47/03/23
الاعتكاف (30)
الموضوع: الاعتكاف (30)
قوله: (ولو عيَّن شهراً، ولم يعلم به حتَّى خرج قضى، ولا كفَّارة)
المعروف بين الأعلام: أنَّه إذا نذر اعتكاف شهر معيّنٍ -كرجب مثلاً- ولم يعلم به، كالمحبوس والنَّاسي، قضاه.
وفي المدارك: (هذا الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب)[1] ، وفي الجواهر: (قضاه بلا خلاف...)[2]
أقول: العمدة في وجوب القضاء هو التَّسالم بين الأعلام قديماً وحديثاً، وإلَّا فالدَّليل اللَّفظيّ -وهو النَّبويان المتقدِّمان (اقضِ ما فات كما فات)، (ومَنْ فاتته فريضة فَلْيقضها كما فاتته)- ضعيف بالإرسال، فراجع ما ذكرناه.
* * *
قول الماتن: (ولو اشتبه: فالظَّاهر التَّخيير، وكذا لو غمَّت الشُّهور عليه)
ذكر المصنِّف (رحمه الله) وجماعة من الأعلام: أنَّه لو اشتبه عليه الشَّهر الَّذي عيّنه عند النَّذر، أو غمَّت عليه الشُّهور لحبس أو أسر، فيتخيَّر بين موارد الاحتمال.
وذكر بعضهم أنَّه يعمل بالظَّنّ أوّلاً، ومع عدمه يتخيَّر بين موارد الاحتمال.
أقول: أمَّا العمل الظَّنّ -إن حصل له ظنّ- فلا دليل عليه، والأصل عدم حجيَّة الظَّنّ، إلَّا ما قام عليه دليل بالخصوص.
نعم، ثبت ذلك في خصوص شهر رمضان، كما في صحيحة عبد الرَّحمان بن أبي عبد الله عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قال: قلتُ له: رجل أسرته الرُّوم، ولم يصحَّ له شهر رمضان، ولم يدرِ أيِّ شهرٍ هو؟ قال: يصوم شهراً يتوخَّى ويحسب، فإن كان الشَّهر الَّذي صامه قبل شهر رمضان لم يجزه، وإن كان بعد شهر رمضان أجزأه)[3] .
ولكنَّها مخصوصة بشهر رمضان، ولا يمكن التّعدِّي إلى غيره، إلَّا على نحو القياس الباطل.
وأمَّا صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: قال أبو جعفر (عليهالسلام): يجزئ التَّحرِّي أبداً إذا يعلم أين وجه القبلة)[4]
فهو أيضاً مخصوص بباب القبلة إذا اشتبهت عليه.
وأمَّا ما ذكره المصنِّف (رحمه الله) من التَّخيير بين موارد الاحتمال، فليس تامّاً، بل يجب عليه الاحتياط عقلاً لتنجيز العلم الإجماليّ.
وعليه، فيعمل بالاحتياط إلى أن يبلغ حدّ الحرج، بحيث يقطع معه بسقوط التَّكليف للحرج.
وممَّا ذكرنا يتَّضح لك: عدم صحَّة ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله)، حيث قال: (فليس حينئذ إلَّا التَّوخِّي، ومع عدمه فالتَّخيير، لأنَّهما أقرب طرق الامتثال، على أنَّه شهر معيّن قد وجب صومه ولو للاعتكاف، ولا خصوصيَّة لشهر رمضان...)[5] ، والله العالم.
قول الماتن: (ولو أطلق الشَّهر كفاه الهلاليّ والعدديّ)
إذا نذر اعتكاف شهر، ولم يعيّنه، فقد ذكر المصنِّف (رحمه الله) أنَّه يكفيه الهلاليّ والعدديّ.
ولكنَّ الإنصاف: أنَّه يتعيّن الشَّهر الهلالي؛ لأنَّ الشَّهر حقيقة في ذلك لغةً وعرفاً، كما تقدم في بعض المناسبات، فهو حقيقة فيما بين الهلالين.
وعليه، فلا يجزئ الملفَّق من نصفي شهرٍ أو أكثر، وإن كان ثلاثين لعدم صدق الشَّهر عليه؛ لأنَّه حقيقة فيما بين الهلالَيْن.
قول الماتن: (وكذا لو عيَّن العشر الأخير كفاه التِّسع لو نقص)
لو عيّن العشر الأخير من شهر رجب مثلاً كفاه أن يعتكف تسعة أيامٍ إذا كان الشَّهر ناقصاً؛ لانطباق المأتيّ به على المأمور به.
قول الماتن: (ولو مات قبل القضاء بعد التّمكُّن وجب على الوليّ قضاؤه عند الشَّيخ، والرِّواية لا دلالة فيها إلَّا على قضاء الصَّوم، وجوَّز الفاضل الاستنابة فيه للوليّ)
لو مات مَنْ وجب عليه الاعتكاف قبل القضاء، أي قبل الإتيان به بعد التّمكُّن منه، وجب على الوليّ قضاؤه عند الشَّيخ (رحمه الله).
وعبارة الشَّيخ (رحمه الله) في المبسوط هكذا: (مَنْ مات قبل انقضاء مدَّة اعتكافه في أصحابنا مَنْ قال: يُقضى عنه وليُّه، أو يخرج من ماله، إلى مَنْ ينوب عنه قدر كفايته؛ لعموم ما روي من أنَّ مَنْ مات، وعليه صوم واجب وجب على وليِّه أن يُقضى عنه أو يتصدَّق عنه...)[6] .
ولا يخفى عليك أنَّه لا دلالة لهذا الكلام على أنَّ وجوب القضاء على الوليّ هو للشَّيخ (رحمه الله)، بل هو لغيره، حيث قال: (في أصحابنا مَنْ قال: يُقضى عنه وليُّه...).
ثمَّ إنَّ عبارة الشَّيخ (رحمه الله) يجب تقييدها -كما عن الشَّهيد الثَّاني (رحمه الله)-: (بما إذا كان قدِ استقرّ في ذمّته قبل ذلك، أو تمكَّن من قضائه، فلم يفعل، كما هو المعتبر في الصَّوم، وإلَّا لم يتَّجه الوجوب على الوليّ؛ إذ ليس للاعتكاف نصّ على الخصوص...)[7] .
أقول: حتَّى بعد إصلاح عبارة الشَّيخ (رحمه الله) لا دليل على وجوب القضاء على الوليّ.
وما ذكره الشَّيخ (رحمه الله) من عموم ما روي: (أنَّ مَنْ مات وعليه صوم واجب على وليِّه أن يُقضى عنه أو يتصدَّق عنه...)، إنَّما يدلّ على وجوب قضاء الصَّوم الواجب بالأصالة.
وأمَّا هنا، فالواجب هو الاعتكاف، والصَّوم شرط في صحّته.
وبعبارة أخرى: الواجب عبادة أُخرى، والصَّوم شرط في صحَّتها، فلا يشمله قوله (عليه السلام): (مَنْ مات، وعليه صوم واجب على وليّه، أن يُقضى عنه).
نعم، لو كان المنذور الصَّوم معتكفاً وجب على الوليّ قضاؤه؛ لأنَّ الواجب حينئذٍ عليه هو الصَّوم، ويكون الاعتكاف واجباً من باب المقدِّمة.
وأمَّا ما نحن فيه، فليس الأمر كذلك؛ لأنَّه نذر الاعتكاف بالأصالة، وكان الصَّوم شرطاً في صحّته، فلا يشمله الدَّليل.
والخلاصة: أنَّه لا دليل على وجوب قضاء الاعتكاف على الوليّ؛ لأنَّ الواجب على الوليّ قضاء الصَّلاة والصَّوم عن الميِّت لا جميع ما فاته من العبادات.