« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الرميتي
بحث الفقه

47/03/22

بسم الله الرحمن الرحيم

الاعتكاف (29)

الموضوع: الاعتكاف (29)

 

قول الماتن: (إلَّا أن يكون قد شرط فيه التَّتابع، فيجب الاستئناف على قول)

 

إذا شرط التَّتابع لفظاً، فقد ذكر المصنِّف (رحمه الله) أنَّه يجب عليه الاستئناف على قول، وهو قول الشَّيخ (رحمه الله) في المبسوط، بل هو قول كثير من الأعلام.

ومرادهم بالاستئناف: أن يقضيها؛ لعدم الإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب شرعاً.

ومنهم المصنِّف (رحمه الله) هنا في الدُّروس.

ثمَّ إنَّه قبل الخوض في هذه المسألة، اِعلم أنَّ المراد بتعيين الأيام حصرها في زمان معيّن، كالعشر الأُولى من شهر رجب مثلاً.

ولا يخفى عليك: أنَّ هذا يقتضي التَّتابع معنى.

فقول العلماء: إن شرط التَّتابع، إنَّما يريدون به اشتراطه لفظاً، وهو لا يفيد مع تعيين الزَّمان إلَّا مجرَّد التَّأكيد عليه؛ لأنَّ التَّعيين -كالعشر الأُولى من شهر رجب- يفيد التَّتابع المعنويّ.

إذا عرفت ذلك، فقد ذهب كثير من الأعلام إلى وجوب الاستئناف عند الإخلال بالتَّتابع المشروط لفظاً.

ومرادهم: القضاء؛ وذلك لعدم الإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب شرعاً.

وذلك خلافاً للعلَّامة (رحمه الله) في المختلف، حيث قال: (ولقائل أن يقول: لا يجب الاستئناف، وإن وجب عليه الإتمام متتابعاً، وكفَّارة خلف النَّذر؛ لأنَّ الأيام الَّتي اعتكفها متتابعةً وقعت على الوجه المأمور به، فيخرج فيها عن العهدة، ولا يجب عليه استئنافها؛ لأنَّ غيرها لم يتناوله النَّذر، بخلاف ما إذا أطلق النَّذر، وشرط التَّتابع فإنَّه هنا يجب عليه الاستئناف؛ لأنَّه أخلّ بصفة النَّذر، فوجب عليه استئنافه من رأس، بخلاف صورة النِّزاع.

والفرق بينهما: تعيُّن الزَّمان هناك وإطلاقه هنا، فكلُّ صومٍ متتابعٍ في أيِّ زمانٍ كان مع الإطلاق يصحُّ أن يجعله المنذور، وأمَّا مع التّعيُّن فلا يمكنه البدليَّة)، انتهى كلامه رفع مقامه.

قال صاحب المدارك (رحمه الله): (وهو جيِّد)، ووافقه أيضاً الشَّهيد الثَّاني (رحمه الله) في المسالك.

وأشكل عليه صاحب الجواهر (رحمه الله)، حيث قال: (وفيه: أنَّ التَّتابع في البعض غير كافٍ في الامتثال بعد أن فُرِض اعتباره في الجميع في صيغة واحدة، وعدم إمكان استئنافها نفسها؛ باعتبار تعيينها لا ينافي وجوب القضاء، كما إذا لم يأتِ بها أجمع، وكما إذا نذر صوم يوم بعينه، فالمتَّجه حينئذٍ ما ذكره المصنِّف -أي وجوب الاستئناف-.

نعم، ظاهره اعتبار اشتراط التَّتابع لفظاً، وعدم الاكتفاء عن ذلك بتعيُّن الأيام الَّذي يلزمه التَّتابع -كما هو صريح‌ الدُّروس- وهو كذلك؛ ضرورة كون التَّتابع فيه كالتَّتابع في صوم شهر رمضان لا يفسد ما سبق، ولا ينافي ما يأتي، وانَّما يجب قضاؤه نفسه)[1] .

أقول: مقتضى الإنصاف هو عدم وجوب الاستئناف من رأس، أي: لا يجب قضاؤه بتمامه، بل يقضي ما فاته فقط؛ وذلك لأنَّ وجوب القضاء إن كان ثابتاً بدليل لفظيّ، كما في النَّبويّ (اِقضِ ما فات كما فات)، وكما في النَّبويّ الآخر (مَنْ فاتته فريضة فَلْيقضها كما فاتته)، لصحّ ما ذكروه من الاستئناف، أي القضاء من رأس؛ وذلك لإطلاق الفوت الشَّامل لما فات رأساً أو ما فات ولو ببعض أجزائه؛ باعتبار أنَّ فوات الجزء يستدعي فوات الكلّ.

ولكنَّك عرفت أنَّ هاتَيْن الرِّوايتَيْن النَّبويتَيْن ضعيفتان بالإرسال، فلا يمكن التَّعويل عليهما.

ومن هنا، كان المستند لوجوب القضاء هو التَّسالم بين الأعلام قديماً وحديثاً، وهو دليل لُبيّ يقتصر فيه على القدر المتيقَّن، وهو القضاء.

وأمَّا القضاء من رأس، فلا تسالم عليه؛ وذلك بدليل مخالفة العلَّامة والشَّهيد الثَّاني وصاحب المدارك (رحمهم الله)، وكذا غيرهم.

وعليه، فيقضي المقدار الفائت؛ للتَّسالم بينهم على هذا المقدار، وإنَّما الخلاف هو الاقتصار عليه فقط أو مع الكلّ.

 

قول الماتن: (متتابعاً في وجه)

 

على القول بوجوب القضاء من رأس، فهل يأتي بالمقضي متتابعاً؟

ذهب كثير منهم إلى وجوب قضائه متتابعاً؛ لأنَّ القضاء فرع المقضي فتجب المتابعة تحقيقاً للمماثلة.

ولكنَّ الإنصاف -على القول: بوجوب القضاء من رأس-: لا تجب المتابعة؛ وذلك لما عرفت سابقاً من أنَّ الدَّليل اللَّفظيّ الدَّالّ على قضاء ما فات كما فات، هو ضعيف السَّند.

ولو كان تامّاً لصحَّ الاستدلال به على وجوب المتابعة في القضاء -فقوله (صلى الله عليه وآله): (اِقض ما فات كما فات)، يدلُّ على القضاء مع الخصوصيَّة الفائتة، وهي المتابعة هنا.

ولكن عرفت أنَّ الدَّليل اللَّفظيّ ضعيف.

والعُمدة في القضاء هنا: وقوع التَّسالم بينهم عليه، وهو دليل لُبّيّ أخرس لا لسان له، فيقتصر فيه على القدر المتيقَّن، وهو القضاء.

وأمَّا الخصوصيَّات، فلا تسالم عليها، فلو نذر أن يعتكف العشرة الأخيرة من شهر رمضان المبارك في المسجد الحرام، ففاته ذلك أو فاته

بعضه، وأراد القضاء، فإنَّه يصحّ أن يقضيها في أيِّ بلدٍ آخر في المسجد الجامع فيها.

وهكذا لو نذر أن يصوم في أيام الحرّ، كشهر تموز الَّذي هو شديد الحرّ، ونهاره طويل، ففاته ذلك، أمكنه أن يقضيه في أيام الشِّتاء، والَّتي لا حرّ فيها، ونهارها قصير، والله العالم.

 

قول الماتن: (وإن كان غير معيّنٍ صحَّ ما مضى إن لم يشترط التَّتابع إذا كان ثلاثةً فصاعداً، ويأتي بما بقي)

 

إذا كان الواجب غير معيّنٍ، كاعتكاف عشرة أيامٍ، فلا إشكال في صحَّة ما مضى إن لم يشترط التَّتابع إذا كان المأتيّ به ثلاثة فصاعداً؛ وذلك للإتيان بالمأمور به على الوجه المطلوب شرعاً من غير شائبة فسادٍ، ويأتي بما بقي لوجوبه عليه.

 

قول الماتن: (وإن شرط التَّتابع استأنف)

 

قدِ اتَّفق الأعلام على وجوب الاستئناف إذا كان الواجب غير معيّنٍ، وشرط فيه التَّتابع، كما إذا أطلق النَّذر وشرط التَّتابع -كما لو قال: لله عليَّ أن أعتكف عشرة أيام متتابعة- فإنَّه يجب الاستئناف؛ لأنَّه أخلّ بصفة النَّذر فلم يأتِ به على الوجه المأمور به شرعاً، ويبقى في ذمَّته إلى أن يأتي بفرد آخر من مصداق المنذور، وهذا ليس من باب القضاء، بل يكون أداءً، كما لا يخفى.


[1] الجواهر: ج17، ص180.
logo