الأستاذ الشيخ محمد السند
بحث الفقه
45/10/26
بسم الله الرحمن الرحيم
-تلخيص النتائج في المعاطاة.
الموضوع: - تلخيص النتائج في المعاطاة.
كان الكلام في بيان المختار في المعاطاة مع استعراض جملة من النتائج المختارة لبقية الاعلام والمقارنة بينها، فتقدم أنَّ اللزوم في العقود ليس هو فقط بآلية للإنشاء وأنَّ بعض العقود جائزة وبعضها غير جائزة بمجرد آلية الانشاء كما مر، كلا بل آلية الانشاء لها دور والمعنى المنشأ أيضاً له دور بحسب مجموع كلمات الاعلام الصحيحة، ثم إنه يوجد اشتراك بين العقود اللازمة كالبيع والاجارة والقرض وبين العقود الجائزة كالهبة وغيرها لكن الفرق بينهما ماهوي في المنشأ كما مرَّ وهذا جانب آخر ونقطة اخرى، وهناك نقطة ثالثة كتلخيصٍ للبحوث المتشتتة والمتوزعة التي مرت بنا خلال المعاطاة هي أنَّ آلية الانشاء أو آلية الصحة أو أي آلية عرفية يأخذها الشارع في الأدلة تلك الآلية أو الموضوع أو القيد يمكن فيه التغيير إما بحسب الأزمة أو بحسب الجغرافية أو بحسب السلع فهذه أيضاً لابد وأن نأخذها بالحساب وتترتب عليها أمور كثيرة وهذه نقطة اساسية، إلى أن نصل إلى الصور الربع التي ذكرها الشيخ الانصاري في التنبيه الرابع وإن كانت هذه الصور الأربع هي من متن حقيقة المعاطاة، وهذه الصور الربع أخذنا فيها الحديث مبسوطاً جداً ولكن تلخيصها مهم جداً، فالصور الربع التي ذكرها الشيخ الصورة الأولى كون التعاوض والتقابل بين العوضين تمليك مال بمال، والصورة الثانية التقابل بين التمليكين، وهذا البحث قد دخلنا فيه بشكل مفصَّل وذكرنا الفرق بين الصورة الأولى الثانية ونذكر ببعض الأمثلة -كإسم فقط -، فمثلاً الفرق بين الهبة المعاوضية والبيع، وطبعاً ليس كل صور الهبة المعاوضية بل بعض صورها معاوضية وهي من قبيل الصورة الثانية والبيع من قبيل الصورة الأولى وهذا بحث حساس بغض النظر عن المعاطاة، لأنَّ هذا البحث يفسح ويفتح المجال في باب المعاوضات الذي هو عنوان كبير لتجدد نماذج مستحدثة للمعاوضات عند العرف بحسب الحاجيات البيئية السوقية المختلفة للتبادل التجاري أو للتعامل، ففهم هذه الصور ليس ترفاً علمياً وشحذاً ذهنياً فقط وإنما هو في الحقيقة يثمر أنَّ باب المعاوضات تركيبته يمكن أن تتبدل إلى طبخات كثيرة ومن الخطأ بمكان عند الاستنباط لدى الفقيه أو المجتهد أو الباحث أو الفضلاء أن يحبس النظر على شاكلة واحدة من المعاوضات ونتخيل أنَّ كل المعاوضات هي بهذه الشاكلة وبهذا النمط فإنَّ هذا تخيل خاطئ جداً ولذلك الشيخ يركز هنا، فمع أنَّ الشيخ ذكر صوراً أربع ولكن يمكن أن تتضاعف وتتكثر إلى اضعاف فما ذكره الشيخ من الصور الأربع ما هو إلا من باب النماذج الأساسية، فنفس هذا البحث مهم، ولذا نلاحظ أن التنبيه الرابع هو بحث ليس في آلية الانشاء وإنما في حقيقة المنشأ مما يدل على أنَّ المعاطاة ليست بحث في آلية الانشاء فقط بل هو بحث في المنشأ وهذه هي نقطة رابعة أو خامسة في نتائج البحوث التي مرت بنا هي أنَّ البحث في المعاطاة بالدقة هو بحث في صغرى الأدلة الشرعية يعني في البنية العرفية للمعاطاة كييف هي مسبَّباً أو سبباً.
فإذا هذه الصور الأربع التي يذكرها الشيخ في المعاطاة بالدقة هي بحث في المسبَّب أي في المعنى وليس بحث في آلية الانشاء، فهنا الشيخ يقول إنَّ التعاوض تارةً يكون بين العوضين هو تمليك واحد يرتبط بعوضين أي تمليك مالٍ بمال وهذه هي الصورة الأولى وهي التعريف الدارج للبيع، وأما الصورة الثانية وفرقها الجوهري الماهوي عن الصورة الأولى هي أنَّ المقابل والتعاوض فيها يكون بين التمليكين لا بين السلعتين والعوضين وهذا نوع من التعاوض وهو تعاوض في الأفعال الانشائية، وسبق وان نقلنا كلمات الاعلام والصورة الأولى هي من قبيل شرط النتيجة والصورة الثانية هي من قبيل شرط الفعل، ونحن لا نريد تكرار البحث فإنَّ بحث طويل ولكنه معقد ومهم ونحن قد استغرقنا الحديث عن بجث شرط الفعل وشرط النتيجة وكلما كان الباحث متمرساً في هذه الأبحاث سوف يلتفت إلى أشكال صناعية في المعاوضات لا سيما المستحدثة منها.
وأما الصورة التي ذكرها الشيخ هي التعاوض في الاباحة، وهذه لها صورتان إما اباحة بعوض وإما اباحة في مقابل اباحة، والاباحة بعوض شبيه ما هو موجود مثلاً متحف معين أو حديقة معينة يؤذن لك في دخولهما ويباح لك ذلك ولكن بعوض - بمال - وهو ما يعبر عنه انتفاع بمال، وهو شبيه العارية بمال، وأما الصورة الثالثة فهي اباحة في مقابل اباحة، والشيء المهم في هو أنَّ الصور الأربع وكذلك في الثالثة والرابعة الالتفات إلى أنَّ المعاوضة معاملة فوقية أم مهيمنة على الطرفين في الصور الأربع وكثيراً ما نحن نركز على الطرفين ونغفل الخيمة التي تهيمن على الطرفين، فهنا إذاً معاوضة في الصور الأربع هناك جانب مشترك فوقي هيمني وهي المعاوضة والمقابلة وهنا هو بيت القصيد، فأنت تلاحظ أنَّ المعاوضة المهيمنة فوقية الآن هل طرفيها عوضين أو طرفيها اباحة أو طرفيها اباحة وعوض أو طرفيها تمليك وتمليك فهذا ليس بمهم، فإذاً المعاوضة كعقدٍ وكمعاملةٍ فوقيةٍ هنا يحصل التلاعب أو التغيير أو التنميط أو التنويع في تشكيلات طرفيها وأنهما ما هما، فصحيح أنها معاوضة ولكن ما هما طرفيها؟، وهذه نكتة مهمة جداً وقد استغرقنا الحديث فيها طويلاً، والشيخ الانصاري ينبه هنا على أنَّ الاباحة بعوض فصحيح أنَّ الاباحة هي شيء ليس بملزم ولكن حينما تكون الاباحة طرفاً في المعاوضة أو قل اباحة بعوض هل تكون ملزمة أو لا تكون ملزمة؟، أو اباحة في مقابل اباحة يعني التعاوض بين اباحتين فهل التعاوض بين الاباحتين مفاده الالزام أو ماذا؟ إنك إذا قصرت النظر على الاباحة تقول هي ليست بملزمة، وأما إذا استطعت أن تلاحظ بعداً آخر في المقام وهو بعد وجود المعاوضة فسوف تكون لازمة فإنَّ الأصل في المعاوضات اللزوم لأنَّ الأصل في المعاوضات أنها عقود والأصل في العقود اللزوم ﴿ أوفوا بالعقود ﴾، فهل نلاحظ اللزوم أو نلاحظ الجواز؟، هذه نكات سبق وأن مرت بنا.
وهذا شبيه الوكالة فإنَّ الوكالة طبيعتها ليست عقداً لازما ولكن إذا اشترطت الوكالة في شرط ضمني في العقد فهنا تصير هل تصير لازمة أو لا تصير لازمة؟، وهذا نفس البحث، ثم تكون لازمة إذا كانت بنحو شرط النتيجة أو بنحو شرط الفعل، فالمهم أنَّ هذه كلها بحوث سابقة وتتكرر في القعود الأبواب مثلاً وكالة الطلاق يعني السيد الخوئي عنده أنها إذا الزوجة أو شخص آخر اشترط وكالة الطلاق على الزوج فهل هذه الوكالة لازمة أو غير لازمة وعند السيد الخوئي أنها رزمة وإذا كانت لازمة فهل الطلاق بيد الزوجة أو ماذا؟، فالمهم هذه بحوث متداخلة وفيها زوايا عديدة سبق وأن تعرضنا إليها مفصلاً ونحن هنا نرد ان ننبه إلى النتائج فقط.
فإذاً هنا في البين الصور التي ذ كرها الشيخ الانصاري عندنا معاوضة فوقية وعندنا طرفين وهما إما عوضين أو هما شيء آخر، من ثم يقول الشيخ لا نستغرب إذا بني على أنَّ المعاطاة هي اباحة كيف تصبح لازمة بالتصرفات الملزمة أو بالتلف، كيف يلتزم المشهور بانها اباحة ولكن في نهاية المطاف يلتزم بأنها لازمة فمن اين أتاها اللزوم؟ وجواب الشيخ في المكاسب:- صحيح أن المعاطاة تفيد الاباحة ولكنها ليست اباحة مجردة وإنما هي اباحة معاوضية فهي اباحة في مقابل اباحة أو اباحة بعوض فهنا توجد معاوضة فوقية وهذه المعاوضة الفوقية لازمة لأنَّ الأصل في المعاوضات اللزوم، وبعبارة أخرى إنَّ المتعاطيين مثلاً إنما أباح احدهما إلى الآخر التصرف في الشيء في مقابل أن يأذن له في التصرف في العوض الآخر لو نويا الاباحة لا أنه يتصرف مجاناً، فهي إما اباحة بعوض أو اباحة في مقابل اباحة، فهو أباح له في التصرف في العين ولو أن يتلفها في مقابل التصرف في الطرف الآخر فحينئذٍ يوجد إذنٌ في مقابل إذن، فإذاً هنا يوجد عوض ومعوض يعني يوجد لزوم لا مجّان، فإذاً لمكان وجود المعاوضة يتصور في الاباحة المعاطاتية اللزوم لأنه في المعاطاة يوجد انشاء للمعاوضة بإحدى الصور الأربع، وهذه نكتة مهمة جداً قد نبه عليها الشيخ وهي صحيحة وهي أنه مع التزام المشهور بالاباحة أيضاً هم يلتزمون بأنَّ التصرفات توجب اللزوم في المعاطاة وهذا صحيح ولا غرابة فيه سواء فسرنا الاباحة بكونها مالكية أو شرعية حكمية ،وسبق وأن شرحنا هذا المصطلح عند الفقهاء، فإباحة مالكية يعني بسلطنة المالك يبيح لك في مقابل أن تبيح له، هذه هي الاباحة المالكية وهي بعوضٍ لا مجاناً، وأما الاباحة شرعية فهي بمعنى أنَّ الشرع حكم بأنَّ المعاطاة التي في نفسها ليست لازمة وليست انشاءً لعقد لازم هي قبل التصرفات الملزمة يجوز للإنسان أن يتصرف فإذا حدثت الملزمات تكون للمعاطاة رزمة حينئذٍ، فقبل التصرف هي اباحة إلى أن تصل إلى التصرفات الملزمة فتصير لازمة حينئذٍ وقد ذكرنا توجيهات الشيخ لهذا سابقاً.
فإذاً اتضح بأنَّ المعاطاة ليس البحث فيها في السبَّب وآلية الانشاء فقط بل المعاطاة هي بحث في المسبَّب والمنشأ ويمكن أن يقع على صور، وسبق وأن ذكرنا من ضمن النقاط كنتائج أنه في الأمور اليسيرة مالياً العرف لا يتشدد في الانشاء والمنشأ والمسبَّب أن يكون حصراً من قبيل الصورة الأولى بل حتى لو كان من قبيل الصورة الثانية أو الثالثة أو الرابعة، فهذه قضية الصور الأربع ليس من باب تفنّن قانوني ذهني في المعاملات وفي المعاطاة بل طبيعة العرف إذا كانت الأمور يسيرة لا يتشدد في أن يكون المسبَّب على الصورة الأولى أو الثانية أو الثالثة، فمثلاً في باب الاجارة كالاجارة لصباغة جدارٍ فهذا العمل عند العرف ليس من الضروري أن يعقد لأجله عقد اجارة، فتارة يريد العرف أن يتشدد أو يؤكد أو يتثبت بنظم زمان معين فيعقد عقد اجارة من الصورة الأولى لأنه حتى الاجارة يمكن أن تكون بإحدى الصور الأربع فإنَّ هذه الصور الأربع ليست مختصة بالبيع، أما إذا أراد العرف الأمور اليسيرة كصبغ الجدار بكذا فهذا ما يعبرون عنه بالأمر الضماني ولكنه ليس بالأمر الضماني بالقيمة الواقعية وإنما هو أمر ضماني بما اتفقوا عليه - أي المسمّى - بأي نوع من المعاوضة من قبيل الصورة الثالثة أو الرابعة.
فإذاً هناك في بحث المعاطاة جملة من الصور التي يمكن تصويرها يجب أن نلتفت إليها والنتائج المتعددة فيها، فهذه لابد من الالتفات إليها وهي قابلة للتصوير بخلاف ما اذا كانت من الأمور الخطيرة فإنَّ العرف يحاول أن يتشدد ويؤكد قطعاً لمادّة النزاع لأنَّ هذا الأمر خطير وهو مدعاة للتنازع بخلاف الأمور المتوسطة أو اليسيرة جداً، فوتيرة العرف في العقود في هذه الأقسام الثلاثة ليس على وتيرة واحدة، وهذه نقطة مرت بنا.
وهناك نقطة أخرى ذكرها الشيخ وذكرها الاعلام وهي أنَّ العقود اللازمة اللزوم فيها ذاتي كما مر ومعنى كون اللزوم ذاتي قد مرَّ وهو أنه ليس فقط في آلية الانشاء وإنما في المنشأ أيضاً، وهذه من ضمن النتائج التي مرت والتشقيقات السابقة، فعلى كل هذه هي جل المباحث في المعاطاة وننتقل إلى التنبيهات التي ذكرها الشيخ الانصاري في المعاطاة.
وطبعا اشكالية مبنى المشهور يعني محصل الذي نتبناه في تفسير رأي المشهور، يعني الحل مأخوذ فيه مجموع كلمات الاعلام كما مرَّ وأنَّ المعاطاة يمكن أن تقع على صور عديدة.
وقبل أن نبحث في التنبيهات نذكر هذا البحث: - هو أنه هل المعاطاة لازمة أو جائزة وهل هي صحيحة بيعاً أو لا؟ والجواب:- يوجد عندنا تفصلٌ وهذا التفصيل بتبع المشهور ليس تعبّدات خاصة كما مرَّ بنا وإنما هو من جانب أنَّ المعاطاة يمكن أن تقع على صور وشواكل عديدة، وخلاصة الرأي أو المختار كمحصلٍ في أصل المعاطاة قبل أن ندخل في التنبيهات هل المعاطاة صحيحة بيعاً أو ليست بيعاً لازمة أو غير لازمة سواء كان في البيع أو في عقود أخرى؟ وبكلمة واحدة:- يوجد فيها تفصيل، لأنَّ هذا المجموع بينها توليفات تكتشف فيرى أنها صحيحة وسديدة ولكن كمجموع تصير هي الصحيح، فالجامع هو هكذا في المقام وهذا ليس احتياطاً وإنما هو تفصيل، فهنا في خصوص المعاطاة الآن هو التفصيل وهو أنه إذا نوي البيع أي إذا قصد المتعاطيين الصورة الأولى - كشيءٍ اجمالي وليس حصراً - في الأمور اليسيرة فبمجرد المعاطاة العرف يرى أنَّ هذه ليست آلية إنشاء - أي مجرد الفعل - وإنما تحتاج إلى التصرف عرفاً، فالشيخ الانصاري يقول لا يقول هذا تعبد خاص ومتشرعي وكاشف عن الشرع كلا بل الصحيح في تفسير المعاطاة على مسلك المشهور وتفاصيلها أنها جمع في تأليف وتوليف القواعد الأولية في باب المعاملات، كيف هنا نجمع؟ نجمع هكذا ونقول كما مرَّ أن الفعل ليس انشاء وآلية لزوم عند العرف قولاً واحداً، وما هو البديل له عند العرف؟ التصرفات الملزمة والتي سيعقد لها الشيخ تنبيهاً مستقلاً خاصاً عن ملزمات المعاطاة.
إذاً بكلمة وهي أنه في كل مبحث المعاطاة أنَّ الفعل عند العرف ليس آلية لإنشاء اللزوم وإنما أنشاء اللزوم هو بحثٌ آخر، نعم لا مانع من أن يكون آليةً لإنشاء الاباحة وأما انشاء اللزوم عند العرف فهو إما بالقبض أو ما شاكل ذلك، مثلاّ كما أنَّ اللزوم في الهبة يحصل بالقبض كذلك هنا يحصل بالتصرفات الملزمة، هذا من جهة اللزوم في المعاطاة كما بينا ذلك في منهاج الصالحين، أما من جهة أصل الصحة في المعاطاة وأنها بيع أو ليس ببيع فالصحيح أنَّ العرف يوقع المعاطاة في موارد نقل الاعيان أو نقل المنافع في الاجارة أو المعاطاة في العقود اللزومية الأخرى العرف على صور يعني على أنواع في المسبَّب التي هي الصور الأربع التي مرَّ بنا تلخيصها اليوم، فإذا قصد المتعاطيين الملكية فهذه لن تكون ملكيةً فعليةً ولم تكن بيعاً وإنما هي صحة تأهلية ونتيجتها مثل الاباحة المالكية لأنه في البيع بنينا كما مر على ما ادعاه المشهور أو الشيخ الانصاري أنَّ اللزوم ذاتي في البيع، وما هو معنى اللزوم ذاتي في العقود اللازمة؟ إنَّ القائل الذي يتبنى أن الزوم ذاتي في العقود اللازمة يعني أنَّ الصحة الفعلية لا تنفك عن اللزوم، ولكن أي لزوم هو ذاتي للصحة ولا ينفك عن الصحة؟ قد فسره السيد اليزدي والآخوند بأنه نقل تمام خيوط سلطنة العين إلى الطرف الآخر، وهذا هو معنى اللزوم وهذا هو معنى البيع وفرقه عن الهبة، فالهبة كعقد من العقود الجائزة غير اللازمة تنفك فيها الصحة عن اللزوم فيمكن أن يسترد الواهب الهبة لأنه لم ينقل تمام خيوط الملكية، وأما في البيع فلا يصدق على المعاوضة أنها بيع إلا إذا نقل بالبائع المالك تمام خيوط الملكية إلى الطرف الآخر فإذا نقلها فهنا يوجد تلازم بين الصحة واللزوم وكلام الشيخ والمشهور صحيح وهو أنَّ اللزوم هو بهذا المعنى لا بالمعنى الذي ذكره الشيخ الانصاري، فاللزوم هنا لا ينفك عن الصحة، فبنقلك الصحيح لتمام خيوط السلطنة قد قطعت أيها المالك العلاقة بينك وبين العين، فصحة النقل هي لزوم النقل فيصير ذاتياً، فالنقل في البيع وفي الإجارة وفي القرض وفي العقود اللازمة الأخرى أنَّ الصحة تساوق اللزوم أي اللزوم بهذا المعنى الذي لا يتنافى مع وجود السلطنة على العقد وهو الخيار، فإنَّ اللزوم هو بهذا المعنى، واللزوم على أقل تقدير له ثلاث أو أربع معانٍ قانونية في كلمات المشهور وهذا احدها، فاللزوم يعني أنك أيها المالك تنقل جميع خيوط السلطنة إلى الطرف الآخر، ومن أحد معاني اللزوم هو اللزوم الحقي يعني تعهدك أنت للآخر فيصير هذا اللزوم والتعهد هو حقٌّ للآخر فلذلك سمي لزوماً حقياً أي يمكن أن يسقطه الطرف الآخر ويمكن فيه التقايل، وهناك لزوم حكمي وهو أنَّ الشارع يحكم باللزوم كما في الهبة بعد التصرف المغيّر للعين فهنا الشرع يحكم بأنَّ الهبة لازمة فلا يستطيع الواهب أن تستردها، أو في النكاح فإنَّ الشارع لا يجوّز خيار الفسخ فيه فهذا لزوم حكمي من نمطٍ رابع، فالمهم أنَّ اللزوم أنماط وكلامنا الآن في تفسير كلام المشهور أو كلام الشيخ أنَّ اللزوم ذاتي للبيع أو أنَّ العقود لازمة فأيَّ لزوم يقصدونه؟ إنه بمعنى نقل خيوط السلطنة إلى الطرف الآخر، والصحة الفعلية فيه طبعاً هي ملازمة للزوم.
فإذا اتضح هذا المطلب الذي هو في لبّ بحث المعاطاة فإذاً يوجد حقٌّ للمشهور في ان يقولوا بهذا وعليه تصير الصحة تأهلية بين المعاطاة وبين ملزمات المعاطاة، لأنَّ الفعل ليس آلية انشاء للزوم بهذا المعنى، فإذاً تصور أنَّ هذه المعاطاة هي انشاء للصحة التأهلية ممكن والصحة التأهلية تنفك عن اللزوم، فمثلاً البيع اللزوم بهذا المعنى فيه ذاتي فإنه يوجد تلازم بين اللزوم بهذا المعنى وبين الصحة الفعلية لا الصحة التأهلية، ولذلك في عقد الفضولي - الذي سيأتي إن شاء الله بحثه بعد المعاطاة – فيه صحته تأهلية، وسننقل كلام الاعلام وتحقيقاتهم أنَّ الصحة التأهلية ليست هي هباءً منثوراً ولا معنى لها وإنما هي في قبال الفساد الذاتي للمعاملة، فمثلاً القمار فساده ذاتي، وكذلك الربا المعاوضي هو معاوضة ذاتاً فاسدة وليست قابلة للتصحيح، والمعاملة الغررية في البيع والاجارة فسادها ذاتي أيضاً وغير قابلة للتصحيح بينما الصحة التأهلية هو أنها قابلة للتصحيح فإنَّ الصحة التأهلية لها آثار كبيرة ومهمة، وحينئذٍ يكون مبنى المشهور صحيح على القواعد.