« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الرميتي
بحث الفقه

47/04/02

بسم الله الرحمن الرحيم

القضاء (5)

الموضوع: القضاء (5)

 

قول الماتن: (وإن كان تحكيماً)

 

لا فرق في هذه الشَّرائط بين القاضي المنصوب، وبين قاضي التَّحكيم، إلَّا في شرط الاجتهاد، فإنَّه شرط في قاضي المنصوب دون قاضي التَّحكيم عندنا، وعند جماعة من الأعلام.

وسيأتي الكلام بالتَّفصيل -إن شاء الله تعالى- حول قاضي المنصوب، وقاضي التَّحكيم، والفرق بينهما من حيث الأحكام، نذكر ذلك -إن شاء الله تعالى- قريباً عند ذكر المصنِّف (رحمه الله) لهما.

 

قول الماتن: (والإيمان)

 

من جملة الشَّرائط أن يكون القاضي مؤمناً، فلا يكون ينفذ قضاء الكافر؛ إذ لم يجعل الله له سبيلاً على المؤمن.

ولا ينفذ أيضاً قضاء غير المؤمن للتَّسالم بين الأعلام، ولما تواترت الرِّوايات من النَّهي عن المرافعة إلى قضاتهم.

وفي الجواهر: (بل هو من ضروريَّات الدِّين).

أقول: ويدلُّ على ذلك -مضافاً لما ذكر-: صحيحة أبي خديجة الآتية (ولكنِ انظروا إلى رجل منكم...)، أي: من المؤمنين الموالين لأهل البيت (عليه السلام).

وكذا رواية عمر بن حنظلة الآتية أيضاً (قال: سألتُ أبا عبد الله ( عليه السلام ) عن رجلَيْن من أصحابنا، بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السُّلطان أو إلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ فقال: مَنْ تحاكم إليهم في حقٍّ أو باطلٍ، فإنَّما تحاكم إلى طاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سُحتاً وإن كان حقّه ثابتاً؛ لأنَّه أخذه بحكم الطَّاغوت، وقد أمر الله أن يكفر به...).

وهي ضعيفة بعدم وثاقة عمر بن حنظلة.

والرِّواية الواردة في وثاقته ضعيفة بعدم وثاقة يزيد بن خليفة.

 

قول الماتن: (والعدالة)

 

من جملة الشَّرائط أن يكون القاضي عادلاً؛ وذلك للتَّسالم بينهم، كما عرفت.

وتدلُّ عليه أيضاً: صحيحة سُليمان بن خالد الآتية -إن شاء الله تعالى- عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قال: اِتّقوا الحكومة، فإنَّ الحكومة إنَّما هي للإِمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبيّ، أو وصيّ نبيٍّ).

وقدِ استُدلّ أيضاً: برواية عمر بن حنظلة، حيث ورد فيها (الحكم ما حكم به أعدلهما...).

ولكنَّها ضعيفة، كما عرفت.

وقدِ استُدلّ أيضاً: بمعتبرة موسى بن أكيل عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قال: سُئل عن رجل يكون بينه وبين أخٍ منازعة في حقّ، فيتّفقان على رجلَيْن يكونان بينهما، فحكما فاختلفا فيما حكما، قال: وكيف يختلفان؟ قلتُ: حكم كلّ واحدٍ منهما للَّذي اختاره الخصمان، فقال: ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين الله، فيمضي حكمه)[1]

وذُبيان بن حكيم المذكور في السَّند هو من المعاريف، على ما يظهر من كلام النَّجاشيّ.

وقد ذكره في ترجمة أحمد بن يحيى بن حكيم.

وقدِ استُدلّ أيضاً: بالأولويَّة من اعتبار العدالة في إقامة الجماعة والشَّاهد؛ إذِ القضاء من المناصب الجليل.

والأمر سهل.

 

قول الماتن: (وطهارة المولد)

 

من جملة الشَّرائط أن يكون طاهر المولد، فلا ينعقد القضاء لولد الزِّنا؛ للتَّسالم بينهم، كما تقدَّم، حتَّى أنَّ إمامته للجماعة وشهادته ممنوعتان، فالقضاء أولى.

ويؤيِّده: أنَّ طباع النَّاس تنفر منه.

 

قول الماتن: (وأن يغلب حفظه نسيانه)

من جملة الشَّرائط ما ذكره جماعة من الأعلام، وهو أن لا يغلب عليه النِّسيان.

ويترتِّب على ذلك: أنَّه يجوز أن يتولَّى ذلك المساوي -أي: يتساوى حفظه ونسيانه-.

وعبَّر المصنِّف (رحمه الله) هنا، وبعض الأعلام، بأن يغلب حفظه نسيانه، فيخرج حينئذٍ المساوي.

أقول: هذا الشَّرط لا يحتاج إليه؛ لأنَّ عدالته تقتضي تجنُّب ما يحتمل فيه النِّسيان، وأنَّه لا يقضي إلَّا بما هو ضابط له بكتابة، ونحوها.

ولا يشترط أن يكون حافظاً للمسألة، بل يكفيه الرُّجوع إلى ما كتبه في الدَّفتر، ونحوه.

بل ربّما كان قضاؤه أضبط من قضاء غيره.

وبالجملة، فإنَّ عدالته تمنعه من الحكم إلَّا بعد تذكُّر المنسيّ، ولو بالرُّجوع إلى ما كتبه.

نعم، لو كان كثير الغلط والاشتباه، ولا يعلم به، فلا يصحّ أن يكون قاضياً؛ لعدم الوقوف بما يزعم أنَّه مضبوط له، وعدم الوثوق بما ينقله من فتاواه وأخباره.

 

قول الماتن: (والكتابة)

 

ذهب كثير من الأعلام إلى أنَّه يشترط في القاضي العلم بالكتابة قراءةً وكتبةً.

منهم الشَّيخ (رحمه الله) في المبسوط، وابن إدريس (رحمه الله)، والمحقِّق الحليّ (رحمه الله)، وفخر المحقِّقين (رحمه الله)، والمصنِّف (رحمه الله)، والشَّهيد الثَّاني (رحمه الله)، والعلَّامة (رحمه الله) في الإرشاد، وغيرهم من الأعلام.

وتردّد جماعة من الأعلام، منهم المحقِّق الأردبيليّ (رحمه الله)، والسَّبزواريّ (رحمه الله) في الكفاية.

وذهب النَّراقي ووالده (رحمهما الله) إلى عدم الاشتراط.

أقول:

أمَّا مَنْ ذهب إلى عدم الاشتراط، فقدِ استدلّ:

أوّلاً: بالأصل، أي: الأصل عدم الاشتراط.

وثانياً: بأنَّها غير معتبرةٍ في النُّبوّة الَّتي هي أكمل المناصب، ومنها تتفرّع الأحكام والقضاء، وأنَّ النَّبيّ (صلى الله عليه وآله) قاضي الكلّ مع فَقْده فيه؛ لأنَّه (صلى الله عليه وآله) كان أُميّاً لا يحسنها، كما نبَّه عليه تعالى بقوله: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ۖ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾[العنكبوت: 48].

وأمَّا مَنْ ذهب إلى الاشتراط، فقدِ استدلّ: بأنَّ القاضي قد يضطرّ إلى معرفة الوقائع والأحكام الَّتي لا يتيسّر ضبطها غالباً إلَّا بالكتابة.

وأمَّا النَّبيّ (صلى الله عليه وآله)، فهو محفوظ بالعصمة المانعة من السَّهو والغلط الرَّافعة للاحتياج إليها.

أقول: قد عرفت سابقاً أنَّ الدَّليل على وجوب القضاء هو العقل، وهو دليل لُبِّيّ يُقتصر فيه على القدر المتيقّن، وهو ما كان مشتملاً على الكتابة، وبالأخصّ أنَّ الأصل عدم نفوذ حكم العاجز عن الكتابة.

وأمَّا الاستدلال على عدم الاشتراط بإطلاق دليل النَّصب في نائب الغيبة، ففي غير محلِّه؛ لعدم ثبوت إطلاق الدَّليل اللَّفظيّ الدَّالّ على النَّصب في عصر الغيبة، كما سيأتي -إن شاء الله تعالى-.

وأمَّا مسألة أنَّ النَّبيّ (صلى الله عليه وآله) كان أميّاً، فقد ذكر جماعة من الأعلام أنَّه كان أُميّاً، فقد ذكر جماعة من الأعلام أنَّه كان عالماً بالكتابة بعد البعثة، صرَّح بذلك الشَّيخ (رحمه الله) في المبسوط، وابن إدريس (رحمه الله) في السَّرائر، والعلَّامة (رحمه الله) في التَّحرير، وصاحب كشف الرُّموز (رحمه الله).

أقول: ذكر الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله) في العِلل جملةً من الرِّوايات الدَّالّة على أنَّه (صلى الله عليه وآله) كان يقرأ ويكتب:

منها: رواية جعفر بن مُحمّد الصّوفيّ (قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الرِّضَا (عليه السلام)، فَقُلْتُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللهِ، لِمَ سُمِّيَ النَّبِيُّ الْأُمِّيَّ؟ فَقَالَ: مَا يَقُولُ النَّاسُ؟ قُلْتُ: يَزْعُمُونَ أَنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ الْأُمِّيَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ أَنْ يَكْتُبَ، فَقَالَ (عليه السلام): كَذَبُوا، عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللهِ، أَنَّى ذَلِكَ، وَاللَّهُ يَقُولُ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ}، فَكَيْفَ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ مَا لَا يُحْسِنُ، وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) يَقْرَأُ وَيَكْتُبُ بِاثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ، أَوْ قَالَ: بِثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ لِسَاناً، وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْأُمِّيَّ لِأَنَّهُ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَمَكَّةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الْقُرَى، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها﴾[2] .

وهي ضعيفة؛ لجهالة جعفر بن مُحمّد الصُّوفيّ.

ومثلها: بتفاوت يسير مرفوعة عليّ بن حسَّان، وعليّ بن أسباط، وغيره، رفعه عن أبي جعفر (عليه السلام)[3]

ولكنَّها ضعيفة بالرفع.

نعم، هناك روايتان في العِلل معتبرتان دالّتَيْن على أنَّه (صلى الله عليه وآله) كان يقرأ ولا يكتب:

الأُولى: صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قَالَ كَانَ النَّبِيُّ (صلى الله عليه وآله) يَقْرَأُ الْكِتَابَ، وَلَا يَكْتُبُ)[4]

الثَّانية: معتبرة الحسن بن زياد الصَّيقل (قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كَانَ مِمَّا مَنَّ اللَّهُ عَزَّوَجَلَّ بِهِ عَلَى نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله) أَنَّهُ كَانَ أُمِّيّاً لَا يَكْتُبُ، وَيَقْرَأُ الْكِتَابَ)[5]

والإنصاف: أنَّ المسألة تحتاج إلى مزيد من التَّحقيق والتَّدقيق والتَّفريق بين مسألتَيْن، بين عدم وقوع الكتابة منه (صلى الله عليه وآله)، وبين عدم معرفته بها، خاصّةً وأنَّ النَّبيّ (صلى الله عليه وآله) أكمل البشر وأعلمهم، ومؤيِّد بالوحي، وبما أنَّ ذلك يحتاج إلى بحوث مطوَّلة لا يسعها هذا المقام، فإنَّنا نكتفي بهذا القدر.


[1] الوسائل باب9 من أبواب صفات القاضي ح45.
[2] علل الشَّرائع: باب105، العلَّة الَّتي من أجلها سُمّي النَّبيّ (صلى الله عليه وآله)، ح1.
[3] علل الشَّرائع: باب105، العلَّة الَّتي من أجلها سُمّي النَّبيّ (صلى الله عليه وآله)، ح2.
[4] علل الشَّرائع: باب105، العلَّة الَّتي من أجلها سُمّي النَّبيّ (صلى الله عليه وآله)، ح6.
[5] علل الشَّرائع: باب105، العلَّة الَّتي من أجلها سُمّي النَّبيّ (صلى الله عليه وآله)، ح7.
logo