الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الفقه
45/12/01
بسم الله الرحمن الرحيم
العقود والايجاب والقبول الماهوي واللفظي.
الموضوع: العقود والايجاب والقبول الماهوي واللفظي.
لازلنا في التنبيه الأول الذي ذكره الشيخ الانصاري وهو أنه هل يتقوم البيع بالتمييز بين البائع والمشتري؟، والمقصود من التمييز هنا ليس التمييز الظاهري وإنما التمييز الواقعي، كما أنَّ المقصود ليس هو التمييز وإنما هو التميُّز، فيوجد تمييز ويوجد تميُّز يعني تعدد أو تغاير البائع عن المشتري والموجر عن المستأجر وهلم جرا، فالذي ذكر من تعريف البيع بأنه تمليك عين بمال منطوٍ على التمييز بين البائع والمشتري باعتبار أنه جعل في هذا الطرف عيناً وفي جعل الطرف الثاني مالاً ومرَّ بنا أنَّ المال يعني أنه لاحظ الصفة الثالثة في الشيء وأما العين فقد لاحظ فيه الصفة الأولى والثانية والثالثة، وأما الذي عرَّف بالبيع بتبديل مالٍ بمال يني كأنما يرى في كلا الطرفين يعني أنَّ الجهة المالية هي اليتي تلاحظ، وهذا في الحقيقة اثار لدى الفقهاء في باب البيع مسألة البائع والمشتري وأنَّ البائع ينظر إلى صف معينة في عوض المشتري وهو ماليته مثلاً والمشتري ينظر إلى صفة معينة في الشيء الموجود عند البائع وهو صفاته الخاصة، وعلى هذه الضابطة الأولى في التعريف الأول وفي التعريف الثاني نجد بيوعات ولكن يصدق عليها مثلاً كل منهما ربما يلاحظ عينة عوضاً الآخر، وربما يلاحظ كل منهما يلاحظ مالية الطرف الآخر، أو ربما يختلف النظر فقد يلاحظ المشتري مالية عين البائع والبائع يلا لاحظ مالية عوض المشتري وإنما يلاحظ الصفات العينية لعين المتري وهل هذا يخرجه عن البيع أو لا؟، ولذلك جملة من المحشين المحققين للمكاسب رفعوا اليد عن هذه الضابطة الواردة في التعريف الأول والتعريف الثاني لأنَّ المقايضات قديماً هي بيع مع أنها مقايضات وربما في باب بيع الصرف والنقد كلٌّ يلاحظ المالية مثلاً.
فعلى كلّ هناك بحوث كثيرة في المالية لا نريد أن نثيرها الآن لأنَّ النظرة واللحاظ إلى المالية أيضاً هي على أنماط وأقسام لسنا في صددها الآن وهذا البحث في اقسام النظر واللحاظ للمالية يؤثر في مبحث الضخم والربا وغير ذلك وهذه نكات يلزم أن نلتفت غليها اجمالا ًولا نريد تفاصيلها الآن كثيراً إلا إذا استدعى فرع فقهي معين أو قاعدة معينة البسط في ذلك.
فإذاً بالتالي هذه ليست ضابطة وإنما البيع هو مطلق التعاوض بين الاعيان ومر بنا أنَّ صاحب الكفاية يرى أنَّ الاجارة فيها تبادل في العين أو الاعيان لا كأجرة وإنما منفعة مستأجرة لكن هناك بالتالي مدة محدودة وبالتالي يرجع إلى المنفعة لا إلى نفس العين، ومر بنا أنه توجد موارد وحدود برزخية بيد دولة الاجارة وبين دولة البيع فهل تندرج في الاجارة أو تندرج في البيع، ومر بنا أن العقد قد تنطبق عليه عناوين أخرى نكاح ولكني مكن أن يكون نكاحاً سياسياً أو نكاح وقد يكون نكاحاً دينياً ومقامات دينية أو بيع ولكنه بيع تجارة وسبق وان مر بنا أن هذه التلونات في البيع يدل على أن البيع فرقه الدقيق مع الإدارة ليس عين ومنفعة وغنما البيع حصة التمليك فهيا كثيرة بينما في الاجارة اقل كمنفعة هذا بالدقة لا أن الفرق بينهما في التمييز بين البائع والمشتري وإنما التمييز هو في جانب آخر.
فبالتالي هذه جهات عديدة في البيع مثل بيع تجاري وبيع استهلاكي كما مر بنا فيجب التمييز بين هذه الموارد.
ولا بأس أن نعيد استذكار المثال الذي ذكره الشيخ محمد علي العراقي الآراكي تلميذ الشيخ عبد الكريم الحائري فإنه قال:- إنَّ بعض البيوعات ليست بيعاً مالياً ساذجاً وإنما هي تولية سياسية، كما لو اعطى الحاكم بعض وزرائه أو غيرهم كذا مقدار من الأراضي الشاسعة فإنَّ هذا ليس بيعاً، فصحيح أنَّ صورته بيع ولكن لبّه صار توليةً فلاحظ أنَّ البيع ينقلب وصيروته توليه، وهو الشيخ الاراكي يعتقد اجمالاً أن الاستفادة من المنافع العامة في البلاد هذه العقود اليت تجري فيها حقيقةً هي ليست بيعاً محضاً وإنما هي ترجع إلى نوع من التوليات السياسية والولايات السياسية، فهي تولية وهلم جرا فالبيع ينقلب هنا إلى ولاية وليس بيعاً، وعنده هذه الضابطة وانصافا انتباهه في علم ونظام الاقتصاد جيدة فهو يقول إن المال الكبير ليس مالاً فحسب بل يتبدل إلى سلطة، فلاحظ هذه الحيثيات كيف تتصادق على عنوان معين من ثم إعطاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم أكبر خزينة في الدولة النبوية في حياته الشريفة لابنته فاطمة عليها السلام وهذا مسلم حتى عند الغاصب لإرث فاطمة أنه يسلم أنه في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت عند فاطمة يعني هذا شيء يجمع عليه كل المسلمون ولكن كيف يجمع المسلمون على هذا فكيف يعطيه النبي يعطيها هذا المقادر من المال الذي هو سلطنة فصحيح أنَّ طاهره مال ولكن واقعه سلطة يعني أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم اعطى وزارة من وزارات حكومته إلى ابنته فاطمة عليها السلام بأمر من الله، ولذلك فدك ليست مالاً فقط وإنما إذا اردت أن توازن مالية فدك، وإلى الآن إلى من يذهب إلى فدك ويزورها يجد أنها سبعة قرى من القرى الجميلة جداً والشاسعة فهي ليست ارضاً مالية فقط بل هي ليست مالاً عادياً فكيف بها في ذاك الزمان فهي أكبر ثروة في دولة النبي، فهذا ليس مالاً صحيح أنها نحلة ولكنها ليست نحلة واقعا وإنما هي تولية لفاطمة عليه السلام بل بأمر من الله تعالى أن يعطي ولاية مفعلة لفاطمة في حياة النبي وهذا للأسف لم يبحثه علماء الكلام وأنه كيف فاطمة وأمير المؤمنين عليهم السلام لهم ولاية علي في ظل ولاية النبي قبل رحيله فالمفروض انهم يبحثون هذا المطلب وكم من مبحث خطير تركه أو لم يخض فيه علماء الكلام، بل الذي يحسب أن منظومة المعارف قد تطرقت إلى كل مهمات علماء الكلام من الامامية فهو مخطئ بل الكثير من المباحث لم تبحث وحتى الطرف الآخر لم يبحثها أيضاً بل الكثير من المعارف والعقائد الركنية غفلوا عن التطرق إليها وهذا ليس بالشيء الغريب وإنما هو موجود كثيراً.
فإذاً البيع يمكن أن يتحوَّر أو يتصوَّر بصور مختلفة، وهذا ليس في البيع فحسب بل طبيعة المعاملات هي هكذا، فنلاحظ مثلاً أن الله عز وجل سمّى الرسالة بالإجارة والاجرة ومن هذا القبيل، وأيضاً سميت بالولاية قال تعالى:- ﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾[1] ،سميت الولاية بالسيادة والمولَّى عليهم عبيد في الطاعة والعبد في الطاعة أشد من العبيد في رقية الملك والشراء قال تعالى:- ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ﴾[2] .
فعلى كلٍّ هذه نكتة مهمة جداً - وإن تقدمت في الجلستين السابقتين - وهي أنَّ العقود المالية يمكن أن تتحور وتؤول إلى صيرورة عقود سياسية ودينية واصول دينية وهلم جرا، وأصلاً يوم الدار-: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾[3] ، عبارة عن صفقة وعهد وعقد يترتب عليه امامة أمير المؤمنين وسيادة الأوصياء فهو عقد ولكن تترتب عليه أصول الدين كما أن الله عز وجل يذكر في سورة آل عمران ٰ:- ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ﴾[4] وغيرها فهذا الميثاق ما هو إنه عقد فيما بين الله وبينهم بل هو عقد يترتب عليه اعطاءهم النوبة والنبوة هي أًل من أصول الدين.
فإذاً العقود يمكن أن تترقّى وتترامي إلى أصول الدين، وحتى ورد في بيانات أهل البيت أنَّ ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ أعظم عهد يطالب الله عز وجل الوفاء به هو اول الدين سواء العقود بين الأنبياء والاه واو بين الاوصياء والله عز وجل أو بين البشر والانبياء، اوفوا بالعقود العهود، وذكر أن التشهد عبارة عن تعهد عقد التزام وهذا يدل على أن الإسلام الذي يترتب عليه آثار معيشية هو عقد دنيوي ديني والردة هي ردّة عن هذا العقد فليس كل كفر درّة وهذا ما نقحناه في بحث الحدود بل الردَّة والارتداد هو كفر خاص وليس كل كفر هو ارتداد وهذا بحث له ثمرة عملية في باب الحدود.
فإجمالاً إذا العقود والعهود يمكن أن تتحور - في البيع وتمييز البائع عن المشتري بهذا اللحاظ وأنها صحيحة أو لا – والبيع ذكرت فيه ضابطة ثالثة سبق وأن أشرنا إليها ولكن نعيد الآن التركيز عليها وهي الفرق بين البائع والمشتري يعني هما ضابطتان ذكرتا ثالثة ورابعة للتي نتعاطاها، فهو قال إنَّ الضابطة الثالثة إنَّ البائع هو الموجب ماهوياً، وما معنى ماهوي؟ إنه يوجد ايجاب ماهوي ويوجد ايجاب انشائي لفظي ولابد أن نفكك بين الايجاب الانشائي أو اللفظي وبين الايجاب الماهوي ما هو؟، وهناك قابل ماهوي، وما الفرق بين القابل الماهوي وبين القابل اللفظي مثل قبلت الذي هو انشائي؟، فهذه ضابطة ثالثة ورابعة البائع هو موجب إما ماهوياً أو لفظياً والمتري هو القابل إما ماهوياً أو لفظياً، ما الموجب الماهوي؟، وطبعاً هذا الموجب الماهوي والقابل الماهوي أو اللفظي هذه الضابطة الثالثة والرابعة واضح أنها لا تختص بالبيع بل الموجب تارة يكون في النكاح وتارة يكون في الاجارة وتارة يكون في القرض فالتمييز يدور مدار الموجب وليس يدور مدار شيء آخر وهذا غير الضابطة الأولى وهي البائع والمشتري وإنما هذا يقول بالتمييز الموجب والقابل والموجب وقابل موجود في كل العقود وليس مختصاً بالبيع.
فإذاً كل العقود يجب أن يتميز فيها بين الأصيل والتبعي فالقابل الذي هو كأنما تبع فهو مطاوع منفعل بينما الموجب هو الأصيل وهو الابتداء، وهذا التمييز حينما يكون ماهوياً فهو قابل للتصوير في كل العقود، وأيضاً اللفظي أيضاً في كل العقود هو قابل للتصوري وهذا بحث حساس ليس في هذا البحث فقط وثمرته ليست في المقام فقط وإنما في أبواب أخرى في البيع وفي النكاح وفي الاجارة وفي غير ذلك، مثلاً في النكاح يمكن أن يكون الرجل موجب لفظي والمرأة قابل لفظي أو لا يمكن أن يعكس، وفي البيع يمكن أني كون المشتري موجباً لفظياً والبائع قابل لفظي أو لا يمكن ذلك؟، هذا مبحث من الباحث التي يبحثها الفقهاء في كل العقود، فهل هناك تلازم بين الموجب الماهوي والموجب اللفظي أو لا يوجد تلازم وبين القابل الماهوي والقابل اللفظي فما هو المائز بين والفارق بين الماهوي واللفظي؟، ولكي نزيد البحث غموضاً وتعقيداً - ونحن لا نريد أن نزيده تعقيداً وإنما نبين أهميته - نقول هناك نظرية من جملة من المحققين من محشي المكاسب أن العقد ماهوياً هل ينشئه اثنان أو أنَّ العقد برمته أي عقد من العقود برمته ينشئه طرف واحد وهو الموجب، مع أنه عقد ولكنه ينشئه برمته الموجب وأما القابل فهو فقط ينشئ الرضا، وهذه النظرية مقابل نظرية المشهور حيث يقول المشهور ان هذه الماهية جزؤها ينشئه طرف وجزؤها الآخر ينشئه الطرف الآخر، مثل المبنى الذي يبنيه بنّاء وعدد من العمال وقسمه الآخر ينشئه قسم آخر من العمال والبنّاء فهل الأمر هكذا أو لا ؟، فدققوا جيداً فإنَّ هذا بحث دقيق يعني كيف تنشأ الماهية فهل ينشأ جزءان من الماهية أو الذي ينشأ هو جزء واحد، ثم إنَّ اجزاء الماهية في العقود وفي البيع هل هي جزء خارجي او هي جزء ماهي فهل هي جزء خارجي كي يتلفق أو هي جزء تحليل عقلي؟ فإن كان جزءاً خارجياً فيمكن أن نتصور أن الأول زمانا يوجد هذا الجزء والثاني زمانا يوجد الجزء الثاني، فإذا كان جزءاً خارجياً فينوجد هذا وينوجد ذاك ثم يلفق بينهما فيكون مبنى كمدرسة مثلاً وأما إذا كان التجزؤ ماهوي ففي التجزؤ الماهوي فكيف الماهية ينوجد جزؤها الماهوي أو لاً ثم ينوجد جزؤها الماهوي الثاني فإن هذا لا يمكن تصويره - فلاحظ إلى البحث كيف يزداد غموضاً وتعقيداً ودقة - من ثم أتت النظرية الثانية لجملة من المشين خلافاً للمشهور وهو أن الماهية لا تُجَزأ عقلاً وإنما هي مركب واحد غاية الأمر هذه الماهية التي هي مركّب واحد ينشئها أحد الأطراف كاملة والطرف الآخر يرضى بها فقط.
فإذا هذا بحث دقيق جداً وهو أنَّ تركّب الماهية في العقود كيف هو؟، وهذا هو بحث الايجاب والقبول، فإنَّ مرادهم من الايجاب إما الجزء الأهم في الماهية وفي القبول شيء آخر، فهل المراد مثلاً من الايجاب الماهوي يعني الركن الماهوي والقبول الركن الأقل ركنية أو أنَّ المراد من الايجاب الماهوي أنه ينشئ الماهية برمتها ولكن الطرف الآخر إنما يتمم الايجاد أي جانب رضا فيتممه.
إذاً يقع الكلام عندهم ما معنى الايجاب الماهوي وما معنى القبول الماهوي، وطبعاً سبق وأن ذكرنا أنه هذا يؤثر في مبحث عقد الفضولي ففي العقد الفضولي عند الاعلام غموض أن المالك الأصلي الذي يجيز البيع هل هو طرف في العقد فكيف ينشئ الماهية الموجب والقابل فهل يوجد تخلل زماني أو لا، نعم المولاة موجودة بين الايجاب والقبول والمولاة تعني أنه يوجد تخلل زماني الآن بدأ التخلل الزماني بثواني ثانية أو ثانيتين أو ثلاث فيوجد تخلل زماني بين العقد الفضولي وبين القبول من المالك الأصلي حتى لو امتدت أشهراً، والميرزا القمي ذهب إلى هذا الشيء وهو أنَّ الاجازة من المالك الأصلي في الحقيقة هي انشاء قبول ودور الفضولي أن يحفظ الموالاة باعتبار أنه يوجد فاصل زمني بين إجازة المالك اليت هي قبول وايجاب الموجب فالفضولي يحفظ المولاة الزمنية، هذه هي حقيقة مبنى الميرزا القمي، ونحن لسنا بحثنا في عقد الفضلي ولكن بيان لأهمية هذا البحث وهو أنَّ الايجاب والقبول ما حقيقته فهل هو ماهوي أو لفظي؟