« قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الفقه

45/11/28

بسم الله الرحمن الرحيم

الهيكلة الفوقية للمعاملات واثارها.

الموضوع: الهيكلة الفوقية للمعاملات واثارها.

 

كان الكلام في التنبيه الثالث وهو أنه هل البيع وسواء كان معاطاتياً أو لفظيا يتقوم بالتمييز بين البائع والمشتري أو لا؟، وطبعاً الكلام كما مرَّ أنه في الاجارة وفي عقود أخرى الأمر هذا أيضاً، وطبعاً هذا البحث يجر كما مرَّ أنَّ التمييز بين المتعاقدين أحدهما أصل والآخر تبعي أو أن كليهما أصيلين من جهة وتبعيين من جهة وهل حقيقة الايجاب والقبول على صعيد اللفظ أو حقيقة الاجاب والقبول على صعيد ماهوي فالإيجاب بعد ماهوي والقبول بعد ماهوي معنوي، وكل هذه الأبحاث يجب أن تحرر وهل هي بحث واحد أو هي أبحاث متقاربة متلازمة متوالدة وهذا بحث أيضاً، فهناك من ذهب إلى أنها بحث واحد، إن التزم بكذا فسوف يلتزم بالتعددية والتمييز في كل هذه الأصعدة وإن لم يلتزم فلا يلتزم بذلك، فعلى كلٍّ البحث إلى حدّ ما هو بحثٌ حساس بلا شك.

هل معنى الايجاب بائعية البائع والمشتري دوره قبولي؟ طبعاً لا شك أنَّ ماهية الايجاب وعنوان الايجاب ليس مختصاً بالبيع وإنما الاجارة والهبة كذلك والصدقة والوقف والنكاح أيضاً كذلك فلابد أن تكون ماهية الايجاب ماهية جنسية وليست ماهية بيعية خاصة بالبيع بل تكون أعم، كما أنَّ ماهية القبول كذلك، فبالتالي هل هناك صلة بين بحث ثنائية الايجاب والقبول مع بيعية البائع ومشترية المشتري أو لا؟، أو مع بحث الموجر والمستأجر فهل له صلة أو لا توجد له صلة؟، وهل هناك صلة بين الايجاب والقبول اللفظي مع الايجاب والقبول الماهوي المعنوي أو لا؟، هذه أبحاث تتداعي وتتوالد وتتلازم وتتعاقب مع بعضها البعض يجب الالتفات إليها ومن ثم عنصر التحليل الذي يبديه الاعلام مثمر في هذا الجانب وهذه القضايا.

نرجع إلى ما كنا فيه في الجلسة السابقة: - وهي فهرست البحث فما كنا فيه هو أنه استدل للتمييز بين البائع والمشتري أنه في بعض اقوال اللغويين تعريف البيع بأنه تمليك عين بمال وهذا مرَّ بنا أمس في جلسة أو جلستين الفارق بين عنوان العين وعنوان المال، بينما في بعض التعاريف اللغوية للبيع تعبير ( مبادلة مال بمال )، فحسب هذا التعريف الثاني الرائج للبيع أيضاً فيه تمييز بين البائع والمشتري أو لا؟ إنه ليس فيه تمييز، فحسب التعريف الثاني للبيع كأنما كل من المتعاقدين لوحظ في عوضه الصفة الثالثة وهي المالية ولم يلاحظ في عوضه الصفات من القسم الأول أو الثاني لأنَّ هذا هو مقتضى التعريف وهو تبديل مال بمال.

لكن كلا التعريفين محل مؤاخذة.

ولكن قبل أن نواصل نقول:- إنَّ عنوان المعاوضة فإنَّ المعاوضة هي نوع من المبادلة فأحد العوضين أو كل منهما يحل محل الآخر، فالتعاوض في المعاوضة اليت هي ماهية جنية لمطلق المعاوضات الهبة ليست من المعاوضات نعم هي من العقود والصدقة من العقود ولكنها ليست عقوداً معاوضية، لأنَّ في الهبة لا يوجد عوضان كما أنه في الصدقة ليس هناك عوضان كما أنه في الوقف ليس هناك عوضان فهو عقد ولكن ليس معاوضة، فلاحظ كيف هناك تمييز ماهوي بين ماهية العقد وبين ماهية المعاوضة، فهو عقد مع أنه من الطرفين وهو عقدة ولكن مع ذلك ليس معاوضة، فالعقود أعم من المعاوضات، فتوجد عقود غير معاوضية وعقود معاوضية وهذا مرَّ بنا مراراً ومن الضروري التمييز الماهوي بينهما.

وقالوا أيضاً ماهية العهد أعم من العقود فهي جنس أعلى أعم لأن العهد النذر عهد وليس عقداً واليمين عهد وليس عقداً والطلاق إيقاع وعهد والتزام وليس عقداً فالعهد أعم من العقد، فأعلى شيء هو العهد ﴿ أوفوا بالعهد إنَّ العهد كان مسؤولاً ﴾ ثم العقد ثم المعاوضة وهلم جرا لأنَّ هذه الماهيات تكوينية حقيقية تحليلية موجودة - يعني تحليل المعنى - في العقود والايقاعات.

نأتي إلى المعاوضة: - البيع أخص من المعاوضات فلاحظ أنَّ هذه العناوين تتنزل أكثر فأكثر وتختص أكثر فأكثر، فالكلام هنا وهو أنه ما هو مقتضى المعاوضة، اي المقتضيات الذاتية التكوينية لماهية المعاوضة؟ التعاوض يعني جبر فكل يجبر الآخر وكل عوض عن الآخر، فكل من العوضين عوض الآخر هل هو في الصفة الأولى للعين أو الصفة الثانية أو الصفة الثالثة؟ المعاوضة بالدقة كلا العوضين هو عوض الآخر في المالية أي في القسم الثالث من الصفات.

فإذاً المقتضى الماهوي المعنوي لماهية المعاوضة يعضد إلى حدّ ما التعرف الثاني في البيع وهو مبادلة بين العوضين في البيع في المالية، فكلّ يحلّ محلَّ الآخر في الصفة الثالثة، ولا نقول أنَّ مقتضى المعاوضة كله هذا كلا لأنَّ البعض قال إنَّ مقتضى المعاوضة كل عوض يحلّ محلَّ الآخر في الملكية لا في المالية فقط والملكية تتعلق بالصفة الأولى من الصفات الخاصة والصفة الثانية وهي الصفات النوعية والصفة الثالثة التي هي صفة المالية، مثلاً أنت أيها المالك تملك الصفات الخاصة لعينك المملوكة وتملك الصفات النوعية لعينك وتملك مالية العين فهذه العين المملوكة فيها طبقات من المملوك رقبة العين وصفات العين القسم الأول وصفات العين النوعية ومالية العين وكأنما شؤون أربعة يملكها المالك للعين، طبعاً هذا في بحث المعاملات والايقاعات وعموم البحوث المالية هذا بحث طويل ذو ثمار عظيمة جداً.

ونذكر هنا فائدة ونكتة لطيفة:- وهي أنَّ نظام الضريبة المالية - بغض النظر عن كون الضريبة المالية شرعية أو وضعية من البشر - فإنَّ نظام الضريبة المالية قائم بأي حيثية من هذه الحيثيات الأربع؟ قالوا إنه قائم بالحيثية الرابعة وهي المالية، فصفة المالية ومقدار المالية وما شاكل ذلك هذا له دور وهو عمود ركني في بث الضرائب سواء كانت ضريبة الخمس أو الزكاة أو بحص الضريبة عموماً، يعني بحث الريبة أو الخمس أو الزكاة حسب هذا المدعى أو القول ليس قائماً بملكية الصفات الخاصة وليس قائماً بملكية الصفات النوعية بل هو قائم بالصفة المالية، فمثلاً الشركة بين المالكين تارةً تكون شركة في الصفات الخاصة فضلاً عما بعدها وتارةً تكون في الصفات النوعية وهاذ يمكن، وتارة تكون شركة ليس في الصفات القسم الأول الخاصة ولا القسم الثاني وهي النوعية بل في خصوص المالية، وهذا عجيب فإنَّ هذه أنواع من المشاركة فإن باب الشركة هو باب عظيم جداً، فباب الشركة وباب الاجارة يولّدان باب المضاربة أو المزارعة أو المساقاة، يعني باب الشركة وباب الاجارة يولدان باب الاستثمار، فإنَّ هندسة باب المعاملات وهندسة باب نظام المال يعطيك بصيرة مجهرية في الأبواب، ومن البحوث الغامضة والصعبة لرسم خارطة نظام بديل عن الاستثمار الربوي، هذا نظام الاستثمار يتقوم بفهم باب الشركة وباب الاجارة، ومن الأمور العجيبة التي رأينا الأعلام المعاصرين عندما أرادوا أن يوجدوا حلولاً بديلة عن الربا غفلوا فروعاً في الشركة أو في الاجارة استثمارية بامتياز بديلة عن الربا ولكنهم اغفلوها، ونحن لا نريد الخول في التفاصيل ولكن نريد أن نول إن باب الشركة - وهذه فائدة معترضة - وباب الاجارة هما بابان عظيمان لبحوث الاستثمار الحلال.

ويوجد منظّر اقتصادي كبير للبنك الإسلامي وهو أيضاً استفاد من هذه المباحث، فهو منظر اقتصادي وكان يصرَّ على أنَّه في الإسلام - وكلامه صحيح وعنده كتب كثيرة في هذا المجال وقد احتضنته الاكاديميات الغريبة أيضاً - الشركة بديلٌ قوي في نظرية الإسلام في الاقتصاد ع الربا، ونحن نقول الاجارة أيضاً كذلك ولكنه لم يذكرها وإنما ذ كر الشركة فقط ولكن الصحيح أن الاجارة هي أيضاً كذلك كما ذكر الفقهاء، فالشركة والاجارة بديل عظيم في الاستثمار عن الاستثمار الربوي.

ولعل البعض يقول هل هذه الأبحاث هل هي في البيع أو في المكاسب؟ نعم هي في كل المكاسب، مثلاً مثل نظرية الشهيد الصدر في كتابه اقتصادنا، ما هو الفرق بين كتاب اقتصادنا وبين كتاب البنك اللا ربوي - وهذا كمثال ونموذج -؟ فلو قلت إنّ هذا في البنك وذاك في الاقتصاد نقول هذا صحيح ولكن ما هو الفرق بينهما؟ إنَّ كتاب اقتصادنا ليس كتاب فقهٍ فتوائي - أي استدلال تعليقي - وإنما هو كتاب يبحث عن الجذور البنيوية المهيمنة - أما أنه إلى كم وفق الشهيد الصدر فهذا شيء آخر ولكن نقصد ان خطة البحث - وهل كتاب الاقتصاد هو اجتهاد واستنباط؟ نعم هو اجتهاد والبنك الا ربوي أيضاً اجتهاد ولكن الفرق بينهما أنه في البنك اللا ربوي حاول أن يقترب من نتائج عملية مباشرة إلى المكلفين، وأما في كتاب اقتصادنا هو يبحث العمومات الفوقية والابواب الماهوية الفوقية كيف تتركب، وكيف تتمازج لتخرج حينئذٍ أحد ثمارها البنك اللا ربوي واحد ثمارها ملكية الدولة وأحد ثمارها أمور أخرى، فإذاً نفس نظام الاقتصاد أو المال هو نظام ذو طبقات عليا ووسطى ودنيا، وتنقيح الطبقات الدانية من دون تنقيح الطبقات الوسطى والعليا هو عشوائية، وهذا ليس في باب الاقتصاد فقط وإنما طبيعة الاستنباط في الأبواب عموماً هي هكذا، فقد تجد فقيها فحلاً في الطبقة العليا ولكنه في المتوسطة والدانية ليس بذاك، فمثلاً السيد الخوئي في الطبقة الدانية بارع والكثير من تلاميذه أيضاً هذا ولكن في الطبقات العليا ليس كذلك ولكن اساتذته مثل النائيني والكمباني والعراقي في الطبقات العليا ابدعوا فيها اصلاً لا تجد ابتكار للسيد الخوئي في الطبقات العليا أو الوسطى إلا نادراً أو قليلاً ولكن في الطبقات الدنيا هو ابرع من أساتذته، والطبقة الدانية من الأبحاث تسمّى اصطلاحاً في علم الصناعة الفقيه والأصولية بالفقه التعليقي، ويوجد سببٌ لهذه التسمية.

ولو قيل: - لماذا نحن الآن نشرح نظام الاستنباط والاجتهاد بل دعنا في بحث البيع فلماذا التركيز على هذه المنهجية؟

قلنا: - توجد نكتة لذلك وهي نكتة مثمرة جداً في باب المعاملات لا أن نلاحظ كما نستفيد من كلمات الاعلام أنَّ الفقه التعليقي فيه إيجابيات ولكن الاختصار عليه تكون سلبياته كثيرة، وكيف؟ يعني في الفقه التعليقي يعني الفقه الداني لا تستطيع أن توجد حلول بنيوية مستدامة طويلة الأمد وإنما حلول وقتية ضيقة، بينما إذا ذهبت إلى الطبقة العليا في القواعد والعمومات والأسس فبإمكانك أن تفتح أبواباً لا أنك تفتح فروعاً ضيقة في المسائل الفقهية، وهذا ليس في علم الفقه فقط وإنما علم الرجال هكذا وعلم الكلام هكذا وعلم التفسير هكذا وعلم المعارف هكذا وعلم الاخلاق هكذا فكل العلوم هذه هي طبيعتها فإنَّ قواعدها نظام طبقات ومحرومٌ من لم يلتفت إلى هذا النظام.

فالفرق بين كتاب اقتصادنا وبين كتاب البنك اللا ربوي واضح فإنَّ كتاب اقتصادنا لا يقرأه المكلفون وإنما يقرأه المنظرون، وكلامنا ليس في خصوص الشهيد الصدر ولا في خصوص كتاب اقتصادنا وإنما كلامنا في المنهجية العامة وأن كتاب اقتصادنا اين يبحث وكتاب البنك اللا ربوي أين يبحث، ونفس النمط في فقه آيات الاحكام فهو أين يبحث، أيها المقداد السيوري تلميذ الشهيد الأول كتابك في فقه آيات الاحكام والذي يسمى بكنز العرفان أو كتاب الراوندي وهو فقه القرآن فآيات الاحكام أين تبحث؟ آيات الاحكام تبحث في الطبقة العليا وليس مثل شروح العروة فإنَّ شروح العروة غالباً تبحث في الطبقة الوسطى أو الدانية، ما الفرق بين البحث الاستدلالي لكل باب بلحاظ آيات الاحكام عن البحث الاستدلالي النازل؟ إنه يوجد فرق منهجي، والشيخ الطوسي في كتابه المبسوط، ما الفرق بين الطوسي في كتابه المبسوط مع الطوسي في كتابه النهاية؟ الشيخ الطوسي في كتاب النهاية يبحث عن الاحكام النازلة المرتبطة بعمل المكلفين أما الطوسي في كتاب المبسوط كثيراً ما شغله الشاغل هو في الطبقة العليا والطبقة الوسطى، فانت تستطيع أن تصنف الموسعات الفقيه هكذا موسوعات فقيه تعليقية يعني ترتبط بالطبقات النازلة من الاستنباط وتوجد كتب فقيه تتعرض إلى الطبقة العليا والوسطى وتوجد كتب فقيه تتعرض إلى الطبقة الوسطى، فاصلاً مهارات الفقهاء أو المتكلمين أو الأصوليين أو أي علم من العلوم فإنَّ مهارات رواد كل علم تختلف طبقةً.

وأنا ذكرت هذا الشيء لكي نبصر اين الطريق للحلول عن الاستثمار الربوي، أين بيت القصيد ومن أين تؤكل الكتف في الحلول والبدائل، والآن توجد صرخة عالمية بأنه ما هو النظام الاقتصادي الاسلامي البديل عن الربا الاستثماري؟، فهم يقولون كفى أن تقتصر مسيرة الاستنباط والاجتهاد على الفروع التفصيلية التعليقية وإنما نريد منكم نظاماً أيها الفقهاء نظام اقتصادي بديل عن الاستثمار الربوي، نريد منكم نظاماً اقتصادياً ليس فقط بديلاً عن الاستثمار الربوي وإنما نريد من نظاماً اقتصادياً ولا تكتفوا بالفتاوى الجزئية وإنما نحن أصحاب دولة ودول ولسنا مكلفين في بُعد الفقه الفردي وإنما نحن نريد فقهاً مجتمعياً في الاقتصاد فهل توجد عندكم فتاوى في النظم الاقتصادي المجتمعي وهل تستطيعون أن توجدوا لنا فتاوى لدولٍ، كيف تعتمد نظاماً اقتصادياً عادلاً وهذا هو شعار أمام زمانكم فإنه يملؤها قسطاً وعدلاً فأنّ النظام الاقتصادي الذي عندكم ما هو؟، فإنَّ هذا النظام الاقتصادي لا يثمر في الفروع كشرح العروة مثلاً، فمثلاً كتاب العروة بأي طبقة يمتاز فهل يمتاز بالطبقة الثالثة أو الوسطى أو العليا أو أنه يتحرك على كل الأصعدة؟

فإذاً البحث عن نظام اقتصادي شامل للدولة والمجتمع أو للدول على صعيد الاسرة الدولية هذا لا ينفع فيه الفقه التعليقي والفروع التفصيلية وإنما الذي ينجع فيه هو فقه النظامات أي الطبقة العليا.

فعلى كلٍّ هذه بحوث انجررنا إليها كي نوضح هنا بحث الشركة والاجارة والبيع وما شاكل ذلك وكيف تتداخل قواعد المعاملات أو ماهيات المعاملات في بعضها البعض وكيف تتركّب وتتراكب وتتوالد بشكل طبقاتٍ عديدةٍ عجيبة.

logo