الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الفقه
45/11/18
بسم الله الرحمن الرحيم
تتمة التنبيه الأول والثاني والثالث.
الموضوع: تتمة التنبيه الأول والثاني والثالث.
في نفس المبحث التنبيه الأول من المعاطاة الذي مر أنه مبحث ليس مختصاً بمعاطاة البيع بل كل المعاطاة بل ليس مختصاً بالمعاطاة وإنما يشمل كل العقود اللفظية فيما لو حصل خلل وتخلف في شرائط صحة العقود الخاصة فهل الخلل وتخلف الشروط يخل بالعنوان الخاص فقط أو أنه يخل حتى بالعنوان العام للمعاوضة أيضاً؟ وهذه مرتبة ثانية، وإن لم تتحقق المعاضة العامة هل تتحقق المعاوضة في الاباحة وهذه مرتبة ثالثة، وإن لم تتحقق المعاوية في الاباحة تصل النوبة إلى الاباحة بلحاظ الدواعي فكما مرَّ مراراً هذا البحث فيه جهة موضوعية وهو الانشاء وأنه هل الانشاء متعدد أو لا؟ إنه قابل للحل والعلاج - هذا المبحث - باعتبار تعدد المطلوب كما في الوقف والوصية وفي النكاح وفي أبواب متعددة فهو قابل للتصوير، هذا من جهة الموضوع يعني كيف نصوّر مراتب في الانشاء والمنشأ وعبّر عن ذلك جملة من الاعلام كالشهيد الثاني وصاحب مفتاح الكرامة أنهم عندهم رضا بذلك كيفما اتفق وهذه كيفما اتفق تفيد تعدد المطلوب لديهم في تعدد الانشاء، فهذا الواقف يريد خيريات سواء كانت مدرسة أو مستشفى أو غير ذلك، فكيفما اتفق يعني أيّ خير، فكيفما اتفق تفيد تعدد المطلوب، وهذا تعدد المطلوب كغرضٍ في الانشاء قرينة على أنَّ الانشاء متعدد، ولو صورةً كأنما هو واحد ولكن المنشأ متعدد، هذا من جهة الموضوع.
تبقى الإشكالية في هذا التنبيه كي نفرغ منه - وهو مهم جداً وقد مرت بنا ومحاور عديدة مهمة ومرت بنا انظمة في المعاملات مرت بنا ببركة هذا التنبيه وهذا البحث ولكن لابد من استيفاء بقية بحوثه - وهي الجهة الحكمية:- فمن الجهة الحكمية كما مرَّ بنا ويجب أن لا نغفل عنها إذ كانت الحرمة وضعية وتكليفية فعلاج ذلك بتعدد المنشأ لا يثمر شيئاً إذا صدق موضوع الحرمة الموضوعية والتكليفية ككونه ربوياً أو قمارياً أو فجورياً أو كونه شيئاً آخر من هذا القبيل فإنه لا يفرق، يعني في الفجور أخذ المال ولو ليس مشارطةً وإنما كان تهاديا بالدواعي فهذا سحتٌ حرام أيضاً لأنه سحتٌ حتى بهذا المقدار. ولذلك يفتى به جزماً، وهذا المثال مرَّ بنا مراراً خلال سنتين تقريباً قد ذكرناه عن السيد الخوئي وجملة من تلاميذه أنه رغم أنه يرى أنَّ المال في الدولة مجهول المالك - وإن كنا لا نرى هذا الشيء - ولكنه يقول إنَّ العقود الربوية مع الدولة حرام بحرمة ربوية مغلظة لأنها لا ربط لها بصحة العقد وصحة المعاملة بل هذه الحرمة تغليظ الشارع فإنه يقول:- ﴿ فإن لم تنتهوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ فالشارع يريد يقوم الاعراف فاسدة حتى ولو وصل ألأمر إلى الحرب مثلاً.
فإذاً بعض الحرمات أو كثير من الحرمات الوضعية والتكليفية معاً تشمل حتى التعامل بنحو الدواعي وإن لم تكن بنحو المشارطة، كيفما اتفق هنا لا ينفع وليس حلالاً للمشكلات في جملة من الموارد، بخلاف ما إذا لم تكن مشارطة ولم يصدق الربا بنحو الدواعي فهذا قد يكون له مجال، كما مر بنا أنه يمكن جعل حلول عديدة الآن وهي المعمول بها عند التجار على اختلاف مستويات وطبقات ثروتهم أو ثرائهم حيث عندهم جانب الواعي يؤدي مؤدى المشارطة الربوية ولكن من دون أن يتشارطوا أو يؤدي الفائدة من دون أن يتشارطوا، فإذاً هذا هو القسم الذي مرَّ بنا.
والقسم الثاني هو النهي المانعي، من قبيل ( نهى النبي عن بيع الغرر ) وقد مرَّ بنا أنَّ هذا النهي يفسد قابلية المعاملة اللفظية أو المعاطاتية عن الانشاء، وهنا يقع الكلام.
أما القسم الثالث وهو الشرط الوضعي، وهنا المانع يكون وضعياً فالشرط لا يفسد قابلية المعاملة ولكنه يجمّدها إلى أن يتحقق الشرط، والكلام هنا الآن وهو أنَّ الشروط الواردة في القسم الثالث أو الموانع الوارد في القسم الثاني تارة أخذت في لسان الدليل في العنوان الخاص بيع أو اجارة أو جالة أو مضاربة مثلاً فإذا أخذت المانعية القسم الثاني أو الثالث - فإنه لا فرق بينهما - في العنوان الخاص ولم تؤخذ في عموم المعاوضة ولا في عموم العقود ولا في عموم المعاملات فما المانع من أن يقال بأنَّ المعاوضة العامة تقع وتتحقق لأنَّ هذا ليس مانعاً على هذا المبنى الذي يبني عليه السيد الخوئي بإصرار من أنّ الغرر مانع من البيع ليس إلا وأما في الصلح أو الاجارة وغيرهما فلا، باعتبار أنه توجد نسختان في رواية أحدهما ( نهى النبي عن بيع الغرر ) وتوجد نسخة في الفقيه تقول ( نهى النبي عن الغرر ) ولكن استناداً إلى هذا أو لشواهد أخرى ليس فقط لهذا، أما تلك النسخة فليست بتامة عند السيد الخوئي وإنما المسندة عنده هي فقط قوله عليه السلام:- ( نهى النبي عن بيع الغرر ) وإن كان بحث الغرر قاعدة مفصّلة لا نريد الخوض فيها وفي المسألة قولين قول بأنها مانعة عن خصوص البيع كما ذهب إلى ذلك السيد الخوئي وجملة من تلاميذه، وقول المشهور بأنَّ الغرر مانع عن مطلق المعاوضات دون العقود غير المعاوضية، فحينئذٍ الكلام يقع هنا وهو أنَّ المانع إذا أخذ في دليله أنه مانع عن العنوان الخاص فبالتالي لا يمانع عن العنوان العام بل يقع العنوان العام، كذلك تأتي إلى القسم الثالث فإنَّ الشرط كذلك إذا أخذ في العنوان الخاص فتارة يؤخذ في العنوان العام فبها وأما إذا لم يؤخذ فهل يقع العنوان العام أو لا؟، فمثلاً التقابض شرط في الصرف فهل هو شرط في بيع الصرف يعني النقود المسكوكة هل التقابض فيها شرط للصحة فماذا لو لم يقع البيع للصرف فليكن ذلك ولكن لتقع المعاوضة أو الصلح فهل يمكن هذا أو لا يمكن؟، محشي العروة إذا لاحظتم تعليقاتهم في باب المعاملات وهي جيدة فإنَّ هذه الاثارات والنقض والابرام موجود عندهم وتعدّد الاقوال والآراء فقول يقول إذا أنشأت المعاملة بعنوان البيع فحينئذٍ لا يصح وقوعها بعنوان عام نعم إذا أوقعت من البداية بعنوان عام فبها ونعمت لأنَّ هذا الشرط أو هذا المانع المفروض فيه أنه أخذ في العنوان الخاص، أما إذا أوقعت من البداية بعنوان البيع أو الاجارة أو الهبة فحينئذٍ لا تقع بعنوانٍ عام، ولماذا؟ سنذكر دليله الآن، أما القول الآخر فيقول ولو اوقعت المعاملة بعنوان البيع أو الاجارة وبعنوان خاص فإن كان هذا الشرط وهذا المانع أخذ في العنوان الخاص ولم يؤخذ في العنوان العام فسوف يقع العنوان العام إذا كان من باب تعدد الطلوب عند المتعاقدين أي كيفما اتفق.
وطبعاً هذان القولان والتفصيلان موجود عند محشي العروة ومحشي المكاسب في قبال ثالث التزم به حتى بعض محشي العروة في أبحاث العقود المعاملية في قبال هذين القولين، وهذا القول يذهب إلى أنه ليس لدينا عنوان عام في المعاملات بل إما أن يكون صلحاً أو اجارةً أو جعالةً أو ما شاكل ذلك، يعني أنَّ العناوين الخاصة التي وردت بها الأدلة هي تقيد عمومات ﴿ أوفوا بالعقود ﴾ و﴿ تجارة عن تراض ﴾ و( المؤمنون عند شروطهم )، وطبعاً هذه نظرية كانت رائجة في قرون سابقة وإما الآن فهذا القول ليس بمعتمد وهو الصحيح، وطبعاً البحث طويل الذيل وسبق وأن أثرناه شيئاً ما في مواطن أخرى ولسنا في صدد اثارته الآن بسطاً، يعني أنَّ هذه نظريات تعتمد على كبريات في المعاملات يجب أن تنقح سيما لتغطية المعاملات الجديدة المستحدثة وما شابه ذلك، يعني الشهيد الصدر في البنك اللا ربوي وقبله الشيخ حسين الحلي في كتاب المستحدثات الذي هو من تقرير بحر العلوم أو غيرهم من الاعلام أثاروا هذه الأمور أيضاً.
فإذاً توجد نظريات متعددة في هذا المجال وهو أنَّ المانع أو الشرط أخذ في العنوان الخاص أو أخذ مطلقاً؟، توجد استظهارات وقرائن وقواعد يستظهرون على وفقها هذا المبحث ونحن الآن نناقش النتائج ولا نناقش المباني. فإذاً على مبنى أنَّ المانع أخذ في العنوان الخاص ولم يؤخذ في العنوان العام والشرط أخذ في العنوان الخاص ولم يؤخذ في العنوان العام وانشاء المتعاملين والمتعاقدين أنه ينشئ عقاً كيفما تفق بنحو متعدد المطلوب المفروض أنه يقع وقوع المعاملة العامة ولا مانع منه، نعم على المباني الأخرى أن هذا شرط حتى في المعاوضة العامة وإلا كان لغوا فإن المانع مانع حتى في العنوان العام ولكن هذا بحث آخر وأنها لم تنشأ بعنوان الصلح.
وتوجد فائدة مختصرة نذكرها هنا:- وهي قضية تشخيص عقد الصلح، فهل عقد الصلح هو مطلق المعاوضة فهل يوجد ترادف بين مطلق المعاوضة والصلح هذه نظرية عند الاعلام أو أن الصلح يختلف عن مطلق المعاوضة وإن كان الصلح يثمر ثمرات الكثير من المعاوضات، فهاتان نظريتان، وبعبارة أخرى:- ما الفرق بين التراضي في البيع والتراضي في الصلح فإنَّ كليهما تراض فما هو الفرق بينهما؟، أو ما هو الفرق بين التراضي في الصلح والتراضي في الاجارة وهلم جرا؟، فهذه بحوث مهمة في الصلح سبق اجمالاً اشرنا إليها بنحو متوسط تبعاً للشيخ الانصاري حسب تسلسل بحث الشيخ اثرناه يف بدايات البيع.
أما الآن فنناقش آخر تقدير في هذا التنبيه:- لنفترض الشرط شرط في العناوين الخاصة والمانع مانع في العناوين الخاصة والعامة فلا تقع المعاوضة ولا يقع العنوان الخاص وهو البيع أو الاجارة، ولكن ما المانع أن تقع معاوضة في الاباحة التي هي المرتبة الثالثة فإنه لا مانع منه لا سيما مع تعدد المطلوب عند المتعاقدين والمتعاقدين أنه كيفما اتفق كل واحد منهما يريد أن يبادل الآخر مبادلة في البذل والاباحة أو مبادلة في التمليك العام أو مبادلة بيعية فليس مهماً عندهم كما في يوميات التجار الآن سواء كان من تجار الطبقة العليا او من تجار الطبقة النازلة على مستوى كاسب في حانوت ودكان، فإذا جرت عنده معاملات كثيرة في اليوم فهذا لا يستطيع أن يقول بأنه شرائط البيع وغير ذلك بل المهم عنده حصول المبادلات بشكل سريع مرن سيال يعني حتى بنحو تبادل البذل لا بنحو التمليك، ولذلك مرَّ بنا أنَّ المعاطاة غير محصورة بالمحقرات بل حتى في الأمور التي يطلب فيها السرعة في التبادل السوقي المالي فهؤلاء عندهم تعدد المطلوب وليس عندهم تقيّد بخصوص البيع أو بخصوص المشارطة والعهود بل عندهم حتى بنحو الداعي كافٍ لأنَّ العامل الضاغط عندهم ليس هو المشارطة أو البيعية أو العقود أو المعاوضات كما مر بنا بل العامل الضاغط عندهم هو الاعتبار في الدواعي وفي الوعود فعندهم هذا أكبر ضاغط عملي تكويني من الشروط والعهود والمواثيق نفسها وهو ما يسمونه بالتعبير العصري بقواعد المصالح فإنَّ قواعد المصالح هي التي تفرض نفسها على الطرفين، فتبادل المصالح يقتضي الالتزام وهو التزام قواعد المصالحة لا التزام العقود والشروط والعهود وهلم جرا، وهذه نقطة يجب أن نضيفها إلى مبحث نظام الدواعي الذي مرَّ بنا بشكلٍ مجمل ومختصر.
فحينئذٍ التبادل بنحو الاباحة لا مانع منه أو التبادل بنحو التقابل بنحو الدواعي فإنه لا مانع منه أيضاً.
فإجمالاً هناك فرق من الجهة الحكمية بين القسم الأول - الحرمة التكليفية والوضعية - وبين القسم الثاني - المانعية - فيجب أن ندرس المانعية كيف هي وبين القسم الثالث وهو صرف الشروط، وأنت عليك أن تركّب قواعد مع بعضها البعض فحينئذٍ تستنتج النتيجة فإن طبيعة الاستنباط لا سيما في باب المعاملات يكون عن طريق تركيب قواعد عديدة خطوة خطوة ورتبة رتبة كي تصل إلى النتيجة فهاذ هو الاستنباط الصناعي في المعاملات، هذا اجمالاً الكلام في التنبيه الأول.
وأما الكلام في التنبيه الثاني في المعاطاة والذي ذكره الاعلام:- فهو أنه هل المعاطاة تحثل بالتعاطي من الطرفين أو يكفي فهي التعاطي والعطاء والاعطاء من طرف واحد فأيهما يكفي؟، بل وعوا البحث إلى أكثر من ذلك فإذاً من دون إعطاء من الطرفين بل من طرف واحد تتم المعاطاة، فالإقباض وأخذ القبض في عوض واحد تتم به المعاطاة، بل أوسع من ذلك العطاء من دون إعطاء هل تتم به المعاطاة من طرف واحد أو لا؟، ومثاله في الاجارة مثلاً أو حتى في البيع فإن صاحب الحمام العام هو ليس بموجود ولكنه بذل منفعة الحمّام لكل وارد هذا البذل من صاحب الحمام هو بنفسه عطاء وليس إعطاء لأنه لم يعطه أحد بعدُ، أو بعض الحوانيت وبعض المحلات الثقة الموجودة تجعله يضع أسعار المواد على المواد من دون بذل فهذا عطاء وليس إعطاء فحينئذٍ هو وضع السعر وأنت ضع الثمن وخذ البضاعة فهذا العطاء بهذا المقدار هل هو معاطاة أيضاً أو لا؟، بل بحث الأعلام في أوسع من ذلك حيث بحثوا في الوصول، فهل وصول أحد العوضين إلى الطرف الآخر بنفسه يعدُّ معاطاةً أو لا؟ وهل نفس الوصول كافٍ أو ليس بكافٍ؟، ولعل الحمّام من قبيل الوصول وليس من قبيل العطاء لأنَّ العطاء هو مثل الوصول، فالوصول لصاحب الحمَّام أو صاحب الحانوت أو ما شكلهما كافٍ.
فمثلاً يوجد جهاز الكتروني معيَّن في البيوعات أنت بنفسك تشتري التذكرة فيصير لها وصول فإنه بمجرد وصول مالك إلى بائع التذكرة فتلقائياً تأتيك البضاعة أو تذكرة السفر، فهل الوصول كافٍ أو غير كاف، وطبعاً الوصول في معرض المعاطاة وفي معرض انشاء البيع.
واجمالاً أدرج الأعلام كل هذه الموارد في المعاطاة أذا استعملت عرفاً، وطبعاً نحن نضم هذا البحث مع ما انتهينا إليه من المختار، من ثم المعاطاة ليس فيها انشاء لزوم ومرَّ بنا أنَّ انشاء اللزوم يعني نقل الملكية بتمام خيوطها.
هذا هو التنبيه الثاني وهو سهل المؤونة ولا نريد التوقف عنده كثيراً.
أما التنبيه الثالث في المعاطاة: - وهو أنه كيف يميز البائع عن المشتري.
طبعاً هنا يوجد بحث كلي مهم في تمييز البائع عن المشتري فهل يتقوم البيع بتمييز البائع عن المشتري أو لا بغض النظر عن المعاطاة بل عموم البيع فماذا لو كان كلَّ منهما متبايعان؟، وهذا بحث متجذّر علمياً في البيع وفي غيره من المعاوضات وإذا تنقَّح في البيع فسوف يتنقح تلقائياً في بقية المعاوضات، وفي البيع قيل نعم يتقوم البيع ببائع ومشتري وهذه هي النظرية المشهورة، وفي قبالها نظرية غير مشهورة وهي أنَّ البيع فيه بيّعان وفيه مشتريان - فيه بائعان وفيه مشتريان - وتصوير ذلك هو أنهم قالوا إن كلّ يملك سلعته للطرف الآخر والطرف الآخر يقبل التمليك ويعوّض فالتمليك بائعية والتقبّل شرائية فالشراء انفعال في التمليك يعني يتملّك والبائع فاعلية في التمليك فإذا كان الأمر هكذا فكل منهما بائع وكل منهما مشتري بلحاظٍ، فالمتملك مشتري، ففي المبيع الجهة الفاعلة هي تمليك البائع للمشتري والمشتري يتملّك وينفعل ويقبل فعل البائع في المبيع، وأما في الثمن فالمشتري مملّك والبائع متملّك منفعل، وطبعاً قضية فاعل ومنفعل في عين المبيع وعين الثمن متفق عليه بينهم إلا أن هذا هل يبرر صدق البائع على كل منهما وصدق المشتري على كل منهما أو لا وهذا له ثمرة كبيرة وهي أنَّ البائع له احكام في الخيار وفي خيار الحيوان وفي غير ذلك فهل يصدق البائع على كل منهما ولو بلحاظٍ أو لا يصدق؟، فمثلاً إذا كان شخص قد جعل الثمن دابة من الدواب بدلاً من أن يجعله نقوداً فهل له خيار الحيوان أم أنَّ خيار الحيوان خاص بالبائع وهو ليس ببائع وإنما هو مشتري فلا يثبت له خيار الحيوان أو أنه بائع فيثبت له ... وهلم جرا، فجملة من احكام البائع هل تترتب على كلٍّ منهما أو على أحدهما فقط؟، كذلك الحال في المشتري. فإذاً هذا مبحثٌ له ثمرة وليس بحثاً علمياً فقط، فهل البائع والمشتري كلَّ منهما أو أنه أحدهما؟
ومن التعاريف التي ذكرت وربما سبق وأن نقلناها في بدايات البيع أنَّ السلعة التي يرغب فيها ابتداءً وأصالةً صاحبها هو البائع، فالمسوّغ المستعرض هو البائع وأما القابل للعرض فهو مشتري، وقالوا إذا كان هذا هو تعريف البيع فحينئذٍ يشكل الحال في التقايض فإنَّ المقايضات هي اصطلاحٌ قديم وجديد في العقود ويقصدون منه فيما إذا كان كل من العوضين ليس فيه نقد وإنما توجد سلعة ومتاع في مقابل متاع وسلعة أخرى فاصطلاحاً وفقهيا ولغوياً يطلقون على هذه المعاملة بالمقايضة والمقايضات، وقديماً قبل نشوء النقود عند البشر كانت معاوضاتهم مقايضات. وعلى كلٍّ هذا بحث طويل مرَّ بنا في بدايات البيع لا يحتاج إلى اثارته كثيراً وهو مرتبط بعلم المال وعلم النقد وعلم المالية وهذه العلوم سبق وأن نبهنا على أنَّ الاطلاع عليها ولو على المستوى الثقافي يكون مؤثراً جداً في باب استنباط المعاملات، وللبحث تتمة.