« قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الفقه

45/12/03

بسم الله الرحمن الرحيم

نظريات في حقيقة الإيجاب الماهوي للعقد.

الموضوع: نظريات في حقيقة الإيجاب الماهوي للعقد.

 

كنا في التنبيه الثالث من تنبيهات المعاطاة وإن كان لباب التنبيهات اللاحقة تم استعراضها من جهات وزوايا ولكن على أية حال بحسب صورة مسير البحث نحن في التنبيه الثالث وهو أنه هل يتقوم البيع بتمييزٍ بين البائع والمشتري أو لا؟ هناك جماعة من الاعلام كالآخوند والسيد اليزدي وغيرهما من المحققين المحشين لكتاب المكاسب لم يلتزموا باثنينة أو تميز البائع عن المشتري، وطبعاً تارةً نقول ضرورة تمييز البائع عن المشتري لأجل أنَّ ماهية البيع هكذا قوامها أو لأنَّ هناك احكاماً خاصة واردة للبائع دون المشتري أو للمشتري دون البائع وهذا مبنى آخر، وطبعاً حتى على هذا المبنى الثاني يمكن للقائلين بعدم تقوّم البيع بالتمييز بين البائع والمشتري يقولون إنما تترتب الاحكام الخاصة للبائع فيما إذا تميز وأما إذا لم يتميز فلا تترتب وأما إذا كان كلّ مهما بائع من جهة ومشتري من جهة أخرى فسوف تترتب أحكام البائع على كلٍّ منهما من جهةٍ ولا تترتب من جهةٍ أخرى وهذا ممكن، هذا بيان.

وهناك بيان مرَّ بنا أمس وهو مهم وهو أنه هل يمكن القول بأنَّ البائع هو الموجب الماهوي والمشتري هو القابل الماهوي؟، ومر بنا أنه ما هو الموجب في الماهية وأنَّ الايجاب الماهوي ما هو والقابل ما هو، فمرَّ بنا أنَّ هناك من يقول أو ينظر بأن البيع أو أي معاملة أخرى الموجب الماهوي هو الذي ينشئ مجموع الماهية والطرف الآخر يكون قابلاً يعني ينشئ الرضا، كما مرَّ بنا في بحث عقد الفضولي أنه في عقد الفضولي ما الذي يحصل؟ إنه لا يقع الانشاء من كلا الاصيلين المالكين وإنما يقع بين أصيل وفضولي أو بين فضوليين فهما ينشئان العقد ثم بعد ذلك الأصيل أو الاصيلان ينشئان الرضا، وقد اختلف الفقهاء في أن الاصيل الذي ينشئ الرضا هل هو ينشئ الرضا فقط أو أنه ينشئ جزء الماهية؟ تنبى الميرزا القمي في بحث الفضولي بإصرار أنَّ المجيز ينشئ الجزء الثاني من العقد فالإجازة عنده كإنشاء القبول، بينما المشهور يقولون بأنَّ الاجازة إنما هي تنشئ الرضا فقط وأما الماهية فلا، فالماهية قد أنشئت بالفضولي أو بالأصيل الآخر أو بالفضوليين، وهذا بحث حساس ولا بأس به وهو أنه هل الماهيات العقدية في المعاوضات تنشأ بشكلٍ مركب أو أن الانشاء وحداني بسيط ينشئه الموجب وأما القابل فهو فقط ينشئ الرضا فكأنما الموجب بمثابة الفضولي حتى ينشئ الاصيل الآخر الرضا والقبول، فأيَّ الأمور هي حقيقة الحال فهل انشاء الماهية مركَّب من انشاءين ومنشأين أو هو انشاءٌ واحد ولكن الطرف الآخر ينشئ الرضا؟

وتوجد نظرية ثالثة تسترعي الانتباه:- وهي أنَّ الذي ينشئه الايجاب والموجب ينشئ صحة الماهية التأهلية برمّتها كما ينشئ الالتزام، فالموجب ينشئ شيئان صحة الماهية التأهلية الكاملة وينشئ التزامه أو اللزوم المعلَّق فهاتان ماهيتان أو معنيان ينشئهما الموجب، وأما القابل فلا ينشئ الصحة التأهلية للمعاملة ولكنه علاوة على رضاه ينشئ التزامه بالمعاملة، فالالتزام الذي هو عقد سمي العقد عقداً لربط التزامٍ بالتزام، وقد مرَّ في باب البيع - وهذا من باب المثال لا الحصر - أو في العقود المعاوية أنَّ هناك ربطان أو رباطات ربط في الصحة بين تمليك عين المبيع وتملّك المشتري وهناك ربط آخر على صعيد الصحة ايضاً وهو تمليك المشتري للثمن وتملك البائع له وهناك ربط ثالث على صعيد الصحة أيضاً وهو ربط بين تمليك وتملك المبيع وتمليك وتملك الثمن وهذا ربط تقابلي، فهذه ثلاث رباطات على صعيد الصحة واللزوم، ثم اللزوم هو التزام يرتبط ويعلَّق ويقيد بالالتزام بهذه الصحة، فهنا صار اربع ارتباطان أو رباطات.

وتوجد نظرية ثالثة: - وهي أنَّ الموجب ينشئ الصحة وأما القابل فهو لا ينشئ الصحة - فإنها قد أنشئت - وإنما ينشئ اللزوم - ربط اللزوم -.

وتوجد نظرية رابعة أيضاً:- وهي موجودة في كلمات الاعلام في حواشي المكاسب كاحتمالات وهي أنَّ البائع ينشئ الأفعال التي هي من قبله إما تمليك المبيع فإنَّ تمليك المبيع هو فعله وكذلك تملّك الثمن فهو فعله أيضاً، فالبائع ينشئ فعلين مقابل بعضهما البعض الأول تمليك العين المبيعة والثاني تملّك الثمن فهو ينشئ هذين الفعلين الذي هو مختصّ بهما، وأما المشتري فأيضاً هو ينشئ فعلين فعل تملّك المبيع وفعل تمليك الثمن، فإذاً الصحة قبل اللزوم هنا مركّبة من أربعة أفعال فعلين للبائع وفعلين للمشتري وفعلي البائع معلقان على فِعلَي المشتري وفِعلَي المشتري معلقان على فِعلَي البائع في صعيد الصحة، وأيضاً البائع ينشئ فعلاً ثالثاً وهو اللزوم والالتزام والتعهد، وهناك فعلٌ ثالثٌ ينشئه البائع أيضاً وهو الالتزام واللزوم والتعهد، فالبائع ينشئ ثلاثة أفعال تمليك العين وتملك الثمن والتعهد بذلك، وأما المشتري فهو ينشئ تملّك المبيع وتمليك الثمن والتعهد بذلك.

والصحيح هو هذه النظرية الرابعة وهي أنَّ هذا الانشاء في الصحة مركّب من فعلين أو قل إنَّ مجموع العقد ثلاثة أفعال ينشؤها البائع وثلاث أفعال ينشؤها المشتري، لا أنَّ البائع يكون نائباً عن المشتري في تمليك الثمن وإنما تمليك الثمن هو من قبل المشتري نفسه، هي طبيعة الصحة وماهية الصحة في العقود المعاوضية هي طبيعة ماهية مركبة من ترابط أفعال انشائية من الطرفين، وإذا كان بهذا اللحاظ - أي النظرية الرابعة التي نتبناها - فبالتالي الايجاب الماهوي يكون بهذا المعنى يعني من ينشئ أولاً وإلا كما مرَّ بنا أن المالية قد تلحظ من الطرفين التي هي الصفة الثالثة - أما الصفة والأولى والثانية فقد تلحظ من الطرفين وقد يكون مختلفاً -.

ولا مانع ولا غضاضة عندنا في أن يكون الموجب الماهوي هو البائع بهذا اللحاظ أو بلحاظات أخرى مالية وعين، يعني أنَّ هذه التعاريف التي ذكرت في اللغة أو في كلمات الاعلام تشير اجمالاً إلى ميزات قد يتميز بها البائع في بعض الموارد وقد يتميز بتميزات وخصوصيات أخرى فإنه لا مانع في ذلك اجمالاً، ولا مانع أيضاً فيما لو لم يكن هناك مميزات وتمايز وإنما كليهما بيِّعان وحتى من باب التقريب فإنه يوجد تعبير ( قمرين ) و( شمسين ) و( البيّعان بالخيار )، وقد لا نقول هو مجازي وإنما هو حقيقي فإنَّ كل واحد منهما بائع من جهة يعني هو مملّك لسلعته في مقابل الآخر وهذا قابل للتصوير.

هذا تمام الكلام ومحصله سواء كان في الاجارة أو في غيرها وهو أنه لا غضاضة عندنا في التمييز ولا غضاضة عندنا في عدم التمييز فإنه في كليهما يصدق البيع، فكثيراً ما عند التجارة لم يلحظ فيها الصفات الخاصة ولا الصفات العامة النوعية وإنما الملحوظ فقط هو المالية في كلا الطرفين ولكن مع ذلك يصدق عليه أنه بيع وتجارة، وبهذا اللحاظ اطلق في الروايات لعله مجازاً بمعنى توسع اطلاق على الاجارة بأنها بيع لأنه يوجد فيها استثمار فهي تجارة، ولا نريد أن نقول إنَّ الماهيات مخلوطة بل يوجد تمييز ولكن ليس بالضرورة أن يكون هذا التمييز غالبي أو موردي وهذا لا بأس به ولكن يمكن أن يكون كلا الطرفين في المقايضة بيع والاستثمار من كلا الطرفين حيث يلاحظ كلا الطرفين المالية دون الصفات الخاصة أيضاً هو بيع، وكذلك المقايضة التي يلاحظ فيها كل منهما الصفة الخاصة للآخر هي بيع أيضاً.

فالبيع إذاً يسع كل هذه الموارد، وعندما يتميز أيضاً هو بيع، يعني بعض البيوع عندها تصنيف مثل بيع استهلاكي وبيع استثماري وبيع سياسي وبيع ومبايعة دينية مثلاً فتتصف بألوان مختلفة كذلك البيع عنده هذه القابلية فيمكن أن يتصف بتمليك عين بمال ويمكن أن يتصف بتمليك مال بمال ويمكن أن يكون مقايضةً فكل هذا بيع ولكن بألوان وأصناف ولا نمانع في أنه ربما تكون بعض الاحكام الخاصة هي خاصة بصنفٍ من البيع وليس لكل البيع، كما الآن بعض الاحكام الخاصة لخصوص عنوان البيع لا لعموم عنوان العقد المعاوضي ولا لعموم المعاوضة هكذا الحال في البيع، مثل خيار الحيوان في البيع فإنه لخصوص الحيوان لا لمطلق البيع كذلك يمكن أن نقول إنَّ بعض الاحكام الخاصة للبيع لخصوص ما إذا تميز البائع عن المشتري أو لم يتميزا أو هلم جرا فإن هذا ممكن.

فالصحيح إذاً على صعيد الماهية أنَّ البيع يتسع لكل هذه الفروض لغةً والاحكام لا غرابة في أنها قد تختص ببعض أصناف البيع مثل بيع الصرف فإنَّ له احكماً خاصة وبيع النسيئة له احكام خاصة فإنَّ هذه احكام لصنف البيع لا لكل البيع وما المانع من ذلك؟!، هذا تمام الكلام في هذا التنبيه ورأينا أنه كيف يتوقف على قواعد خطيرة في عمق المعاملات والعقود.

التنبيه الرابع: - وهذا التنبيه لا نخوض فيه لأننا قد خضنا فيه سابقاً بشكل مفصل، وملخصه أنَّ المعاطاة التي تجري عند العقلاء وعند العرف العقلائي هذه المعاملات والعقود ليست كلها تمليكاً يعني ليست كلها بيعاً اصطلاحياً وإنما بعضها معاوضات في الاباحة أو معاوضة بين الاباحة وبين البذل، فهي معاوضة مالية ولكن ليس من الضروري أن تكون بيعاً وإنما إذا كان تمليك مال بمال أو عين بمال فهذا بيع وأما إذا كانت معاوضة في التمليك فلا تكون بيعاً، أو معاوضة في الاباحة مقابل الاباحة أو اباحة مقابل مال فهذه ليست بيعاً.

وهنا توجد نكتة سبق وأن مرت بنا ولكن التركيز عليها نافع: - وهي أنَّ البيع أو الاجارة أو ما شاكلهما هي مبادلة ومعاوضة بين المالين، فالمقابلة تكون بين العوضين فإذا كانت معاضة بين العضين والاعواض فذلك بيع أو اجارة أو ما شاكلهما وأما إذا كانت المعاوضة والمقابلة والتبديل والمبادلة ليس بين العوضين والاعواض وإنما كانت بين الأفعال، وليس المقصود من الأفعال مثل عمل الأجير وإنما المراد من الأفعال يعني الأفعال الاعتبارية، كإنشاء الاباحة وإنشاء التمليك، وانشاء التمليك هل هو عمل خارجي أو هو عمل اعتباري؟ إنه عمل اعتباري، والاباحة هي انشاء الإذن، والاقراض ما هو وما الفرق بين القرض والاقراض؟ القرض هو تمليك عوض ولذلك يعتبرون القرض من العقد المعاوضية، فالقرض هو مبادلة عضو بعوض لأنه في مقابل أن يملكه المال المقروض يتملك في ذمته بدل له ولذلك القرض من المعاوضات وليس من العقود المجانية، فإنَّ القرض ليس مجانياً وإنما توجد هي مبادلة ومقابلة عوض بعوض، فالقرض هو تبديل في العضوض فبدلاً من أن يعطيني هذا الثمن وإنما فقط هو يتملك في ذمته مالاً آخر، وأما الإقراض فهو فعل اعتباري عبارة عن انشاء القرض، الآن هذا الفعل الاعتباري ما هي قصته فإنَّ الاقراض شبيه التمليك وانشاء التمليك، فالبيع تمليك التعاوض والتقابل بين العوضين بين العين والمال وأما إذا كان التقابل في عملين اعتباريين تمليك في مقابل وبإزاء تمليك في تمليك فهنا البدلان فعلان اعتباريان؟

فتارةً تكون المقابلة والمبادلة بين مالين وتارةً تكون المقابلة والمبادلة ليس بين مالين وإنما بين فعليين اعتباريين إما بين فعل اعتباري مقابل فعل اعتباري آخر أو فعل اعتباري مقابل المال، فإما عوضين ومالين أو فعلين اعتباريين أو يمزج بين الفعل الاعتباري والمال أي اباحة بعوض وتمليك بعوض، وهذا ليس سرحاً للخيال وإنما هو حقيقة فيمكن للمعاوضات والمبادلات أن تقع بين الاعواض المالية ويمكن أن أيضاً أن تقع المقابلة والمبادلة بين الأفعال الاعتبارية أو يمكن أن تقع بين فعلٍ اعتباري ومال فيمزج بين الصورة الثانية والأولى بصورة ثالثة وهذا حقيقة وليس خيالاً، يعني أنَّ المقابلة والمبادلة يمكن أن تتنوع.

وههنا توجد تساؤلات كثيرة سبق وأن ذكرناها بشكل مبعثر لكننا الآن نجمعها بشكلٍ مركز في هذا التنبيه الرابع من المعاطاة.

التساؤل الأول: - وهذا السؤال مؤثر في المسائل المستحدثة ومسائل البنوك والعقد المستجدة والحلول التخريجية لتجنب الربا وهو سؤال حساس جداً في باب المعاملات، وهو أنه هل الفعل الاعتباري مالٌ أو ليس بمال؟

مثلاً العين الخارجية هي مال لأنه يستفاد منها فالمنفعة للعين هي مال والنقود هي مال فهذه تعرف بماليتها وأما الإقراض فهو مال غير وغير المال الذي يقرض فإنَّ الإقراض أيضاً هو مال فهل يوجد عندنا ماليتان مالية المال الذي يقرض والانشاء أيضاً له مالية فهل الامر هكذا أو لا؟

وملخص كلمات فقهاء القانون الشرعي أو فقهاء القانون الوضع أنَّ العمل الاعتباري هو مالٌ إذا وقع التعاقد والتعاوض عليه وأما قبل المعاوضة عليه فليس بمال، يعني عندنا نوع من الأموال قبل المعاملة هي ليست بمال ولكن حينما تقع عليه المعاملة يصير مالاً، مثلاً الشاي والرز والسيارة هي مال وقعت عليها المعاملة أو لم تقع، وأما بعض الأموال فهي لا تكون مالاً إلا بعد العقد عليها وإلا فقبل العقد عليها هي ليست بمال - وهذه نكتة مهمة جداً - شبيه عمل الحر، ولا أقول هذا كلام الكل وإنما هو كلام الكثير من الاعلام أنَّ عمل الحر هو مال بعد العقد وليس قبله مع أنه مال انصافاً فإنَّ العرف القانوني الوضعي الآن يقول هو مال قبل العقد وبعده وأما مشهور القدماء أنَّ الكثير منهم يقول إنَّ عمل الحر ليس مالاً إلا بعد وقوع الاجارة عليه فيصير مالاً حينئذٍ.

ويوجد عندهم نزاع في عمل الحر - وهذا عمل حقيقي تكويني وليس اعتبارياً - كالصباغة والصيانة وغير ذلك - ولكن مع ذلك اختلفوا في ماليته وهذا له ثمرات، فإنَّ هذا البحث ليست تنظيرياً وترفاً علمياً وإنما هو بحث مهم فإنَّ مالية الأشياء على ستة اقسام ولها آثار كثيرة في ابواب المعاملات والايقاعات، مالية الأشياء على ستَّة أقسام وهذا مهم جداً في بحث الريا لأنَّ الربا خلف المالية والضريبة الشرعية أيضاً خلف المالية فإذا كانت المالية على اقسام فإذاً لابد من البحث فيها، والآن ذكرنا ثلاثة أنواع من المالية، مالية العين والاعيان، ومالية المنافع، ومالية العمل الاعتباري الذي هو ليس مالاً قبل العقد بل صار مالاً حين العقد، وبيقت ثلاثة أقسام، وهذه بحوث حسّاسة في كل المعاملات وإن شاء الله تعالى سنتمم غداً.

logo