« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الرميتي
بحث الفقه

47/03/29

بسم الله الرحمن الرحيم

القضاء (2)

الموضوع: القضاء (2)

 

الأمر الثَّالث: في فَضْل القضاء، وشرفه.

ومن المعلوم أنَّ القضاء منصب عظيم، وشرفه جسيم، ولعلوّ مرتبته وسموّ شأنه جعل الله سبحانه وتعالى تولية ذلك إلى الأنبياء والأوصياء من بعدهم (عليهم السلام).

ثمَّ إلى مَنْ يحذو حذوهم، ويُقتدى بهم، من العلماء الآخذين علومهم منهم (عليهم السلام) المأذونين من قِبلهم بالحكم بين النَّاس بقضائهم (عليهم السلام).

وكفى بجلالة قدره تولية النَّبيّ (صلى الله عليه وآله) إيَّاه بنفسه الشَّريفة لأُمّته، ثمَّ تفويضه إلى سيِّد الأوصياء من بعده، ثمَّ إلى أوصيائه بالقائمين مقامه (صلى الله عليه وآله)، وخصَّصهم بذلك، دون سائر النَّاس.

ففي حسنة سُليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قال: اِتّقوا الحكومة، فإنَّ الحكومة إنَّما هي للإِمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، لنبيّ أو وصيّ نبيٍّ)[1] .

وهي حسنة بطريق الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله)، وإن كانت ضعيفة بطريق الكلينيّ.

وقد عرفت أنَّ القضاء غُصن من شجرة الرِّئاسة العامَّة للنَّبيّ (صلى الله عليه وآله)، وخلفائه (عليهم السلام).

والأصل في مشروعيَّته الكتاب المجيد؛ وذلك في عدَّة من الآيات الشَّريفة:

والَّتي منها: قوله تعالى في سورة ص: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26].

حيث دلَّت صريحاً على شرعيَّة الحكم بين النَّاس، بمعنى فصل الخصومات الواقعة فيما بينهم، وقطع المنازعات؛ لأنَّ الحكم بين النَّاس لا معنى له سوى الحكومة بالمعنى المبحوث عنه، أعني: فصل الخصومات.

ولكن سوف يتَّضح لك قريباً أنَّ الآيات الكريمات الواردة في المقام هي للإرشاد إلى حكم العقل.

ثمَّ إنَّه لعظم شأن القضاء جعل الله يده فوق رأس الحاكم، وأهبط الملك يسدِّده.

ففي معتبرة السَّكونيّ عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يد الله فوق رأس الحاكم تُرفرف بالرَّحمة، فإذا حاف وكَّله الله إلى نفسه)[2] .

الأمر الرَّابع: المعروف بين الأعلام أنَّ القضاء واجب كفائيّ، بل عن جماعة من الأعلام دعوى الإجماع عليه.

وفي المستند للنَّراقيّ (رحمه الله): (القضاء واجب على أهله، بحقِّ النِّيابة للإمام في زمان الغيبة في الجملة بإجماع الأمَّة، بل الضَّرورة الدِّينيّة، لتوقُّف نظام نوع الإنسان عليه...)[3]

قال الشَّهيد الثَّاني (رحمه الله) في المسالك: (وظيفة القضاء من فروض الكفاية؛ لتوقُّف نظام النَّوع الإنسانيّ عليه، ولأنَّ الظُّلم من شيم النُّفوس، فلابدّ من حاكم ينتصف للمظلوم من الظَّالم، ولما يترتَّب عليه من الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر...)[4]

وذكر نحوه صاحب الرِّياض (رحمه الله).

ويرد عليه: أنَّ ذلك من باب قاعدة اللُّطف المقتضية نصب الإمام المتوقِّف عليه استقامة نظام نوع الإنسان، وليس هو من الواجب الكفائيّ بالمعنى المصطلح عليه.

والإنصاف: أن يستدلّ لذلك: بأنَّ وجوب القضاء، وفصل الخصومات، ورفع المنازعات من المستقلَّات العقليَّة الَّتي يستقلّ العقل بها بعد حكمه بوجوب حفظ نظام نوع النَّاس وبقائه، أي: أنَّ شرعيَّة أصل القضاء معلومة بالعقل المستقلّ، أي: أنَّ ذلك من المستقلَّات العقليَّة.

ويستكشف من ذلك: وجوب القضاء شرعاً من باب الملازمة العقليَّة، أي: كلَّما حكم به العقل حكم به الشَّرع.

ومن المعلوم أنَّ الحكم العقليّ هنا واقعٌ في سلسلة علل الحكم الشَّرعيّ، لا في سلسلة المعلولات.

ولكنَّ ذلك الحكم العقليّ هو على نحو الموجبة الجزئيَّة، بمعنى أنَّ حكمه بوجوب وجود القاضي والحاكم إنَّما هو في الجملة؛ لأنَّه دليل لُبّيّ.

وأمَّا حكمه بوجوب القضاء على الجميع، أو على البعض المعيّن، فلا.

لا يُقال: إنَّه لا يمكن الإجمال في الحكم العقليّ؛ لأنَّ العقل لا يحكم إلَّا بعد وضوح تمام الموضوع مع عدم مزاحمته بشيءٍ.

فإنَّه يُقال: هذا صحيح، فإنَّه لا إجمال هنا في حكم العقل، لا في موضوع حكمه، ولا في محموله.

نعم، الإجمال في مصاديق الموضوع، وهذا لا محذور فيه.

وبعبارة أُخرى: الَّذي يقضي به العقل أن يكون شخص قاضياً بين النَّاس مع عدم ترتُّب المفسدة على قضائه، ولمَّا لم يتشخّص عنده هذا الشَّخص، ولا يدرك مصاديقه، فتعيينه موكول إلى الشَّارع المقدَّس، فتعيين الشَّرّع شخصاً للقضاء تشخيص لموضوع حكم العقل.

وعليه، فإن تعيّن من الشَّارع المقدَّس فهو المتّبع، وإلَّا فإن كان في المكلَّفين شخص متَّفق عليه وجب الاقتصار عليه؛ لأنَّ الضَّرورة تقدّر بقدرها، وإلَّا وجب على المكلَّفين جميعاً وجوباً عقليّاً كفائيّاً؛ لاستحالة التَّعيين المستلزم للتَّرجيح بلا مرجّح.

وهذا أصل عقليّ مطّرد في جميع الأمور الحسبيّة القاضي بإقامتها العقل المستقلّ، مثل المحافظة على النُّفوس، والأموال الضَّائعة، ونحوها من الأمور الحسبيَّة.

فإنَّ الضَّابط فيها: ما ذكرنا من اتِّباع التَّعيين الشَّرعيّ للمقيم بها، ومع عدم التَّعيين الشَّرعيّ فالاقتصار على الشَّخص المتَّفق عليه، ومع التَّساوي فالوجوب الكفائيّ.

وبالجملة، فإنَّ وجوبه على نحو الكفاية إنَّما هو إذا أمكن قيام غيره مقامه، ولم يعيّنه عليه الإمام، وإلَّا كان وجوبه عينيّاً كغيره من فروض الكفايات إذا لم يحصل منها إلَّا فرد واحد، فإنَّها تصير عينيَّةً، وانحصار الوجوب في الفرد الواحد بالعرض لا يوجب الوجوب العينيّ المحض.

وقدِ اتّضح ممَّا تقدَّم: أنَّ الآيات الكريمات المستدلّ بها على وجوب القضاء، كقوله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾[ص: 26] -الآية-.

وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾[النّساء: 105]، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾[المائدة: 49].

هي للإرشاد إلى حكم العقل، وليس الوجوب فيها مولويّاً.

ويترتّب على ما ذكرنا: أنَّ المتفرِّع على جعله خليفةً في الآية الأُولى هو كون الحكم بين النَّاس على نحو الحقِّ، بأن تكون شرعيَّة أصل الحكم له معلومةً بالعقل المستقلّ، ويكون الغرض من التَّفريع كون الحكم بالحقِّ في حقِّ الخلفاء، والله العالم.


[1] الوسائل باب3 من أبواب صفات القاضي ح3.
[2] الوسائل باب9 من أبواب آداب القاضي ح1.
[3] المستند: ج17، ص10.
[4] المسالك: ج13، ص336.
logo