47/03/18
الاعتكاف (28)
الموضوع: الاعتكاف (28)
أقول: مقتضى الإنصاف هو ثبوت ثلاث كفَّاراتٍ عليه، اثنتان عنه بالأصالة: واحدة للصَّوم، والأُخرى للاعتكاف، والثَّالثة يتحمّلها عن الزَّوجة لإكراهها على الجماع في شهر رمضان، يتحمّل عنها كفَّارة الإفطار في شهر رمضان.
وأمَّا تحمُّل كفَّارة الاعتكاف عن الزَّوجة فلم يثبت بدليل.
وتوضيحه: أمَّا ثبوت كفَّارة الاعتكاف عن نفسه، فلما تقدَّم من الرِّوايات الدَّالّة على ذلك.
وأمَّا كفَّارة الإفطار في شهر رمضان عن نفسه، وكفَّارة الإفطار تحمُّلاً عنها لإكراهها على الجماع في شهر رمضان.
فتدلّ عليه: رواية المفضَّل بن عمر المتقدِّمة في باب الصَّوم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في رجل أتى امرأته وهي صائمة وهو صائم، قال: إن كان استكرهها فعليه كفَّارتان، وإن ( كانت طاوعته) فعليه كفَّارة وعليها كفَّارة ...[1]
وهي ضعيفة بإبراهيم بن إسحاق الأحمر.
وأمَّا المفضَّل بن عمر، فقد ضعَّفه جماعة من الأعلام.
ولكنَّ الإنصاف: أنَّه ثقة عندنا.
إلَّا أنَّها تبقى ضعيفة بإبراهيم بن إسحاق الأحمر.
قال صاحب الجواهر (رحمه الله) في باب الصَّوم -بعد تعرُّضه لهذه الرِّواية-: ولا يقدح ضعفها في إثبات حكم مخالف؛ لأصالة عدم التّحمُّل عن الغير، وعدم الكفَّارة على المتحمّل عنه للإكراه، بعد انجبارها بفتوى المشهور شهرةً عظيمةً، بل لا أجد فيه خلافاً، إلَّا ما حكاه في المختلف عن ظاهر العمانيّ، مع أنَّ ما حكاه من عبارته فيه يمكن منع ظهورها فيه، بل في ظاهر المعتبر وغيره وصريح الخلاف الإجماع عليه... [2] .
أقول: لا يبعد صحَّة ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) وغيره من الأعلام، مع شهرة الفتوى بينهم بهذا الحكم، ومع عدم ظهور مخالف لاسيَّما من المتقدِّمين، عدا ما حكي عن ظاهر العمانيّ (رحمه الله) عن عبارته الَّتي يمكن منع ظهورها فيه.
وعليه، فيحصل الاطمئنان بكون هذا الحكم الَّذي أجمعوا عليه هو مذهب الأئمَّة (عليهم السلام)، وأنَّ الفتوى به المستندة إليهم صحيحة، وإن كان النَّاقل لها من المجاهيل والضُّعفاء.
نعم، لا يتحمّل عنها كفَّارة الاعتكاف؛ لاختصاص دليل التّحمُّل بالصَّوم، وإلحاق المقام به يتوقَّف على إلغاء خصوصيَّة الصَّوم عرفاً بحمل الصَّوم في الرِّواية على المثال، وهذا يحتاج إلى دعوى علم الغيب.
وبالجملة، فلا يمكن إلغاء الخصوصيَّة بلا دليل مفقود في البين.
والخلاصة: أنَّ عليه ثلاث كفَّارات فقط.
نعم، الأحوط الأُولى: ثبوت الرَّابعة عليه، والله العالم.
قول الماتن: (وأمَّا تدارك الاعتكاف بعد فساده، فإنَّه إن كان ندباً أو شرط فلا تدارك، إلَّا على قول المعتبر في تدارك غير المعيّن، وإن اشترط)
إذا أفسد الاعتكاف المندوب، كما لو كان ذلك في اليومَيْن الأولَيْن، ففي هذه الحالة لا شيء عليه، بل في مشروعيَّة قضائه إشكال؛ لعدم الدَّليل على مشروعيَّة قضائه؛ لأنَّ كلّ وقتٍ صالحٌ لوقوع العمل فيه، فإذا كان كذلك فيكون أداءً للأمر المتوجِّه إليه في هذا الوقت، لا أنَّه قضاء لما سبق.
نعم، إذا كان للمستحبّ خصوصيَّة زائدة من جهة الزَّمان فإنَّه يقضي من أجل تلك الخصوصيَّة، كما في النَّوافل المترتّبة فإنَّها تُقضى، وكذا صلاة اللَّيل، فإنَّها تُقضى لو فاتت.
وكذا صوم الأيام الثَّلاثة في كلّ شهرٍ، فإنَّها تقضى للخصوصيَّة الزَّمانيّة فيها.
ولو كان للاعتكاف المندوب خصوصيَّةٌ زائدةٌ من جهة الزَّمان، فيُقضى أيضاً لأجل تلك الخصوصيَّة، كما لو فاته الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان، فإنَّها تُقضى.
وتدلُّ عليه: حسنة الحلبيّ عن أبي عبد الله (عليه السلام) كانت بدر في شهر رمضان، فلم يعتكف رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم)، فلمَّا أن كان من قابل اعتكف رسول الله (صلىاللهعليهوآلهوسلم) عشرين: عشراً لعامه، وعشراً قضاء لما فاته[3] .
وهي، وإن كانت ضعيفةً في الفقيه بالإرسال، إلَّا أنَّها حسنة في الكافي.
وأمَّا إذا كان الاعتكاف واجباً، سواء كان معيّناً أو غير معيَّنٍ، وشرط على ربِّه الرُّجوع متى شاء، أو عند حصول العارض، وخرج للشَّرط، فلا يجب عليه التَّدارك؛ لأنَّه قد أتى بما هو المطلوب منه، ولم يخالف النَّذر مثلاً في رجوعه عن الاعتكاف.
وبعبارة أخرى: القضاء موضوعه الفَوْت، ولم يتحقِّق الفَوْت؛ لأنَّه أتى بالاعتكاف، وإن كان ناقضاً؛ لأنَّ خروجه كان على حسب مقتضى الشَّرط، ولا فرق في ذلك بين اشتراط التَّتابع وعدمه.
وممَّا ذكرنا يتَّضح لك عدم الاستئناف فيما لو كان الاعتكاف واجباً مطلقاً غير مقيّدٍ بزمان معيَّن؛ لأنه قد وفى بنذره مثلاً، وإن كان الاعتكاف ناقصاً؛ لأنَّه عمل على حسب مقتضى الشَّرط، فلا موجب للاستئناف.
وعليه، فما عن المحقِّق (رحمه الله) في المعتبر، والعلَّامة (رحمه الله) في المنتهى، والتَّذكرة، من وجوب الاستئناف، ليس تامّاً.
قول الماتن: (وإن كان واجباً ولم يشترط، فإن كان معيّناً وجب الإتيان بما بقي، وقضى ما ترك، وصحّ ما مضى إن كان ثلاثةً فصاعداً)
إذا كان الاعتكاف واجباً معيّناً من حيث الزَّمان، كما في العشر الأُولى من شهر رجب من سنته هذه، ولم يكن قدِ اشترط على ربِّه الرُّجوع، فإذا أفسد اعتكافه بأحد المُفسدات فقد ذكر كثير من الأعلام أنَّه يصحّ منه ما مضى إذا كان ثالثةً فصاعداً ويجب الإتمام وقضاء ما فاته.
وأمَّا إذا لم يكن المأتيُّ به ثلاثة أيامٍ فصاعداً فيجب قضاؤه بتمامه؛ لأنَّ الاعتكاف لا يكون أقلّ من ثلاثة أيامٍ.
أقول: هذا الكلام صحيح.
ولكن يبقى الكلام في وجوب القضاء عليه، سواء كان القضاء بتمامه إذا كان المأتيُّ به أقلّ من ثلاثة أيامٍ، أو قضاء ما فاته فقط إذا كان المأتيُّ به ثلاثة فصاعداً.
المعروف بين الأعلام: وجوب القضاء عليه، بل هو ممَّا تسالم عليه الأعلام، بحيث لم يخالف في ذلك متفقِّه فضلاً عن فقيه.
وقدِ استُدلّ عليه أيضاً ببعض الأدلَّة:
منها: النَّبويّ المُرسل اِقضِ ما فات كما فات[4] .
ومنها: النَّبويّ الآخر مَنْ فاتته فريضةً فَلْيقضها كما فاتته[5] .
ولكنَّهما ضعيفتان بالإرسال، كما لا يخفى.
ومنها: صحيحة عبد الرَّحمان بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: إذا مرض المعتكف، أو طمثت المرأة المعتكفة، فإنَّه يأتي بيته ثمَّ يعيد إذا برئ ويصوم[6] .
وذلك باعتبار أنَّه لا قائل بالفصل بين هذه الموارد، وبين ما لو أفسده بأحد المُفسدات.
وفيه -مع قطع النَّظر عن القول بعدم الفصل-: فإنَّ هذه الصَّحيحة أجنبيَّة عن القضاء بالمعنى المصطلح عليه، أي قضاء الفائت، بل هي دالَّة على أنَّ الاعتكاف المفروض قد بطل، وفسد بعروض المرض والطَّمث المانعَيْن عن صحَّة الصَّوم المشروط به الاعتكاف.
وإذا بطل وفسد استأنف وجوباً إن كان واجباً، وندباً إن كان ندباً.
وبالجملة، فإنَّ القضاء موضوعه الفَوْت في وقته، والفرض أنَّه غير حاصل، فما أتى به لم يكن مصداقاً للاعتكاف الواجب، فيبدله بفرد آخر.
وممَّا ذكرنا يتَّضح لك: حال الاستدلال ببعض الرِّوايات الأُخرى الَّتي هي مثل صحيحة عبد الرَّحمان بن الحجَّاج، فلا حاجة لذكرها.
والخلاصة: أنَّ العمدة في قضاء ما فات من الاعتكاف هو التَّسالم بين الأعلام.