« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الرميتي
بحث الفقه

47/03/30

بسم الله الرحمن الرحيم

القضاء (3)

الموضوع: القضاء (3)

 

الأمر الخامس: من المعروف بين الأعلام أنَّه لا يجب على القاضي أن يقضي بين المتخاصمين إلَّا بعد التَّرافع إليه -سواء قلنا: بوجوب القضاء عليه عيناً، أم كفايةً-.

وعليه، فلا يجب بدون التَّرافع؛ وذلك للأصل، وعدم الدَّليل على الوجوب.

ويترتِّب على ذلك: أنَّه لا يجب عليه الفحص عن وجود التَّخالف والتَّنازع بين النَّاس، ولا عليه المحاكمة لو علمه، ولم يترافع إليه.

نعم، لو علم وجود النِّزاع والتَّشاجر، وعلم ظلم أحدهما للآخر عدواناً أو جهلاً بالمسألة، وجب عليه رفع النِّزاع بأيّ نحوٍ كان من باب النَّهي عن المنكر، وكذا لو علم ترتُّب منكرٍ آخر على تنازعهم.

وهذا نظير ما ذكره الأعلام في باب الشَّهادات، حيث ذكروا أنَّ وجوب أداء الشَّهادة يختصّ بما إذا أُشهد، ومع عدم الإشهاد فهو كالخيار إن شاء شهد، وإن شاء لم يشهد.

نعم، إذا كان أحد طرفي الدَّعوى ظالماً للآخر وجب أداء الشَّهادة لدفع الظُّلم، وإن لم يكن إشهاد؛ وذلك من باب النَّهي عن المنكر.

مضافاً لصحيحة مُحمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: إذا سمع الرَّجل الشَّهادة ولم يشهد عليها فهو بالخيار، إن شاء شهد، وإن شاء سكت، وقال: إذا أشهد لم يكن له إلَّا أن يشهد)[1]

ثمَّ إنَّه لو ترافع الخصمان إلى القاضي، أو طلب التَّرافع أحدهما، فيجب عليه القضاء عيناً مع الانحصار به، وكفايةً مع التّعدُّد وعدم الانحصار، ولا يجب عليه القضاء عيناً مع التّعدُّد باختيار المترافعين أو المدَّعي إيَّاه؛ للأصل، وعدم الدَّليل.

نعم، لو لم يعلما التّعدُّد، أو لم يعلم أحدهما، يجب عليه أحد الأمرَيْن: إمَّا القضاء، أو الإرشاد إلى التّعدُّد.

ولو لم يرضيا أو المدَّعي منهما بالتَّرافع إلى غيره، فإن كان ذلك لادِّعائهما أو ادِّعاء أحدهما عدم أهليَّة الغير، فيجب عليه القضاء عيناً إن لم يمكن ردعهما عن اعتقادهما، وإن أمكن الرَّدع فيجب عليه إمَّا إثبات أهليَّة الغير للقضاء أو الحكم.

الأمر السَّادس: هل يجب القضاء -سواء قلنا: بالوجوب العينيّ، أو الكفائيّ- بعد التَّرافع إليه على الفور، أم يجوز التَّراخي؟

والإنصاف: أنَّه لا دليل على الفوريَّة، لاسيَّما ما ورد في بعض قضايا أمير المؤمنين (عليه السلام) من تأخير الحكم إلى ما بعد الصَّلاة، أو إلى الغد.

نعم، لا يجوز التَّأخير إلى حدٍّ يوجب ضياع حقِّ الغير.

الأمر السَّابع: من المعلوم أنَّه إنَّما يجب القضاء على القاضي -سواء قلنا: بالوجوب العينيّ، أو الكفائيّ- مع احتمال نفوذ حكمه، وعدم الظَّنّ بالضَّرر الرَّاجع إليه، أو إلى مَنْ يتعلَّق به فيما لو قضى، وإلَّا فلا يجب، كما لا يخفى.

الأمر الثَّامن: اِعلم أنَّ القاضي يغاير المفتي والمجتهد والفقيه بالحيثيَّات، وإن كانت الأوصاف المذكورة مجتمعةً فيه.

فإنَّ القاضي يسمِّي قاضياً باعتبار حكمه وإلزامه، وباعتبار مجرّد الإخبار والإعلام يُسمّى مفتياً، وباعتبار مجرّد الاستدلال يُسمّى مجتهداً، وباعتبار علمه بأنَّ ما ظنَّه حكم الله في حقِّه يُسمّى فقهيّاً، وعالماً بالعلم القطعيّ.

ومن هنا، اشتهر أنَّ ظنيّة الطَّريق لا تنافي قطعيّة الحكم، أي: الحكم الظَّاهريّ.

وأمَّا الحكم الواقعيّ في عصر المتأخِّرين ومتأخِّري المتأخِّرين، فهو غالباً مظنوناً الانسداد باب العلم غالباً في حقِّهم.

وقد بيّنا ذلك بالتَّفصيل في علم الأصول.

الأمر التَّاسع: الفرق بين الحكم وبين الفتوى:

تارةً: يكون في الموضوع.

وأُخرى: في الحكم.

أمَّا من حيث الموضوع، فالفتوى عبارة عن بيان الحكم على نحو القضيَّة الحقيقيَّة، مع فرض وجود الموضوع من دون نظرٍ إلى وجوده في الخارج، كما في مثال وجوب الحجّ، فيفتي بوجوبه، فيقول: منِ استطاع فيجب عليه الحجّ، سواء أكان هناك مستطيع في الخارج أم لا.

وهكذا غيره من الأمثلة.

وأمَّا القضاء، فهو بيان الحكم القضيَّة الخارجيَّة، فيقول: هذه المرأة زوجة زيد مثلاً، أو أنَّ هذه الدَّار لزيد مثلاً لا لعَمْرو، وهكذا..

ومن المعلوم أنَّ بيان الحكم للموضوع الخارجيّ لا ربط له بالقضيَّة الحقيقيَّة، فالقضيَّة في الفتوى قضيَّة حقيقيّة، وفي القضاء قضيَّة خارجيّة.

هذا من حيث الموضوع.

وأمَّا من حيث الحكم، فالفتوى ليس نافذةً إلَّا في حقّ مَنْ يجب عليه تقليد هذا المفتي؛ لكونه أعلم مثلاً.

وأمَّا باقي النَّاس الَّذين يقلِّدون غيره، فليست نافذةً في حقِّهم.

وهذا بخلاف القضاء، فإنَّه نافذ في حقّ كلّ أحدٍ، فإنَّه إذا حكم بأنَّ هنداً مثلاً زوجة فلان، فإنَّه يجب على جميع النَّاس الالتزام بحكمه حتَّى على المجتهدين الآخرين، بل حكمه نافذ في القارات الخمس.


[1] الوسائل باب5 من أبواب الشَّهادات ح4.
logo