« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الفقه

46/03/10

بسم الله الرحمن الرحيم

 -التنبيه السابع، التنبيه الثامن - المعاطاة بين البيع والعقد المستقل وآلياتها.

الموضوع: - التنبيه السابع، التنبيه الثامن - المعاطاة بين البيع والعقد المستقل وآلياتها.

كنا في التنبيه السابع من تنبيهات المعاطاة وعنوانه أنَّ المعاطاة بعد الدخول في الملزمات هل هي بيع أو هي معاوضة أخرى مستقلة، ولتنقيح هذا البحث نسترجع نفس البحث السابق، وهو أنَّ المشهور قد نسب إليهم قولان قول بأنَّ المعاطاة تفيد الاباحة قبل حصول الملزمات فإذا حصلت الملزمات فسوف تفيد التمليك، والقول الآخر أنَّ المعاطاة تفيد الملك المتزلزل الجائز وبعد حصول الملزمات تصبح لازمة، وهذا التنبيه ليس معقوداً لتنقيح الحال على القول الثاني، لأنه على القول الثاني بالتالي المعاطاة تفيد الملك من حين وقوعها إلا أن لزومها متأخر إلى حين حصول الملزمات، وكما يقول الشيخ الانصاري إنَّ هذا الترديد عند الشهيد الثاني هو بناءً على القول بإنها تفيد الاباحة، فالملزم انشاءٌ للصحة وللزوم، فإنه على القول الأول - وهو أنَّ المعاطاة تفيد الاباحة - الانشاء السابق كأنما هو لا شيء فالملزِم ينشأ به الصحة وينشأ به الزوم، وهنا يوجد ترديد واستغراب عند الشهيد الثاني وأنَّ هذه المعاملة هل هي بيع أو هي معاوضة مستقلة أخرى؟، والتنقيح الذي نقحه العمان صاحب الكفاية ومعاصره السيد اليزدي خففا به وطأة هذا البحث فقالا إنَّ الملزمات سواء كان على القول الثاني أو على القول الأول سواء وهو أنَّ الملزمات آلة انشائية متأخرة، نظير القبض في الهبة أو التصرف بها فإنَّ القبض في الهبة لا يُنشَأ به شيء ولكنه شرط متأخر للإنشاء السابق يوجب لزومه، فليس مستغرباً وبشعاً أن يكون الانشاء متقدّم صحة تأهلية أو صحة فعلية، وصحة فعلية على القول الأول، وهو الاباحة وصحة فعلية على القول الثاني ولكن اللزوم يحتاج إلى الملزمات مثل التصرف أو القبض أو شيء آخر، ومن الواضح أنَّ الملزمات هنا ليست القبض وإنما التصرفات، فتأخر الانشاء أو لحوق الانشاء بشرطٍ متأخر لا مانع منه وليس بشيء غريب مع أنَّ هذا الشرط المتأخر ليس آلةً للإنشاء وإنما هو ضميمة لكي تتم به الصحة الفعلية أو اللزوم وهذا لا مانع منه وليس بشيء مستغرب، وهذا مر بحثه سابقاً وله تنظير جيد موجود في العقود، علاوةً على ذلك مرَّ بنا سابقاً أنَّ المعاطاة في الأمور الحقيرة واليسيرة مالياً العرف كثيراً ما لا يوجد عنده إصرار وحصر بأن يكون بيعاً بل حتى لو كان من باب الاباحة في الاتلاف مقابل مال، كما لو أخذت منه كبريتاً فسواء ملّكته إياه أو لم تملّكه له فهذا غير مهم بل المهم أنه توجد اباحة ولكنها اباحة معاوضية كما مرَّ بنا، وفرقٌ بين الاباحة المجردة والاباحة المعاوضية، فإنَّ الاباحة المعاوضية هي خيطٌ من خيوط السلطنة والملكية، فهي اباحة ولكن بما أنها جاءت في معاوضة وتشارط فسوف تصير خيطاً من خيوط السلطنة، كما مر بنا ذلك في الوكالة للزوجة في الطلاق على مبنى السيد الخوئي لا على مبنى المشهور ولو أن في المسألة قولان.

فإذاً صحيحٌ أنها إذنٌ ولكن بما أنه مشروط بإذن فيصير معاوضة في استحقاق الإذن أو الاستئذان فكأنما يخرج من الإذن المحض، ولو أنَّ الصحيح أنه إما هو شرط فعل فيبقى إذنٌ محض وإن كان له استحقاق، أو هو شرطُ نتيجةٍ وهو قد يكون نوعاً من التولية، وقد مر بنا هذا البحث مراراً فإنَّ هذا تشارط من الطرفين في المعاوضة - ونحن لا نعيده هنا لأننا ذكرناه كثيراً وإن كان معقداً -.

فالصحيح إذاً أن المعاطاة في الأمور اليسيرة هي اباحة معاوضية وليست اباحة مجردة ولها ملزمات، لأنه إذا تلف أحد العضوين أو بعض أحدهما فبالتالي يصير إلزام ولا يصح الفسخ لأنَّ هذا تمليك ولو لهذه السلطنة الخفيفة كما مر بنا في تصوير حق السرقفلية.

وينبغي التنبيه على فائدة معترضة مهمة في نظرية العقد الكلية: - هي أنَّ الشرط سواء كان الشرط المفرد أو الشرط من الطرفين لأنَّ العقد كما مر بنا أنه تعهد من الطرفين وتشارط من الطرفين فلأنَّ بينهما ربط سمي عقداً وعقدة وربط بينما يكون الشرط من طرفٍ واحد أما العقد فهو التشارط من الطرفين وقد مرَّ بنا هذا مراراً، فالشرط والتشارط مصنع ومنبع لتوليد الحقوق المستجدة، وهذه فائدة ولكن لسنا بصدد شرحها الآن، لأنه الآن في البحوث الاكاديمية القانونية أو الحقوقية يبحثون أنه ما هي مصدر الحقوق وما هو منبعها وهذا البيان من الشرط والتشارط يتكفلها.

فإذاً الصحيح أنَّ المعاطاة حتى القول الأول في الأمور اليسيرة هي اباحة ولكن تلزم بالملزمات، فهي اباحة ولكن لا تستطيع أن ترجع بها لأنها ليست اباحة مجردة وإنما هي اباحة معاوضية مثل وكالة الزوجة في الطلاق على مبنى السيد الخوئي حيث لا يستطيع الزوج أن يرجع لأنها تنقلب من وكالة إلى تولية وإن كنا سنتشكل في ذلك لا من جهة قواعد المعاملات وإنما من جهة النص الخاص بأنَّ غير الزوج لا يولّى على الطلاق ولكن هذا بحثٌ آخر.

إذاً قلب الإذن إلى تولية وتمليك خيط من خيوط السلطنة ليس بشيء وإنما هو ممتنع حتى القول الأول وهو القول بالاباحة ويلزم بالملزمات حسب القواعد.

فإذاً بالنسبة إلى الاباحة نعم هي معاوضة مستقلة، فهي معاضة في الاباحة في الأمور اليسيرة فهي من الأول تصير معاوضة مستقلة، وأما على القول بالتمليك في الأمور المهمة وغير اليسيرة والتي يكون المطلوب الأصلي فيها عند المتعاوضين هو التمليك فهي بيعٌ وليست اباحة معاوضية، وهكذا الحال في الاجارة أيضاً الأمر، فمثلاً انت تدخل منتزهاً أو حماماً أو متحفاً أو ما شابه ذلك فليس المهم عندك أن يكون العقد اجارة وإنما المهم أن يؤذن لك في أن تسفيد من هذا الحمام أو المتحف في مقابل أن تدفع المال، فهذه اباحة معاوضية في المنفعة مقابل مال تكون بدلاً عن الاجارة ولا يكترث العرف أن لا تكون اجارة، كما أنك لو طلبت من أجير مهني أن يأتي لك بعملٍ ما فليس المهم عندك أن تكون اجارة بل المهم عندك أن يبذل لك منفعته مقابل عوض.

فإذاً في الاجارة كما ذكرت لكم أنه إذا دخل الحمام أو المتنزه أو المهن يصلح سيارة أو يصبغ مكاناً ليس المهم عنده التعاقد والتمليك بل المهم أن يبذل منفعة مقابل مال، وبذل يعني بإباحة مقابل عوض وليس اباحة مجانية، فهي معاضة في البذل أو في الاباحة ولا مانع من ذلك.

فإذاً المعاطاة اباحة معاوضية في البيع بديلة عن البيع وفي الاجارة بديلة عن الاجارة فإنَّ هذا ممكن في موارد عديدة في الأمور اليسيرة، فهي اباحة معاوضية وهي بديل ظلّي موازي للمعاوضات التملكية أو التعاقدية وهذا قابل للتصوير.

فالصحيح إذاً التفصيل في أنَّ المعاطاة بيعٌ أو اجارةٌ أو قرضٌ أو غير ذلك فنستطيع أن نقول هناك اباحة معاوضية بديلة ولا يكترث العرف في أن لا يكون في التمليك ولكنها ليست اباحة مجردة وإنما هي اباحة معاوضية، بخلاف ما إذا قصد بها التمليك في الأمور غير اليسيرة فحينئذٍ تكون اجارةً أو بيعاً أو قرضاً وهلم هلم جرا.

هذا بالنسبة إلى هذا التنبيه وتفصيله هو عطف على النكات التي نقّحت سابقاً.

التنبيه الثامن: -

وهو التنبيه الأخير في المعاطاة وبه ننتهي من المعاطاة، وفي هذا التنبيه يحاول الشيخ الانصاري أن يعالج فيه أنَّ المعاطاة هي الانشاء بالأفعال مقابل الأقوال فهل المعاطاة هي الانشاء في الأفعال مقابل الأقوال وهذه فيها احتمالان، ويوجد احتمال ثالث وهو أنه اصلاً المعاطاة ليس من الضروري فيها الانشاء بالأقوال ولا بالأفعال بل يمكن البناء فيها على خيار ثالث وهو أن تكون بوصول العوضين أو بالإيصال وهذا الوصول لكلا العوضين ليس من الضروري أن يكون بالأفعال بل قد يقال بوصول أحد العوضين، وهذا خيارٌ رابع أو هو ضمن الخيار الثالث، فليس من الضروري في المعاطاة أن يكون الانشاء بالأقوال بل بالأفعال بل بالوصول والايصال لأحد العوضين أو لكليمهما، فمثلاً السيرة الدارجة في الاجارة أنَّ هناك وعاءً لأخذ الأموال من قبل مالك الحمّام أو المتحف فأنت تضع المال فيه وتذهب وتنتفع من هذا الشيء، فهو بذل لك المنفعة وأنت توصل إليه المال بهذه الطريقة مع أنه لا يوجد الطرف الآخر في البين بحيث تتحاور وتتفاهم معه ولو بالأفعال لا بالأقوال فإنه لا يوجد شخص أصلاً وإنما هو قد بذل منفعة الشيء من منتزه أو متحف ووضع مكاناً لإيصال العوض إليه، فبالتالي هذا بديل عن عقد الاجارة من دون انشاءٍ بالأفعال وإنما بمجرد وصول العوض بل وصول أحد العوضين، انشاءٌ من طرف، وطبعاً قد يكون هذا شيء صعب إذ كيف يكون الانشاء من طرفٍ واحدٍ أو من طرفين فكيف يكون هذا في العرف فهل هذه اباحة مجردة أو هي اباحة معاوضية من الطرفين وإذا كانت اباحة من الطرفين فأين الانشاء من الطرف الآخر فإنه غير موجود؟!!، أو يقال إنَّه انشاء كلي يترابط ويتعلق بكل فردٍ فرد من الطرف الآخر حينما ينشئ، فيمكن أن يتصور الأمر هكذا وهو أنه يوجد انشاء من الطرفين، فيوجد انشاء كلي ويوجد انشاء جزئي من كل فردٍ فرد مستعمل للحمام أو للمتحف أو للمنتزه أو لمركز توزيع البنزين ... وهكذا. فإذاً توجد احتمالات متعددة في المسألة.

وهذا البحث يثيره الشيخ الانصاري لأنه هناك كلمات عند الاعلام، فهو يستعرض كلمات المشهور من المتقدمين إلى ما بعدهم وفي هذه الكلمات هم يذكرون شروط عقد البيع، وشرط عقد البيع شرط صيغة البيع هذا هو المقام الأول، والمقام الثاني هي شروط المتعاقدين، والمقام الثالث شروط العوضين، فهذه ثلاث مقامات، أو شروط الاجارة، أو شروط القرض، أو النكاح ... وهلم جرا، ولكن عندهم تعبير بأنَّ العقد الفاسد لا يجوز التصرف في العين بعده فإذا فسد العقد لا يجوز التصرف في العين وهذا ذكروه عقب ولصيق شروط الصيغة.

ومن هنا يقع اشكال: - وهو أنه من جهة أنهم يسوغون المعاطاة من جهة وتخلف شروط الصيغة غاية الأمر تصير معاطاة وإذا صارت معاطاة فالإذن موجود، فإما معاطاة تفيد الإذن والاباحة أو تفيد التمليك وعلى كلا القولين اللذين مرا بنا قبل قليل لا مانع من التصرف فكيف هم يذكرون بأنَّ شروط الصيغة إذا تخلفت يحرم التصرف؟!، وكأنما هاتين الفتويان متناقضتان بين الاعلام فكيف يمكن الجمع بينهما؟، وهذا مبحث حساس يذكره الشيخ الانصاري.

وجمالاً أنا اذكركم بهذا البحث حيث اضطررنا إلى اثارته في بداية بحث المعاطاة - ونحن لم نبحثه كله - حيث فرقنا هناك بين شروط الصيغة وشروط المتعاقدين وشروط العوضين، فالمعاطاة هي بديل للصيغة اللفظية ليس إلا، أما شروط المتعاقدين أو شروط العوضين المعاطاة ليست علاج لذلك، وطبعاً في شروط العوضين قالوا ما المانع في أن يكون الطفل آلة إيصال، فأنت قد ترسل الطفل ليشتري فهذا الطفل قد لا يكون مميزا بل حتى لو كان مميزا ولكن جرت السيرة على ذلك رغم أنه غير واجد للشرائط، فالأعلام ارجعوا هذا المثال إلى أن الطفل هو آلة وليس هو طرف العقد فالطفل آلة للإيصال، وقد مرَّ بنا أنَّ أحد آليات الصيغة في المعاطاة الوصول والايصال، فلاحظ أنَّ هذا الفرض حُوّر علمياً من شروط المتعاقدين إلى شروط الصيغة، فلاحظ هذه الفذلكة حيث حُوّر من شروط المتعاقدين إلى شروط الصيغة، يعني هم لم يعتبروا الطفل طرف العقد وإنما طرف العقد هو من أرسل الطفل ومن أوقفه على الدكان، فطرف التعاقد هو ذاك الشخص كبير السن وليس صغير السن. فبالتالي إذاً هنا فذلكة صغروية اجراها الاعلام ونعمة الفذلكة، ولذلك لا تسارع حينما ترى الخلل في المتعاقدين وتقول بطلت المعاملة بل يجب أن تلتفت لأنه قد تحوّره وتدخله من بابٍ آخر جائز وهذا هو معنى الفذلكات القانونية الفقهية هي هذا معناها، فإذا لم يصر من باب فيمكن أن يصير من باب آخر، فالمهم أنَّ المعاطاة بالدقة هي علاج للخلل في شروط الصيغة لا في شروط المتعاقدين ولا في شروط العوضين. وهل هناك فرق بين الخلل في شروط الصيغة يمكن أن تعالج بالمعاطاة وأما شروط المتعاقدين فلا تعالج إلا أن تحوّر شروط المتعاقدين إلى شروط الصيغة ولكن هذا بحث آخر أما مادامت هي شروط المتعاقدين فلا حلحلة لها ولا علاج أو شروط العوضين فلا حلحلة لها ولا علاج، وسابقاً ذكرنا الفرق وسنعاود تكراره لأنه ينسى بسرعة - لأنَّ بعض المواد تنسى بسرعة فسنعاود ذكرها - حتى ندخل في التنبيه الصناعي وهو بحث صناعي لذيذ حيث ذكر الشيخ الانصاري والاعلام نكاتاً صناعيةً لطيفةً في هذا البحث.

logo