« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الفقه

46/03/19

بسم الله الرحمن الرحيم

 -تحوير العقود لعلاج الخلل.

الموضوع: - تحوير العقود لعلاج الخلل.

كان الكلام في الخلل الحاصل في صحة البيع فهو إما أن يرجع - كما مر - إلى شروط الصيغة اللفظية للبيع، أو إلى شروط المتعاقدين، أو إلى شروط العوضين، والشروط هي إما شروط وجودية عامة بدليل عام، أو شروط وجودية بدليل خاص، أو شروط عدمية بدليل عام فمانعٌ عام، أو بدليل خاص، وإما وضعية - مانع وضعي - أو مانع تكليفي، ومرَّ بنا أمس أنَّ الموانع متنوعة وليست على نسقٍ واحد، ومعرفة كيفية المانع وكيفية ممانعة المانع وأنه موضوعي تكليفي أو معجون منهما أو غير ذلك مؤثر جداً في الكثير من التنقيحات الصناعية الفقيهة، كما مرَّ بنا مثلاً المرور بالوطن مانعٌ أو قاطعٌ للسفر، وهل هذا قاطع حكمي أو قاطع موضوعي؟، فالقاطع هو مانع فأحد أنواع المانع يسمى قاطعاً وهو قاطع حكمي أو قاطع موضوعي، وما الفرق بين القاطع الموضوعي والقاطع الحكمي؟، وهذه بنا مباحث مهمة، ومرَّ بنا قاطعٌ ومانعٌ وماحي يوجد عنوان رابع أو خامس من الموانع ذكروه في البحوث الصناعية في الفقه.

فإذاً توجد عناوين متعددة يجب الالتفات إليها، ويوجد فرق بين القاطع الموضوعي والقاطع الحكمي يجب الالتفات إليه، ولذلك الارباك الموجود في صلاة المسافر عند مشهور الفقهاء هو لهذا السبب لأنَّ هذه الموانع ليست على وتيرة واحدة.

فعلى كلٍّ توجد مباحث كثيرة في الموانع لا نريد اثارتها الآن وإنما شيئا ًما أو شطراً منها ذكره الشيخ النائيني في رسالته ( اللباس المشكوك ) وذكرها الاعلام أيضاً وهي نكتة مهمة لا بأس بها.

وأمس وصلنا إلى هذا المثال وهو أنه على مبنى السيد الخوئي الغرر مانع عن البيع فقط دون بقية المعاوضات، وهنا يأتي الكلام وهو أنه هل يمكن تحوير وتحويل البيع الذي اكتنفه مانعٌ خاص به وتحويله إلى بقية المعاوضات أو لا يمكن ذلك؟، باعتبار أنَّ المانع هو مانع عن البيع وبيعية البيع وليس مانعاً عن جنس البيع وهو المعاوضات فهل يمكن هذا أو لا يمكن؟ إنه يمكن على بعض التقادير دون بعضها الآخر.

وقد ذكرنا أنَّ المعاوضات يمكن تصويرها على ثمان مسارات المسار منها هو الدواعي أي المعاوضات على مستوى الدواعي، والذي قبله هو المعاوضات على مستوى المتعاقدين وهو السابع، كما توجد ثلاثة عرفية وثلاثة شرعية فيصير المجموع ثمانية، وطبعاً هذه التقسيمات - وهي أنَّ المعاوضات على أقسام ثمانية أو مسارات ثمانية - هو بلحاظ الرضا الموجود في العقود، فرضا المتعاقدين بالعقد الشرعي مقيد أو لا فهذه الثلاثة الشرعية تأتي - أي على انحاء ثلاثة - أو هو مقيد بالعقد العرفي فقط ليس من الضروري العقد الشرعي وهذا على ثلاث، أو هو لا مقيد بالعقد العرفي الشرعي الذي هو على انحاء ثلاثة أيضاً، ولا العرفي العقلائي الذي هو أيضاً على أنحاءٍ ثلاثة، بل حتى لو لم يعترف الشرع ولم يعترف العرف إلا أنَّ المتعاقدين فيما بينهما يعترفان به، وهذا المسار السابع يلزم أن نوضحه قليلاً، فلاحظ أنَّ هذا بجانب التقسيمات التي مرت وسنبين أنه كيف تتداخل هذه التقسيمات فميا بين بعضها البعض وباب الحيل الشرعية أو تحوير العقود من عقد إلى عقد يتم بممازجة ومداخلة هذه التقسيمات في المسارات الثمانية مع تقسيمات الموانع والشروط فيما بينها يتم التحوير أو التعديل وهلم جرا، وهذه في الحقيقة بحوث كلية في نظرية العقد الكلية بالاصطلاح الاكاديمي، يعني هي ليست مختصة ببيع أو اجارة أو ما شاكل وإنما هي بحوث عامة في المعاملات والعقود، فما معنى أنَّ إرادة المتعاقدين متقيدة بالعقد بين المتعاقدين وليست متقيدة بالعرف؟، وقد يتساءل أحد ويقول:- إنَّ كل عقدٍ هو خاص جزئي وهو مرتبط بالمتعاقدين فقط أما عموم العرف فلم يقدم على بيع هذه الدار الخاصة من البائع الخاص إلى المشتري الخاص بالثمن الخاص فهذا لم يوقعه العرف، فكل عقدٍ هو خاص وليس كل عقد هو نوعي وعرفي فما معنى العقد العرفي النوعي؟، فدوماً كل عقدٍ خاص هو خاصٌ بالمتعاقدين وليس العرف هو من أقدم عليه فما معنى أنَّ بعض العقود الخاصة بالمتعاقدين ليست شرعية وليست عرفية وإنما اعتبارها قائم بالمتعاقدين الخاصين فقط فما هو معنى هذا - وهذا قد ذكره الاعلام -؟ معناه شبيه ما يقال في اعتبار سند الخبر الواحد هل هو اعتبار الراوي - أي وثاقة الراوي - أو المدار فيه على الوثوق بالصدور؟، فالوثوق بالصدور هو شخصي فكيف يدّعي مشهور المتأخرين أنَّ الوثوق بالصدور سيرة عقلائية؟، فإذا كان هو وثوقاً شخصياً فالوثاقة للراوي نوعية أما الوثوق بالصدور فهو شخصي فكيف يدّعى أنه سيرة عقلائية نوعية؟، وكأنه يوجد تناقض بين الوثوق النوعي - سير عقلائية نوعية - وبين الوثوق الشخصي فكيف يكون هذا؟

من قال بأنَّ المدار في حجية الطريق على وثاقة الراوي فهذه ضابطة نوعية معروفة ويمكن دعوى قيام السير العقلائية النوعية عليها أما الوثوق الشخصي بالصدور كيف تقوم عليه السيرة النوعية العقلائية؟ والجواب:- إنَّ هذا الوثوق الشخصي ليس شخصياً من كل جهة؛ إذ لو كان شخصياً من كل جهة بحيث مرتكزات هذا الوثوق الشخصي لا يقر بها النوع العقلائي لما كان هذا الوثوق الشخصي حجة عند نوع العقلاء - فلو كانت منطلقات ومرتكزات ومناشئ الوثوق الشخصي لا يقرّ بها نوع العقلاء لما صحح نوع العقلاء الوثوق الشخصي لهذا الفقيه أو المجتهد أو الرجالي بهذا الطريق -، فمثلاً القطع، فإنَّ القاطع هو الذي يقطع ولكن منشأ القطع ومنطلق القطع ومرتكزات القطع ومقدمات القطع إذا أقرَّ بها نوع العقلاء أو نوع العقل فستكون حجة وأما إذا لم يقر بها العقل فلا يكون القطع حجة مع أنَّ القطع هو حالة قائمة بالقاطع، ومن ثم الشيوعي أو الملحد أو المنحرف يقول أنا أقطع بأن الحجاب مثلاً ليس بواجب وهل قطعه هذا معذور فيه؟! كلا، فإنَّ هذا بدعة وانحراف في الدين لأنَّ منشأ قطعه توجد عليه حوكمة، فهناك حوكمة عقلية وشرعية وعقلائية لمنشأ القطع ومقدماته وقد أشار إليها الشيخ الانصاري في تنبيهات القطع.

فإجمالاً شخصية الشيء في القطع أو في العقد أو في الوثاقة أو في الوثوق لا تنافي حوكمة وحاكمية وميزانية ضوابط نوعية عند العقل أو عند العقلاء، وهذا صار واضحاً إن شاء الله تعالى.

كذلك هنا مثلاً الآن هذا البيع الذي جرى على دارٍ شخصية وبائعٍ شخصي ومشترٍ شخصي وثمن شخصي ولكن ضوابط البيع النوعية أو الشرعية منطبقة عليه فيقال إنَّ هذا العقد الشخصي في حين أنه عقد شخصي هو أيضاً عرفي نوعي وهو أيضاً شرعي نوعي وهذا ممكن ولا مانع منه، من ثم الشارع قال ماهية الربا التي يسير عليها اليهود لا يمضيها الشارع وهي ليست كالبيع فإن البيع شيء آخر ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ وهذه تخطئة من الشارع، فإذا كان العقد الشخصي غير واجد لمقررات نوعية للعقلاء فلا يكون هذا البيع عرفياً وإنما يكون هذا البيع أو الاجارة أو أي عقدٍ آخر هو عقد شخصي محض ليس فيه جهة نوعية عرفية عقلائية فضلاً عن الجهة النوعية الشرعية، وهذا ممكن، ويمكن أن يكون عقداً شخصياً وهو عقد عقلائي ولكن الشارع لا يصححه لأنه وضع ضوابط للبيع أو الاجارة أو غيرهما فإذا لم تكن موجودة في البيع العرفي فالشارع لا يمضيها.

فإذا العقد الشخصي أو الاجارة الشخصية أو البيع الشخصي وهلم جرا وحتى النكاح مثلاً افترض في تلك البلدان غير المسلمة أو غير المتدينة ربما يتبانا رجل وامرأة على نكاحٍ غير واجدٍ لشرائط النكاح الكنيسي وغير واجد لشرائط النكاح القانوني الوضعي الرسمي بل وغير واجد لشرائط النكاح العرفي المنتشر عندهم الآن بكثرة، فالآن في الغرب النكاح العرفي عندهم هو غير القانوني عند الدولة وغير الشرعي الكنيسي وهو أكثر انتشاراً في شعوب الغرب، وهو ليس مساكنةً بل هو عيش مشترك فهما يلتزمان فيما بينهما بأن لا يخونها ولا تخونه والنفقة تكون مشتركة بينهما وهناك شروط أخرى عديدة وهذا العقد له اسم عندهم وهو نكاح عرفي، وحتى العوائل المرموقة الثرية التي هي ذات اعراق عندهم الكثير منها هذا النوع أو مسؤولين كبار يقدمون على هذا النكاح لمرونته أكثر من النكاح القانوني في الدولة أو الكنيسة، فالآن لو أتى اثنان من الغربيين وقالوا نحن لا نريد أن نعقد النكاح الكنيسي ولا النكاح القانوني للدولة ولا النكاح العرفي المنتشر بين الناس - فإنَّ أكثر النكاح المنتشر عندهم هو هذا النكاح العرفي ولربما يصل إلى ثمانين أو خمسين بالمائة - وبل نحن نعقد بيننا نكاحاً بالمقررات التي نحن نرتبّها ولكن اسمه نكاح وماهيته نكاح ولكنه لا هو نكاح عرفي ولا هو نكاح رسمي قانوني ولا هو نكاح كنيسي فهذا النكاح يسمونه نكاحاً شخصياً اثنينياً أما ما هو حكمه فهذا بحث آخر ولكن هذا نكاح شخصي، وهذا حتى في البيع فلو فرض أن اثنين يريدان أن يتبايعا أرضاً معيّنة أو رأس مالٍ معين مهم وافترض أنه لا تقرّ به الشرائع السماوية ولا يقرّ به القانون الرسمي للدولة ولا يقرّ به العرف العام ولكن هذان المتبايعان يقولان نحن رضانا غير مقيد لا بالعقد الشرعي السماوي ولا بالعقد القانوني للدولة ولا بالعقد العرفي وإنما نحن نتقيّد بالعقد والتعهّد فيما بيننا على المقررات التي نحن نضعها، وهذا يعبر عنه بالمسار السابع وقد ذكره محشي المكاسب من المحققين ويسمونه العقد الشخصي القائم بالاثنين، وقبل قليل بيّنا أنه قد يوجد عقدٌ شخصي ولكنه واجد للشرائط العرفية فيكون عرفياً أيضاً، أو يكون واجداً للشرائط الشرعية فيكون شرعياً، أو يكون واجداً للمقررات الرسمية فيكون رسمياً أيضاً، وربما لا يكون واجداً للمقررات الشرعية ولا للضوابط الوضعية للدولة ولا لضوابط العرف فيكون شخصياً بحتاً محضاً - سواء كانب بيعا أو اجارة او نكاحاً أو ما شاكل - فمثلاً هؤلاء الاثنين لا يقولان إنَّ هذا سفاح وإنما يقولان نحن عندنا إلتزام وتعهد والعرف يرى ذلك أيضاً ولكن هذين المتعاقدان يقولان نحن نريد نكاحاً فيه التزام وتعهّد ولكنه غير واجدٍ لشرائط العرف وغير واجدٍ لشرائط الشرع.

أقول افترض أنَّ الشرع ذكر شروطاً معينة والعرف أيضاً وضع شروطاً معينة والدولة أيضاً وصعت شروطاً معينة ولكن عقدهما لا هو شرعي ولا هو قانوني وضعي ولا هو عرفي وإنما فقط هو بين هذين الاثنين، فهذان الاثنان رضاهما مقيد بتعهد كل طرفٍ منهما للآخر، ولو قيل أنَّ الأمر في الزنا هو كذلك؟ قلنا:- أما الزنا فلا يوجد فيه تعهد أما هاذان فهما متعهدان فيما بينهما، فالزنا لا يوجد فيه تعهد بالحياة المشتركة وأما هنا فهذا تعهد بالحياة المشتركة ولكنه غير واجد لا لشرائط العرف ولا لشرائط القانون الشرعي ولا للشرائط الشرعية.

ولعل صاحب المسالك أثار هذا البحث في خصوص النكاح وأما الاعلام فقد اثاروه في بحث الزنا وحد الزنا وأنه هل ينطبق على هذا حدَّ الزنا وأنه زنا أو ليس بزنا فراجعوه فإنه موجود في الحدود في حدّ الزنا والأعلام مختلفون فيه، بشرط أنَّ المتعاقدين مقيدان بنكاح، وأنا لست بصدد الحكم الآن فإنَّ المحمول دعوه إلى جانب وإنما كلامنا هو في العقود سواء كانت بيعاً أو اجارة أو مزارعة أو غير ذلك، ولماذا نثير هذا البحث؟ لأنه في كثيرٍ من بحوث خلل العقود إما ابتداءً أو استمراراً هل يمكن تحوير العقد إلى عقدٍ آخر أو لا يمكن لك، فهل يمكن معالجة تصحيح العقد ابتداء أو استمراراً إلى عقد آخر أو لا؟ وسبق وأن ذكرت مثالاً وهذا المثال تقريباً متقف عليه بين الفقهاء، وهو أنَّ الوقف العام أو الخاص فإنه لا فرق بينهما فهذا الوقف إذا امتنعت جهة الوقف كما لو كانت جهة الوقف أن يكون مكتبة أو حسينية ولكن الآن ممتنع أن تكون هنا مكتبة أو حسينية فهل يتبدّل الوقف إلى مستشفى أو مستوصف أو الأقرب فالأقرب؟ قالوا نعم يتبدّل الوقف إلى الأقرب فالأقرب استمراراً، فهنا يقال كيف حوّر الوقف وعقد الوقف حوّر استمراراً؟، ولو مرت سنين وامتنع المستوصف فهنا يتبدل الوقف إلى الأقرب فالأقرب أيضاً فمن أين أتى الفقهاء بهذه الفتوى؟ إنَّ هذا نوع من معالجة العقد تحويراً وتبديلاً ولو بشروطٍ خاصة.

فإذاً عملية التحوير أو عملية المعالجة متصوّرة عند الفقهاء، واتفاقا الشيخ الانصاري في هذا التنبيه الثامن الأخير في المعاطاة وفي بداية شروط صيغة العقد اللفظي كل كلامه مع الأعلام ونقل كلماتهم هو حول هذا التحوير، فهذا التحوير حسب كلمات الاعلام يرتبط بأنَّ الرضا بين المتعاقدين هل هو مقيد بالشرع أو بالعرف أو بقانون الدولة مثلاً أو بالمتعاقدين بغض النظر عن الشرع أو العرف أو أنه أصلاً هذا الرضا بينهما - وهذا ذكره الشيح أيضاً والاعلام - لا مقيد بالشرع ولا مقيد بالعرف ولا مقيد حتى بالتعاقد بينهما وإنما هو ليس مقيد بشيء وإنما بنحو الدواعي، مثل ما مرَّ بنا فإنَّ الرشوة الآن لا يوجد فيها تشارط ولكن مع ذلك هي بنحو الدواعي، فإنَّ الراشي الذي يعطي الهدية داعيه واضح وهو أنه بنحو الداعي لا بنحو الشرط، فالرشوة هل هي عقد أو ماذا؟ كلا هي ليست عقداً - فإنَّ باب الرشوة ليس عقداً - يعني أنَّ الرشوة هي ليست حتى عقداً شخصياً كما في الهبة المعاوضية فإنَّ أحد الاقسام الثلاثة من الهبة المعاوضية ليس فيها تعاقد وإنما المجود هو مجرد دواعي، فالهدية الثانية قام بها المهدِي بداعي أنَّ الواهب الأول قد أهداه فتكون هديةً في مقابل هدية بنحو الدواعي.

وما الفرق بين هذه الأقسام الثمانية في الرضا؟

إنَّ القسم الأول مرتبط بالشرع وهو على انحاء ثلاث وسنوضحه فهو مقيد ولكن بالشرع، وهذه هي الثلاثة الأولى، وأما الثلاثة الثانية فهي الرابع والخامس والسادس وهي مقيد بالعرف، وأما القسم السابع فهو مقيد بتعاقد الطرفين والتزامهما فلو لم يلتزم لي لا ألتزم له، وأما القسم الثامن فأصلاً هو غير مقيد بشيء وإنما يوجد تعاوض على مستوى الدواعي، وبنحو الدواعي، يعني هو لم يتلزم ولم يتعهد له فحتى العقد الشخصي ليس بموجود، فَرِضا كلٍّ منهما غير مقيد بالتزام الطرف الآخر أصلاً ولكن بنحو الدواعي؛ إذ لو لم يهدني هدية فلا أهدي له هدية وهذا بنحو الدواعي وهذا نوع من أنواع الهبة المعاوضية ومرَّ بنا أنَّ الشارع قد يحكم بالصحة واللزوم والامضاء حتى في المسار الثامن، أو قد يحكم بالحرمة والمنع حتى في المسار الثامن كما في الرشوة فإنَّ الرشوة المحرمة الشارع يحرمها مع أنه لا يوجد فيها تعهد ولا اشتراط، فمثلاً الراشي للقاضي يقول له أنا لا اشترط عليك شيئاً ولكن حتى لو لم يشترط عليه فحرام على القاضي أخذها وحرام على الراشي أن يعطيها، فحتى لو قال إنَّ رضاي غير مقيد ولكن رغم أنه غير مقيد إلا أنه مع ذلك هي حرام ومن الكبائر، فبناءهم أنه إذا لم يوجد تعاقد فسوف يكون حلالاً هو بناء خاطئ، والكثير ممكن يقع في الرشوة المحرمة هو لأجل هذا التصور الخاطئ، وليس كل رشوة محرمة عندنا وإنما المذاهب عندهم كل رشوة حرام وأما نحن فليس كل رشوة عندنا حرام، والسيد الخوئي يخصّها بموردين وهما مطلق القاضي ومطلق المسؤول الحكومي الذي يأخذ الرشوة على وظيفته فالسيد الخوئي يذهب إلى الحرمة في هذين الموردين في مطلق القضاء وفي المسؤول الحكومي الذي يرفض أن يؤدي الخدمة للمواطنين إلا بالرشوة، وأما الرشوة الثانية التي هي القسم الثاني عند السيد الخوئي فهي حرام على الآخذ وليست حراماً على المعطي إن لم يكن فيه غمطٌ لحق الآخرين، هذه هي فتواه، وأما إذا كان هذا المسؤول الحكومي يقوم بخدمة خارجة عن الخدمة المسؤول هو عنها فهنا السيد الخوئي يجيز الرشوة، فعند السيد الخوئي يوجد تفصيل لعدَّة صور.

ومبحث الرشوة يبحثه الفقهاء بشكلٍ مفصَّلٍ في مبحث القضاء وأيضاً هنا بمناسبة ولكن في القضاء يكون أكثر بسطاً، فإذاً السيد الخوئي يفصّل ففي القضاء مطلقاً هي حرام سواء رشيت لإنقاذ حقك أو لغصبك باطلاً فعلى كلا التقديرين الرشوة تكون حراماً من الراشي ومن المرتشي وهي من الكبائر، أما المسؤولين الحكوميين غير القضاة وهم المسؤولون في السلطة التشريعية أو التنفيذية أو أيّ سلطة أخرى إذا كان يأخذ الرشوة مقابل الوظيفة التي هو مسؤول عنها فهي حرام على الآخذ وأما المعطي إذا كان هذا استحقاقه ولكن الموظف يرفض أن يعطيه استحقاقه إلا أن يعطيه الرشوة فالمعطي تصير عليه حلالاً.

وغداً إن شاء الله تعالى سنعيد التفصيل لهذا المطلب لأجل بحث هذه المسارات الثمانية في تحوير العقود.

logo