« قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ محمد السند

بحث الفقه

45/11/19

بسم الله الرحمن الرحيم

تخلف شروط الصحة على ثلاثة وتداعياتها

الموضوع: تخلف شروط الصحة على ثلاثة وتداعياتها

 

كان الكلام في تخلف شروط الصحة في البيع وفي المعاطاة البيعية أو العقد اللفظي البيعي فلا فرق بينهما يعني بقية شروط الصحة، لأنَّ أصل بحث المعاطاة هو أنه هل اللفظ شرط في الصحة أو لا أو أنه شرط لزوم؟، فالإنشاء باللفظ هل هو شرط للصحة، وأصل مبحث المعاطاة هو هذا، فهل الانشاء باللفظ وهل العقد اللفظي شرط صحة أو هو شرط لزوم أو لا؟ هو شرط لزوم ولا هو شرط صحة، فأصل مبحث المعاطاة هو هذا، وهذا لا يختص بالبيع بل في الاجارة الأمر هكذا وفي الوقف والهبة وفي بقية العقود الأمر هكذا، الانشاء والعقد باللفظ هل هو شرط صحة أو شرط لزوم دون الصحة أو ليس بشرط لا في الصحة ولا في اللزوم؟، هذا هو أصل مبحث المعاطاة، وفي هذا التنبيه الأول زيادة على ذلك الشيخ أراد أن يبحث زاوية أخرى وهي أنه لو تخلفت بقية شروط الصحة غير قضية اللفظ فهل ينعقد بيعاً أو ينعقد معاوضةً أو ينعقد تبادلاً في الاباحة أو لا ينعقد أي واحد من هذه الأمور الثلاثة طولاً بل ينعقد اباحة جردة بداعي اباحة مجردة أخرى وهذه مرتبة رابعة، فهذا البحث الآخر في التنبيه الأول أيضاً ليس مختصاً بالمعاطاة غذاً لأنه تخلف بقية الشروط في الصحة وحتى لو لم يكن معاطاةً كما لو كان عقداً لفظياً للبيع تخلفت فيه شروط أخرى للصحة فهل يخل ببيعية البيع أو إذا أخل فهل ينعقد معاوضة عامة أو وإن لم يعقد معاوضة عامة فهل ينعقد معاوضة في الاباحة وإذا لم تتحقق هذه المراتب الثلاثة فهل تنعقد اباحة بداعي الاباحة اليت هي مرتبة رابعة؟ هذا مجمل فهرست التنبيه الأول وكلمات وأقوال الاعلام.

فالشيخ الانصاري يريد في هذا التنبيه الذي هو تنبيه البحث في تخلف بقية الشروط في المعاطاة البيعية أو في العقد اللفظي للبيع، وهذا بحث غير مختص بالبيع وإنما يشمل الاجارة والصلح وغيرهما فإنه فيه نفس الكلام، والشيخ يريد أن يقول كمختار له في تخلف أنَّ بعض شروط الصحة مما هو تحريم تكليفي ووضعي الحرمة التكليفية كالربا والوضعية ثابتة وإن لم نلتزم بصحة البيع ولا بصحة المعاوضة ولا حتى بالمعاوضة في الاباحة، إذا كان التخلف أو الخلل في شروط الصحة بنحو يكون موضوعاً للحرمة التكليفية أو الوضعية اليتي هي مثل حرمة الربا فحينئذٍ هذا لا تنعقد لا بيع صحيح ولا معاوضة صحيحة عامة في المرتبة اللاحقة ولا تنعقد تعاوض في الاباحة لأن الربا ما صدق عليه الربا عرفاً الشارع يمانع منه ومرَّ بنا مراراً أنَّ موضوع أدلة التحريم التكليفي في المعاملات الموضوع بوجوده العرفي، أحلَّ الله البيع العرفي هذا في الحلية والصحة والحرمة كذلك وحرم الربا العرفي وإلا فالربا لا وجود له في تقنين الشارع يعني تصحيحه وتصحيحه يعني وجوده ووجوده يعني تصحيحه فأيّ ربا الذي حره الشارع ؟ هو الربا العرفي يعني يريد الشارع أن يتدخل في العرف يطهر الأعراف من العادات المحرمة عنده ﴿ ويضع عنهم اصرهم الاغلال التي كانت عليهم ﴾ فالشارع يريد ليس فقط يريد أن يقنّن وهلم جرا ويسجل عقوبة ومثوبة فقط وإنما يريد أن يتدخل في تصحيح الأعراف المريضة، فهذا نوع من تصحيح الأعراف.

فإذاً التحريم التكليفي والوضعي لا يرتفع بمجرد تخلف بقية شروط الصحة لأنه الوجود العرفي موجود هب أنه ليس بيعاً شرعياً ولكن حرمة الربا في البيع الربا المعاوضي مثلاً غير مخصوصة بالبيع الصحيح بل حتى البيع الفاسد الحرمة التكليفية موجودة فيه، أو المعاوضة بالقمار فإن الشارع لم يصححها يعين هي لا وجود لها عنده في عالم التقنين فهو لا يعترف بوجودها ولكن وإن لم تكن موجودة عنده ولا يعترف بوجودها ولكن حينما يقول ﴿ وحرم عليكم ... والميسر ﴾ هو بالأصل المعاوضة الميسرية لأنَّ القمار معاوضة بنمطٍ معين ولكن هذه المعاوضة هو الشارع يريد أني تصدى لإزالتها ويمانعها فهو يتصدى لإزالتها بوجودها العرفي.

وخلاصة الكلام:- إنَّ أدلة التحريم التكليفي والوضعي في العقود غير مأخوذ فيه موضوعها الوجود الصحيح شرعاًن حتى ليس الوجود الصحيح عرفاً فإنه في بعض الأعراف في بعض الشعوب والبلدان القمار عندهم معاملة محظورة فإن الكثير من البلدان كذلك فهي خلاف القانون إلا في النوادي الليلية أو ما شاكل - يعني قد يكون استثناءً - وإلا عادة القمار محظورة يعني أنه نشاط اقتصادي فاسد ولكن لاغم ذلك افراد من الشعب يتقامرون فها المعاوضة لا وجود عرفي لها كما لا وجود شرعي لها فهل الشراع يحرمها أيضا؟ نعم يحرمها بوجود المعاملة عند المتعاقدين والمتعاملين الشارع يتصدى لإزالتا وللممانعة منها ويهدد ويعاقب.

وخلاصة الكلام من هذه الزاوية للشيخ ولغيره:- إنَّ التخلّف أو الخلل في شروط الصحة لا يرفع إذا كان هذا الخلل من جهة أحد موضوعات الحرمة التكليفية كالربا وكالقمار وما شاكلهما، فحينما يقول الشارع ﴿ أحلَّ الله البيع وحرم الربا ﴾ يقول إنما أحللت البيع غير الربوي فغير الربوي هو شرط فحينما يكون ربا فهنا صار تخلف في بعض شروط الصحة ولكن هذا الخلل والتخلف في شروط الصحة ولكن هاذ الخلل والتخلف في شروط الصحة وإن مانع عن انوجاد البيع ولكنه لا يمانع عن الحرمة التكليفية والوضعية، فهو مانع عن صحة البيع ولكنه لم يمانع عن الحرمة التكليفية والوضعية للبيع الربوي أو البيع القماري أو بيع المحرمات كالآلات الموسيقية او اجارة المنافع المحرمة كالفجور فإن الحرمة تبقى على حالها.

فإذاً خلاصة الكلام في هذه الزاوية:- هي أنَّ الخلل وتخلّف شروط الصحة إن كان موضوعاً للحرمة التكليفية والوضعية فسوف تبقى على حالها، فهذا الخلل في الشروط لا يزعزع موضوع الحرمة لأنَّ موضوع الحرمة يأتي حتى في وجود العقد الحرام بين المتعاملين، هذا هو كلام الشيخ وهو كلام سليم، من ثم نأتي حتى في مسار الدواعي فإنَّ الدواعي ليس فيها مشارطة كما مرَّ بنا ولا تعاقد ولكن لو صدق على الاباحة على الطرفين من دون مشارطة صدق عليها قمار أو فجور أو صدق عليها بقية المحظورات كالفساد في الأرض عرفاً فهنا سوف تكون محرمة، فلا يكون الاباحة ولو بنحو الدواعي تخلص من الحرمة هذا إذا كانت الحرمة تكليفية ووضعي.

ماذا لو كانت الحرمة بست تكليفية ووضعية وإنما كانت وضعية فقط؟ هذا بحث آخر يلزم أن نخوض فيه، مثل ( نهى النبي عن بيع الغرر ) فإنه ليس كحرمة الميسر وليست كحرمة الربا وإنما حرمة الربا هي حرمتان معاً تكليفية ووضعية وأما في ( نهى النبي عن بيع الغرر ) توجد حرمة وضعية فقط، وهذا قسم ثانٍ غير القسم الأول الذي فيه حرمتان، تخلف شرائط الصحة في القسم الأول يسبب حرمة تكليفية ووضعية ومر بنا البحث فيه، وأما إذا كان من قبيل ( نهى النبي عن بيع الغرر ) فهذا قسم ثان، وهناك قسم ثالث وهو مثل ﴿ تجارة عن تراض ﴾ فإن الرضا شرط فإذا لم يكن رضا في البين صار خلل في شروط الصحة، فاشتراط الرضا يختلف عن مانعية الغرر في الجعل الشرعي، وما الفرق بينهما؟، مثلاً في الهبة الشارع يشترط القبض فشرطية القبض في الهبة أو في الوقف ما الدليل على شرطية القبض في الوقف أو الصدقة؟ هو الدليل الذي اشترط القبض في الهبة لأن الوقف هو هبة بقصد القربة والصدقة هبة بقصد القربة فما دل على شرطية القبض في الهبة دال على شرطية القبض في الصدقات كلها وفي الأوقاف، فشرطية القبض في هذه العقود كشرطية الرضا في كل العقود تختلف عن مانعية الغرر فإنَّ مانعية الغرر يفسد ماهية العقد وضعاً يعني أنه يعدم القابلية فهذا العقد لا قابلية له للتصحيح ولو أنه حرمة وضعية وليست حرمة تكليفية ووضعية كالقسم الأول وإنما القسم الثاني هو حرمة تكليفية وفقط - ( نهى النبي عن بيع الغرر )، و( نهى النبي عن نكاح الشغار ) و( نهى النبي عن المنابذة ) - فهذا نهيُ مانعيةٍ وهذا النهي المانع يفسد الصحة التأهلية، فالعقد حتى صحته التأهلية سوف تزال وتنعدم في القسم الثاني، بينما في القسم الثالث الصحة التأهلية لا تنعدم من ثم بحثوا في البيع الفضولي بعد المعاطاة لأنه في البيع الفضولي أو بيع الغاصب أو موارد أخرى او من دون قبض هذا العقد قابليته لأن يصحح لازالت موجودة ومقررة فقابليته للصحة يعبر عنها اصطلاحاً عند الفقهاء بالصحة التأهلية، فهي باقية في القسم الثالث بخلاف القسم الثاني فإنها تنعدم، ومن ثم قالوا إذا تبايع المتبايعان بغرر فسوف يفسد البيع ولو كانتا في نفس المجلس استخرجا الأوراق وذهبت مجهولية العوضين فهنا لابد وأن يعيدا صيغة الانشاء وإن ارتفع المانع فإنَّ هذا لا ينفع لأن المانع الذي هو مجهولية العوضين لمقترن بصحية انشاء البيع من الايجاب والقبول السابقة افسدت الايجاب والقبول وعليه فلابد من ايجاب وقبول جديد ، هذا في القسم الثاني، ففي القسم الثاني المانعية تفسد صيغة الانشاء ، وكذلك الحال في القسم الأول الذي فيه حرمة تكليفية ووضعية، بينما القسم الثالث الايجاب والبول كصيغة انشاء قابليته لا تنعدم وإنما تكون مجمَّدة والصحة التأهلية يعين أنها صحة مجمدة عن الفعلي فإذا انضم إليها الرضا أو القبض فحينئذٍ تصبح الصحة فعلية، ومن احد معاني اصطلاح الحكم اقتضائي هو هنا يستعمل بمعنى الصحة التأهلية.

فإذاً في القسم الثالث الصحة التأهلية أو قل الاقتضائية لا تنعدم ولا تزال فإذا انضم إليها الشرط يكتمل النصاب ولو بعد حين فإذا ًيوجد فرق صناعي بين القسم الأول والقسم الثاني والقسم الثالث الأول اجتماع الحرمتين والثاني فقط حرمة وضعية والثالث فقط تخلف شرط ثبوتي وجودي، ففي النكاح الأمر هكذا وغيره، مثلاً في النكاح باعتبار الطرف عنده بنات كثيرة وقال لشخص لك زوجة منهن فلو زوجه من دون تعيين واحدة منهن فهذا العقد لا يصح وإن عيَّن البنت بعد ذلك فإنَّ هذا لا ينفع بل لو عين البنت فعليه أن يعيد الايجاب القبول وأما الايجاب والقبول السابق فلا أثر له لأنَّ مجهولية تعيين الزوجة يكون مفسداً لنفس الايجاب القبول ولا يكفي النعيين فيما بعد ولو أنَّ بعض الفقهاء عندهم هذا ولكن بحسب القواعد الايجاب والقبول فاسد ولابد من اعادتهما.

فإذاً وكالة أو ايجاب وقبول في البيع أو في النكاح أو في الاجارة أو في بقية العقود إذا كان من قبيل الأول - حرمة وضعية وتكليفية - فلا أثر له أصلاً، وإذا كان من القبيل الثاني فهذا الايجاب والقبول أيضاً لا يصحح ولا قيمة له، وأما إذا كان من القبيل الثالث فهو قابل للتصحيح، وهذا فرقٌ صناعي بين الأقسام الثلاثة.

الآن نأتي إلى نفس مبحث المعاطاة البيعية أو غير البيعية أو العقد اللفظي في البيع وغيره فإنه إذا تخلفت شروط أخرى فإن كان من قبيل القسم الثاني فهل يفيد الايجاب والقبول يعني أنَّ الحرمة الوضعية على حالها، ففي القسم الثاني الفرض أنَّ الحرمة التكليفية ليست موجودة - ( نهنى النبي عن بيع الغرر ) - فالحرمة التكليفية في الأصل غير موجودة في القسم الثاني فهل الحرمة الوضعية وهو الفساد موجودة ايضاً أو ليست بموجودة؟ هنا محاولة بعض الاعلام حيث يقول إنَّ فساد بيعية البيع - ( نهى النبي عن بيع الغرر ) - مثلاً ولم ينه النبي عن معاوضة الغرر قد بنى السيد الخوئي على هذا التفصيل بنحو الجزم فإنه يقول إنَّ الغرر مفسد للبيع فقط وهذا ما ذكره في بحثه أما في فتاواه فلعله يحتاط في ذلك، فهو في بحثه العلمي يقول إنَّ الغرر مانع عن البيع أما الاجارة أو الصلح الغرر فهو غير مانع منها، وأما مشهور القدماء فقالوا إنَّ الغرر مفسد ومانع للبيع ولكل المعاوضات وهو الصحيح، ولكن لو بنينا على مبنى السيد الخوئي وجماعة أن الغرر مانع مفسد للبيع فقط - وطبعاً هناك أمثلة ارخى لوكن دعنا مع هذا المثال - فلو عقد بيعاً غررياً فهذا يفسد ولا يصح وهو يفسد من القسم الثاني أي تذهب الصحة التأهلية فهنا هل يمكن القول بأن هذ المعاوضة تقع معاوضة عامة وإن لم تكن بيعً أو لا ولماذا؟ لأنَّ المتعاقدين أرادا التعاوض كيفما اتفق، وكيفما اتفق يعني أنَّ بيعية البيع هي من باب تعدد المطلوب فإن حصل البيع فبها وإلا فلا أقل من كونها معاوضة عامة أو صلح، فهل يقع معاوضة عامة أو لا؟ قال جماعة إنه يقع لأن مانعية الغرر إنما هي للبيع مثلاً أو لكذا وليست مانعي الغرر عن مطلق المعاوضات، ولكن لابد من أن يكون انشاء المتعاقدين للبيع ليس بنحو وحدة المطلوب وإنما من باب تعدد الانشاء ، وتعدد الانشاء قد سبق أن مرَّت الجلسات السابقة تصويره عند المشهور كما في الوقف فمثلاً الوقف هو مدرسة فإن لم يكن فمكتبة فإن لم يكن فلا أقل يكون مستشفى مع أن الواقف قد أنشاءً واحداً كمدرسة أو مكتبة فكيف يتحقق انشاء لأوقاف الأقرب فالأقرب؟ مرَّ بنا أنه يكون الانشاء بقرينة الغرض والداعي لدى الواقف أن انشاءه صورة هو واحد ولكن لبّاً انشاءه ومنشأه متعدد طولاً وهذا قد التزموا به في باب الوقف والتزموا به في باب الوصايا وأن كل التصرفات المعاملية للميت إن لم تصح بعناوينها الخاصة تقع وصية، كما لو باع شيئاً ولكن كان هناك خلل في شروط البيع فهنا سوف تقع وصية بالبيع إذا كنا قد أحرزنا أن الميت عنده إصرار على هذه المعاوضة فهي إن كانت بيعا فيها وإن لم تكن بيعاً فهي ولو وصية بالبيع وإن لكم تكن هبة فوصية بالهبة وإن لم تكن وقفا فوصية بالوقف وهذا يصح، وهذا يكون انشاءه من باب تعدد المطلوب، وفي هذا القسم الثاني وهو المانع إذا كان انشاء المتعاقدين بنحو تعدد المطلوب فهنا يمكن القول بانه يقع معاوضة عامة صحيحة، وهذا البحث موجود في حواشي العروة في بحث المعاملات في العروة.

logo