الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الفقه
45/11/20
بسم الله الرحمن الرحيم
تحليل ماهيات العقد الواحد.
الموضوع: تحليل ماهيات العقد الواحد.
وصل بنا البحث إلى التنبيه الثالث في المعاطاة وهو تمييز البائع من المشتري، وهذا البحث متداخل ومترابط وليس فقط في البيع وإنما الأمر كذلك في الاجارة وغيرها، فإذا تعامل وتعاقد أجير مع أجير فقال له اصبغ لي الجدار وابني لك جدار بيتك فكلا الطرفين هي منفعة فكيف يصير هذا ومن هو الموجب والمستأجِر ومن هو الموجر؟، والموجر في الاجارة هو من قبيل البائع والمستأجر هو من قبيل المشتري، الأجير أجير وهو موجر، فصاحب الدار موجر والأجير ليس مستأجراً وإنما هو موجر أيضاً يعني مالك المنفعة هو موجر بائع للمنفعة سواء كان منفعة بدن كالأجير أو منفعة عين كمالك الدار، فالموجر في الاجارة بمثابة البائع والمستأجر هو الذي يبذل الثمن في مقابل المنفعة فماذا لو كان هذا المستأجر أيضاً يبذل المنفعة بدلاً من أن يبذل النقد فمن هو الموجر ومن هو الأجير؟
فأقصد أنَّ هذا الكلام يأتي في الاجارة وفي موارد عديدة فالبحث ليس مختصاً بالبيع، مثلاً الآن واهب وموهوب له ولكن تصادف أنَّ كليهما في عقدٍ واحد يهب للآخر فمن هو الواهب ومن هو الموهوب له مثلاً أو كليهما واهب وكليهما موهوب له.
فالبحث إذاً سيّال في جملة من العقود وإن كان بعض العقود واضحٌ تمييز البائع والمشتري فيها، فعادةً البائع اصيل والمشتري تبع وظل والموجر أصيل والمستأجر تبع، ففي النكاح الزوجة هي أصيلة والزوج هو المشتري فإنه يشتري منفعتها بأغلى الاثمان، فهذه البحوث حساسة إذاً، وهل هذا البحث معنوي ومعنوي ليس بمعنى أنه أخلاقي وإنما هو ماهوي فهل هذا البحث معنوي ماهوي أو هو بحث لفظي في الألفاظ من يختص بألفاظ الايجاب ومن يختص بألفاظ القبول؟، فلاحظ أنَّ هذا البحث مرة أخرى سيثيره الشيخ الانصاري في العقد اللفظي للبيع ليس هنا فقط، وتقريباً الآن نختصر لكم الكلام والأقوال وإن كان من المفيد الاطلاع عليها ولا أقل لا احتصار ولا بسط وإنما بشكل وسطي هل المراد حينئذٍ من هو الموجب ومن هو القابل هذا نفس البحث أو هو بحث آخر، والايجاب والقبول هل هو طابع لفظي أو هو طابع ماهوي؟، التحقيقات الأخيرة سابقاً كأنما هو شيء واحد فإن الطابع الماهوي للإيجاب هو الطابع اللفظي ونفس الكلام في القبول لأنه القبول هو انفعال يعني تبع أما الايجاب فهو ابتداء وأساس ماهوي أو لفظي أو هما معاً، المعروف سابقاً أنهما متلازمان الايجاب الماهوي هو الايجاب اللفظي والقبول المعنوي هو- يعني التبع - هو القبول اللفظي هذا هو المعروف عند كلمات الأكثر، ولكن التحقيقات الأخيرة عند محشي المكاسب ابرزت أمور أخرى وهي حرية بالتدبر، وطبعاً لاحظوا أن هذا البحث على مراحل أو قل على زوايا أو قل على جهات كما الآن تسلسل البحث على درجات، فهل أصلاً في العقود يوجد عندنا أصيل وتبع أو لا يحتاج إلى أصيل وتبع بعد التسليم أنه في العقود ماهوياً المعنى الماهوي يوجد اصيل ويوجد تبع نأتي إلى نوبة الأصلي والتبع على صعيد الالفاظ، فلاحظ أنَّ هذه ثلاث مراتي للبحث، الأكثر إن لم يكن المشهور قالوا لابد وأن يكون عندنا أصيل وعندنا تبع وبالتالي أصيل في المعنى الماهوي وتبع في المعنى الماهوي، ثم يتبعه بعد ذلك المقام والزاوية الثالثة أنَّ هناك ايجاباً لفظياً أصيلاً واساساً وقبول تبع للإيجاب، هذا سير قول الأكثر أو ربما المشهور.
إلا أنَّ التحقيقات الأخيرة أبدت نكات جديدة في الأصعدة الثلاثة التي مرت علينا قبل قليل، فعلى الصعيد الأول ما المراد بالأساس والتبع؟، وأنا اختصر في الأقوال والتحقيقات الأخيرة، فمثلاً في المبيع الأساس هو البائع ماهوياً والمتري منفعل لأن المشتري ماذا يصنع؟ إنه يتملك ويتملك يعني الانفعال أي يتقبل ويتملك المبيع ففي المبيع البائع أصيل أساس والمشتري تبع وأما في الثمن فالأمر بالعكس فإنه في الثمن المشتري اصيل وأسا والبائع يتملك ولكن هذا إذا شطرنا البيع طرين، أصلاً البيع هل هو مجموع الشطرين فإنَّ المفروض هكذا أو أنه شطرٌ واحد، وسبق وأن مر بنا أنَّ البيع يطلق على معانٍ منها معنيين فتارةً يطلق على الشطر الأول تمليك المبيع وتملك المبيع في مقابل الشراء فإنه يوجد بيع مقابل شراء فهذا البيع الذي هو في مقابل الشراء المراد به هذا وهو شطر البيع، شطر لا أنه مستقل ولكن هذا الشطر له اسم واسمه بيع في مقابل الشراء، وتارًة المراد من البيع مجموع الماهية من البيع والشراء. هذه تحقيقات وتحريات.
ففي المجموع من هو الأساس ومن هو التبع؟، فإنَّ النظرة تارة تكون بلحاظ المجموع وتارةً تكون بلحاظ شطر الماهية سواء كان في البيع أو في الاجارة أو في النكاح أو في غير ذلك، والاحكام الشرعية أيضاً التي تترتب ربما يلاحظ فيها مجموع الماهية وربما يلاحظ فيها شطر الماهية فيجب الالتفات إلى هذا الشيء، فكلمة البائع أو البيّعان تارةً يطلق بلحاظ شطر الماهية وتارةً يطلق بلحاظ مجموع الماهية هذا جانب، وهناك جانب آخر في هذه الجهات أو الأصعدة أو الزوايا الثلاثة المشتري في الثمن موجب والبائع قابل ماهوياً ولفظاً هذا بلحاظ شطر الماهية، فشطر الماهية هكذا وهذا في التحقيقات الأخيرة للأعلام، وفي الشطر الأول - يعني في المبيع - البائع هو موجب معنىً ماهوياً ولفظاً، وهذا يلزم التدقيق فيه - وعلى كل نريد الغوص في كلمات الاعلام - فإذا في البيع الشطر الأول من البيع بلحاظ المبيع البائع موجب ماهوياً ولفظاً والمشتري قابل ماهوي ولفظي، بخلاف الشراء ففي الشراء - يعني الثمن - فإنَّ المشتري موجب معنىً وموجب لفظاً والبائع قابل، ولماذا بحث الاعلام هذه الزوايا؟ لأنهم رأوا أنَّ جملةً من الطبقات السابقة قبلوا أن البائع يقول قبلت مثلاً المشتري يقول اشتريت منك هذه البضاعة بكذا ثمن والبائع يقول قبلت البيع أو قبلت فكيف يصير أن يقول البائع قبلت؟ أجابوا بتحليل ماهوي صناعي باعتبار الشطر الثاني من ماهية العقد الموجب في الثمن هو المشتري فهو يقول اشتريت والبائع يصير قابلاً، فمن ثم يصح، مثلاً في النكاح - والبحث اغزر حينما ننتقل من طبقةٍ إلى طبقة - مثلاً في النكاح أن الايجاب المفروض أنه من المرأة وهو الاحوط والامتن أن يكون من المرأة أو من وكيلها لا من الرجل ولكن يصير في الكثير من الموارد الزوج يقول تزوجتك زواجاً دائماً بمهر قدره كذا فتقول الزوجة قبلت فكيف تقول والحال أنها موجب؟ فيجيبون هناك جملة كثيرة من الاعلام ويصححون هذا العقد في النكاح أن الرجل الموجب كيف يصير الرجل موجباً فإنَّ الرجل لا يعرض نفسه وإنما المرأة تستعرض وتؤخذ والرجل يبذل أغلى الاثمان تجاهها فيجيبون بأنَّ الرجل يملّك المهر مقابل أن يتملّك منفعة المرأة والمرأة تقبل هذا الشيء بهذا اللحاظ، فإذا شطّرنا وجزأنا ماهية النكاح فكل منها بلحاظ شطره موجباً والطرف الآخر قابل.
هنا يثار سؤال حتى ننتقل إلى الطبقة الاعمق في هذه الأبحاث التي اثارها الاعلام:- وهو أنه أصلاً ماهية العقد سواء كان بيعاً أو اجارة أو نكاح أو - أيّاً ما كان - هل هي شطران أو هي شطر اواحد، وإذا كانا شطرين فهل ينشآن معاً أو ينشأ كل شطرٍ على حدة؟ إنه ليس كل شطر ينشأ على حدة، مثلاً تمليك الثمن له مسار وتمليك المبيع له مسار آخر فإنَّ الأمر ليس هكذا وإنما يوجد تقابض وتبادل، وسمي العقد عقداً لأنَّ فيه عقدة ربط، وقد مرَّ بنا هذه المباحث اثرناها قبل أشهر أن عقد البيع أو عقد الاجارة أو عقد النكاح هل هو عقد أو عقدان؟ يقولون هما عقدان، وكيف؟ عقد أن البائع يملّك المبيع ويرتبط به تملّك المشتري هذا الترابط بين تمليك المبيع وتملّك المبيع من قبل المشتري تمليك تملّك هذا عقد بين ثلاث عقود، وأما في الثمن المشتري يملّك - فاعل - والبائع يتملّك ويوجد ترابط بينهما وهذا عقد ثانٍ، وهناك عقد ثالث وهو ترابط هذين العقدين مع بعضهما البعض، فالبيع في الحقيقة هو عقد ثالث وربط ثالث أو في المبيع ربط على حدة وفي الثمن ربط على حدة ثم ربط هذين الربطين مع بعضهما، ومثاله أنهم ألم يذكروا أن الهبة - سواء في القانون الشرعي أو الوضعي - هي عقد ولكنهم قالوا إنَّ الهبة عقد غير معاوضي فكيف يصير عقداً ولكنه غير معاوضي؟ لأنه في الهبة الواهب يملّك والموهوب له يتملّك فهنا يوجد ربط من ثم يكون عقداً ومن دون قبول الموهوب له لا يتم عقد الهبة، فإذاً في الهبة يوجد عقد بسيط وأما في البيع فيوجد عقد مركب من ثلاث عقود ومن ثم يسمّى معاوضي.
هذه تحليلات ذكرها الاعلام من كبار محشي المكاسب، وأصلاً هذه الدوامة من البحث الآن والتحليلات الدقية عندهم الماهوية هي حقيقية وليست استحسانية ويترتب عليها آثار كثيرة وإلا ليس عبطاً أن يقال على الهبة أنها عقد والحال أنها ليس فيها معاوضة فكيف يقال لها عقد؟ إنه بهذا اللحاظ.
فالآن عندما ينشأ البيع والايجاب القبول هل ينشأ شطر منه أو شطران؟ قال البعض إنشاء البائع هو اساس في المبيع فهو ينشئ السطر الذي يرتبط به ولكنه معلق على انشاء المشتري الذي ينشئ الشطر المرتبط به - أي في الثمن - ففي شطر البائع الأساس هو البائع والتبع هو المشتري يوأما في شطر المشتري هو المشتري والتبع هو البائع، فإذاً قضية هذه ألفاظ الايجاب والقبول ممكن أن يمارسها المشتري ويمكن أن يمارسها البائع.
يبقى السؤال:- وانصافاً تحقيقات الاعلام هذه نفيسة جداً وأنا اعتذر لأني استعرضتها مضغوطة ولكنها مهمة جداً ويجب أن يلتفت إليها لأنه تترتب عليها آثار كثيرة، فالآن يوجد سؤال:- وهو أنَّ البائع أو المشتري عندما ينشئ في النكاح أو في البيع أو في الاجارة أو في أي مكان هل أحد الطرفين ينشئ مجموع العقد أو أنه ينشئ شطر العقد؟، فهل البائع ينشئ الماهية برمتها وبشطريها غاية الأمر المشتري حينما يقول قبلت يعني لابد من ذلك كي تنوجد وتتحقق الماهية فهل الأمر هكذا أو ماذا؟، وهذا سؤال لطيف ولا أدري هل انتبه علماء القانون لهذا البحث أو لا فإنَّ الكثير من البحوث القانونية في المعاملات والعقود باعتراف الدكتور عبد الرزاق السنهوري الذي يعتبر من رواد القانون العربي غير ملتفتون إليها وباعتراف الشيخ المظفر أنَّ ما عند علماء الامامية ما ابرزه الشيخ الأنصاري في المكاسب غير موجودة عندنا وكذلك في القانون الاكاديمي، لأنَّ الدكتور عبد الرزاق السنهوري انتدب للتدريس في جامعة بغداد ثم للبصرة أو بالعكس وقد تنقل ستنين أو ثلاث أو اقل أو أكثر وقد سنحت له الأمور أنه حينما جاء إلى زيارة مقام أمير المؤمنين عليه السلام التقى به الشيخ محمد رضا وأهداه كتاب المكاسب للشيخ وبعد أيام استحفاه كتابه انطباعه عن الكتاب فقال قولته المشهورة عند النجفين أنه لو كنت اطلعت على كتاب المكاسب الذي يزخر بجهود علماء الامامية فقبل أن أكتب الوسيط لكتبته بنمطٍ آخر فائق على الذي كتبتبه الآن، وهذا منقول نصاً مما دار بينها في اللقاء ولم يكن لقاءً ثنائياً بل لابد أن يكون مع البطانة من الشيخ المظفر.
فهذه البحوث ورغم أنكم لا تجدونها عند القانونيين وهي أنَّ الذي ينشئ العقد الايجاب هل ينشئ الماهية برمتها وبكلا شطريها إلا أنها تكون معلقة أي وجود معلَّق لمجموعة ماهية العقد برمّته معلقٌ على القبول أو لا؟
وهذه القول وهذه النظرية في تحليل العقد يريد أني قول الماهية لا ينشئها اثنان إنما ينشئاً واحد مجموعاً والأخر رضاه شرط ﴿ إلا أن تكون تجارة عن تراض ﴾ هذا ( عن تراضٍ ) هو شرط فهو اناء شرط ولكن ليس هو انشاء الماهية – وهذا بحث قانوني تحليلي مهم وينفع في بحوث كثيرة في قواع المعاملات وهو أن المعاملة برمتها ينشئا واحد والآخر يرضى أو ينشئها اثنان؟
فثلاً النكاح هل ينشئه الواحد وهو الزوجة أو ينشئه اثنان؟، أتعلمون ثمرات هذا البحث في اجازة العقد الفضولي سواء كان بيعاً فصولياً أو اجارة فضولية أو اجارة فضولية؟،والميرزا القمي في بحث البيع الفضولي ذهب إلى أنَّ الاجازة ليست انشاء رضا فقط وإنما قال الاجازة في بيع أو نكاح أو عقد الفضولي عموماً هي انشاء لشطر الماهية الثاني بناءً على نظرية أن ماهية العقد شطريها كل يتكفل الشطر الذي يرتبط به، فهل ماهية العقد تنشأ تلفيقياً تعليقيا أو ترتبياً فهل من اثنين أو من واحد؟
وبعبارة أخرى:- إذا انشأ أحد المتعاقدين العقد سواء كان بيعاً او نجارة ا، نكاحا قبل أن ينشئ الآخر القبول فهو انشا أحد المتعاقدين سواء أنشاء كل الماهي على قول أو أنشأ شطر الماهية في الثول الآن ولكن قبل أن ينشئ الطرف الآخر بثواني قليلة بحيث لا يخل بالموالاة قبل أن شيء الطرف الأخرى فهل الماهية معلقة - فإنها غير منجزة طبعاً إلى أن ينشئ الطرف الآخر - ولكن هل ينشئ الرضا أو ينشئ الشطر الثاني من الماهية؟، إذا في الاثناء الذي أنشأ ابتداءً بيعاً أو نكاحاً أو إدارة فإذا بادر الذي أنشأ أولاً - سواء كان بائعاً أو مشترياً أو زوجاً في النكاح - فالذي أنشاء أو لاً قبل ثواني من انشاء الثاني فبادر الأول وقال بدى لي الاعراض عنه فقال اعرضت عن البيع أو عن النكاح فهنا عدوله في الاثناء قبل أن يبدأ الطرف الآخر أو قبل أن يستتم الطرف الآخر هذا يوجب تصدّع العقد ولذلك عندهم هذه العبارة في العقود فهم يقولون يشترط الموالاة بين الانشاءين علاوة على ذلك والتطابق - التي هي شروط ستأتي - ومن الشروط وذكروا من الشروط أيضاً أن لا يرجع المنشئ ولا يعدل الذي انشأ ابتداءً لأنَّ انشاءه تعهد معلَّق بتعهد الطرف الآخر فإذا كان هذا الطرف عنده تعهد التزام معلَّق على التزام الآخر لكنه رجع عن التزامه قبل أن يلتزم الطرف الآخر فهنا سوف ينفسخ العقد، وأي عقد ينفسخ فإنَّ العقد لم يستتم؟ يعني حتى الصحة التأهلية للعقد سوف تتبدَّل.
وإن شاء الله تعالى سوف نتابع البحث فإنَّ هذه بحوث تحليلية مهمة ولكن يجب أن نستذكرها بدقة لأنها خطوة خطوة وحلقة حلقة ومعادلة معادلة وهي كثيرة.