ما كان مثال هذا البحث تصيح المعاملة فاسدة إلى معاملة صحيحة هذا يرتبط برضا المتعاقدين، فيجب أن أن ندرس رضا المتعاقدين، ويجب أن ندرس طريقة إنشاءهما فهو هل أنشأ وقف مدرسة أو أنه أنشأ وقف كلي ذو أولويات، فلاحظ كيف هو الأمر، رضا مرتبط بإنشاء وقف كلي وأنشأ أن مطلوبه في الدرجة الأولى مدرة وفي الدرجة الثانية مستوصف وفي الدرجة الثالثة الأقرب فالأقرب، أو أنه أوقف أو ملّك أوقف هذا لهذا المسجد فهل هو أوقفه أو ملّكه وهل يوجد فرق بينهما؟ نعم يوجد فرق، فما هو الفرق بين التمليك والوقف، فتارةً يوقف هذه الجهاز وتارةً يملكه، وأنا لا أريد الدخول في هذا البحث ولكن أثير هذه المباحث عمداً لأنَّها موجودة في العروة فإنَّ العروة فيها مبحث الوقف في كتاب ملحقات العروة إذا لم أشتبه فإنَّ السيد بحث الوقف هناك، وفيه فروع مهمة.
فالمقصود هو هذا المطلب وهو إذاً انشاءه كلي ثم عنده إنشاءات بنحو المراتب، فهو ينشئ الجامع الوقف وتارة ينشئ المرات فهل الأمر هكذا أو ماذا، نعم كما مر بنا أنه مطلوب في مطلوب، ومطلوب في مطلوب هذه قاعدة حلالة المشكلات في باب المعاملات طراً إذا كان المطلوب بنحو المطلوب في مطلوب، وطلوب في مطلوب يعني أصل الكلي مطلوب وأما الخصوصية أو القيد فهي مطلوب آخر ولكن يمكن أن ينفك المطلوبان عن بعضهما البعض وليس بنحو الاندماج وهذا هو أحد معاني الحيثية التقييدية والتعليلية في الارادات - الإرادة النفسانية أو الإرادة الانشائية - وهذا مبحث مهم لا سيما في البيع أو غيره.
مثلاً العناوين التي تذكر في المبيع أو في الثمن هذه العناوين هل هي مطلوب في مطلوب أو بنحو وحدة المطلوب؟، ففي مقابل المطلوب في المطلوب عنوان يعبر عنه الفقهاء بوحدة المطلوب يعني لا يتفكك، وهذه قاعدة تجري في كل المعاملات فهل هو بنحو وحدة المطلوب أو بنحو تعدد المطلوب في مطلق المعاملات، وفي باب الاجارة متأخري الاعصار فروع عديدة في باب الاجارة استظهروا فيها أنه بنحو وحدة المطلوب، آثار وحدة المطلوب يختلف عن تعدد المطلوب، وما هو الفرق؟ الفرق اجمالاً هو أنه في تعدد المطلوب يعني أنَّ أصل المطلوب لا أقل حصل إلا أنَّ المطلوب الثاني لم يحصل فتخلّف المطلوب الثاني لا يزعزع تحقق المطلوب الأول، مثلاً أنت تعاقدت في الاجارة على الحج لهذا العام - وأنا لا أريد ان أفتح هذا الباب - ولكن الأجير لم يذهب في هذا العام وإنما ذهب في العام الثاني فهل يستحق الاجرة على النيابة أو لا؟، أو أنه تعاقد معه في الاجارة النيابية أن يذهب بنفسه فأرسل شخصاً آخر فالمعاصرين يقولون لا يستحق من اجرة المسمّى شيء ولا من اجرة المثل فيرجع خالي الوفاضين؟، قال القدماء إنَّ هذا من قبيل المطلوب في المطلوب فيستحق الأجرة فإذا لم يفسخ المستأجر العقد فيوف يستحق الأجير اجرة المسمى وأما إذا فسخ فللأجير اجرة المسمى لأنهم حملوه على المطلوب في المطلوب، وهذا المبحث مركزي محوري كبير في باب الاجارة في نزاعات الاجير والمستأجر، فالأجير لا أنه فعل حراماً بل سواء فعل حرام ولكن هل يستحق شيئاً أو لا يستحق أو ماذا، ونحن بنينا في الاجارة على كلام المشهور يعني ما قبل القرن الأخير، أما القرن الأخير فقد بنوا على وحدة المطلوب.
فإذاً من المباحث المركزية الشريانية الوردية العمود الفقري في باب المعاملات وفي النكاح أيضاً بل حتى في العبادات كف نشخص وحدة المطلوب عن تعدد المطلوب وبأي ضابطة وأنا لا أريد الدخول في هذا البحث فإنه بحث جحفلي في كل العقود، وهو بحث حساس وحدة مطلوب وتعدد مطلوب، مثلاً الشرط الفاسد هل يفسد العقد أو لا يفسده، من أحد زوايا الهمة في هذا البحث الذي هو معركة آراء علمية هو أن الشرط الفاسد في أي عقد وليس في خصوص البيع يفسد البيع أو لا يفسده، فأيضاً هذا بحث حساس أحد زواياه هذه القاعدة المهمة وهي وحدة المطلوب وتعدد المطلوب، فمثلاً صليت أنت وراء زيد بنية أنه زيد فظهر أنه سمير فهل هذا وحدة المطلوب أو تعدد المطلوب؟، فهذه القاعدة مرتبطة بالإرادة ومرتبطة بالمراد ومرتبطة بالإنشاء، وهناك عنوان آخر واسم آخر لهذه القاعدة، فيجب على الباحث أن يعلم أنَّ بعض هذه القواعد كما مرَّ بنا الآن هي أساسية بنوية جذرية انفجارية مهمة مهولة، هذه القاعدة يعبر عنها مرة أخرى في كلمات الفقهاء هل هو من قبيل تخلف الداعي ومقصودهم من الداعي هو المطلوب في المطلوب أو ليس من باب تخلف الداعي وإنما من باب تخلف القيد ومرادهم من القيد هو وحدة المطلوب الذي هو احد معاني الحيثية التقييدية، والسيد الخوئي في خلل الصلاة في خلل الوضوء وخلل الغسل وفي خلل الحج والعمرة ... ولا أقول هو من ابتكاره بل هو موجود عند الأعلام في حواشي العروة ولكن انصافاً السيد الخوئي فعّل هذا الحل بجدارة لمعالجة الكثير من الخلل الذي يبتلى به العوام وتصحيحه من باب تخلف الداعي أو تخلف القيد - نفس الشيء في وحدة المطلوب أو تعدده - مثلاً شخص يغتسل أولاً الايسر ثم الايمن ثم الرأس والسيد الخوئي عنده فتاوى يصحح فيها هذا العمل أو الوضوء، مثلاً يتوضأ منكوساً ولكن بعد ذلك ... فإنَّ المنكوس لا يمكن تصحيحه مثلاً إلا بقاعدة أخرى.
فالمهم توجد موارد عديدة افرض العمرة أو الحج فإنَّ الخلل أنواع عديدة، مثلاً تكبيرة الاحرام يقولها أو لم يقلها ولكنه يدري أن البداية هكذا فالمهم كيف يصحح السيد الخوئي هذا؟ إنه يقول عن ارادة هذا المكلف للأمر الواقعي مطلوب أكبر واردة مرادة أكبر أما الكيفية التي تخيلها والتي هي خاطئة هي ليست بنحو التقييد بل مطلوبٌ في مطلوب فإنَّ المطلوب الأصلي له هو أن يمتثل أمر الشارع وأما الكيفية إذا كانت خاطئة فلتكن خاطئة إلا أنَّ أصل ارادته بأنه يمتثل ما أمر الله تعالى به من غسلٍ موجود ومادام موجوداً فتلقائياً قد حصل هذا الترتيب من الرأس والجسم وحينما يحصل صح الفعل فإنه يوجد قصد اجمالي ولا يحتاج إلى قصد تفصيلي، فالكيفية الخاطئة التي قصدها هي من باب تخلف الداعي وليس بنحو التقييد وإنما تقييده واراده أولاً وقيدية اراده أولاً وآخراً هو المطلوب الواقعي للشرع، فهو أراد أن يمتثل الصلاة ولكنه يظن بأنَّ تكبيرة الاحرام اسمها تكبيرة الأذان فالتكبيرة صحيح أنها ركن ولكن ليكن ذلك ولكن هل قصد تكبيرة الاحرام؟ السيد الخوئي يقول نعم هو قصد تكبيرة الاحرام، واقصد هذا هو مبنى اليد الخوئي أما تفاصيل بعض الأمثلة لو لم يفتِ بها السيد الخوئي فهذا بحث آخر، فأصله هذا المكلف هو قاصد الصلاة بما لها من كيفية يريدها الشراع ولكنه خطأ فظن أن تكبيرة الاحرام هي تكبيرة الأذان وهذا خطأ ولكن قصده الإجمالي للصلاة الصحيحة بما يريده الشرع موجودة لديه، فلو قيل له لماذا قصد أنَّ هذه التكبيرة أنها تكبيرة الأذان فيقول إنَّ هذا من باب الاشتباه وهذا ما يسميه السيد الخوئي بالخطأ في التطبيق، فتعدد المطلوب يسميه السيد الخوئي بالخطأ في التطبيق وهو تخلف الداعي فهذه ثلاث أسماء مطلوب في المطلوب وتخلف الداعي والخطأ في التطبيق ولكها قاعدة واحدة ولكن بحسب الأبواب تسمى بتسميات متعددة، وهذه القاعدة إذا اتقنها الباحث فسوف تكون عنده حلول كثيرة في مباحث كثيرة، وأنا عمداً اتوسع لأنَّ هذه في الحقيقة مباحث كواليس الأبحاث فهذا مبحث من الكواليس.
وسنواصل البحث إن شاء الله تعالى.