« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الرميتي
بحث الفقه

46/11/07

بسم الله الرحمن الرحيم

الاعتكاف (11)

الموضوع: الاعتكاف (11)

 

ولكن قد يُقال: إنَّ حديث رفع التِّسعة، والَّتي منها (ما لا يعلمون) يثبت الصِّحّة.

ولكنَّ الإشكال الَّذي يرد عليه أنَّ هذا الحديث رافع، وليس مثبتاً للصِّحّة، كما ذكرناه في أكثر من مناسبة.

وتوضيحه: أنَّ الشَّكّ في جزئيَّة شيءٍ أو شرطيَّته أو مانعيَّته مرفوع في حال الجهل بها، ومن المعلوم أنَّ المرفوع ليس الجزئيَّة أو الشَّرطيّة مثلاً باستقلالها، وبقطع النَّظر عن الأمر المتعلِّق بالمركَّب منها، ومن غيرها، بل المرفوع هو منشأ انتزاعها، وهو الأمر بالمركّب، فإذا ارتفع الأمر بالمركّب لأجل الجهل بالجزئيَّة أو الشَّرطيّة مثلاً، فلا يبقى أمر بالباقي حتَّى نصحّحه.

ومن هنا، قلنا: إنَّ حديث الرَّفع رافع، وليس مثبتا للصِّحّة.

 

إن قلت: إن كان الأمر كذلك، فماذا صحَّحتم الصَّلاة عند الشَّكّ في جزئيَّة السُّورة مثلاً، حيث قلتم: إنَّ الجزئيَّة مرفوعة بحديث الرَّفع عند الشَّكّ في وجوبها، وتكون الصَّلاة حينئذٍ بدونها صحيحة، مع أنَّ المفروض أنَّ الأمر بالمركب ساقط؛ لأنَّ المرفوع هو منشأ انتزاع السُّورة، وهو الأمر بالمركّب.

قلتُ: هذا الأمر صحيح، ولكن علمنا من الخارج أنَّ الصَّلاة لا تسقط بحال.

 

ثمَّ لا يخفى عليك أنَّ ما ذكرناه من سقوط الأمر بالمركَّب عند الجهل بالجزء أو الشَّرط مثلاً إنَّما هو في حال استمرار الجهل.

أمَّا لو ارتفع الجهل، وعلم بالواقع، فالأمر بالاعتكاف باقٍ، ولابُدّ من الإعادة فيما لو كان الاعتكاف واجباً؛ لأنَّ النَّاقص لا يجزي عن الكامل، وقد عرفت في محلِّه أنَّ القاعدة تقتضي عدم الإجزاء، وتحتاج إلى دليل من الخارج يدلّ على الإجزاء، وهو هنا مفقود.

نعم، هو موجود في الصَّلاة، وهو حديث (لا تعاد الصَّلاة إلَّا من خمسة...)، كما في صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام).

 

ثمَّ إنَّه بقي شيء في المقام، وهو ما أشرنا إليه في أكثر من مناسبة، وهو أنَّ حديث رفع التِّسعة صحيح، وليس ضعيفاً؛ لأنَّ أحمد بن مُحمّد بن يحيى العطَّار الَّذي هو شيخ الصَّدوق (رحمه الله) هو من المعاريف الكاشف ذلك عن وثاقته، والله العالم.

 

قول الماتن: (إلَّا لضرورة)

 

هذا استثناء عن حكم بطلان الاعتكاف بالخروج عن المسجد.

وعليه، فيجوز الخروج للأمور الضَّروريّة عقلاً أو شرعاً أو عادةً.

والموجود في صحيحة الحلبيّ، وكذا صحيحة داود بن سرحان المتقدِّمتَيْن، هو تقييد الحاجة بما لابُدّ منها.

ففي صحيحة داود بن سرحان (لا تخرج من المسجد إلَّا لحاجة لابُدّ منها...).

وفي صحيحة الحلبيّ (لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من المسجد إلَّا لحاجة لابُدّ منها).

ولكن في موثَّقة عبد الله بن سنان المتقدِّمة (ولا يخرج المعتكف من المسجد إلَّا لحاجة).

ومقتضى حمل المطلق على المقيّد تقييد الحاجة بما لابُدّ منها.

وقد عرفت أنَّ الحاجة الَّتي لابُدّ منها المسوِّغة للخروج تشمل الضَّرورة العقليَّة والشَّرعيّة والعاديَّة، ففي كلِّ موردٍ أحرز فيه الحاجة الضَّروريّة جاز الخروج، وفي الموارد الَّتي نعلم بعدم صدق الحاجة الضَّروريّة عليها، أو شكّ في صدقها، فلا يجوز الخروج لأجلها إلَّا ما كان منصوصاً، كما سيتَّضح لك -إن شاء الله تعالى-.

ولكن جملة من العلماء ذكر أنَّه يجوز التَّعدِّي إلى كلّ ما كان راجحاً شرعاً، وإن لم يكن حاجة ضروريَّة، ولا منصوصاً عليه بالرِّوايات، وكأنَّه فهم مجرَّد المثاليَّة من الموارد المنصوص عليها.

ولكنَّ الإنصاف: هو الاقتصار على ما صدق الحاجة الضَّروريَّة عليه، وعلى ما كان منصوصاً، وإن لم يكن حاجة ضروريّة.

وأمَّا الاستدلال للمتعدِّي إلى كلّ ما كان راجحاً شرعاً برواية ميمون بن مهران (قال: كنت جالساً عند الحسن بن عليّ (عليهما‌السلام) فأتاه رجل، فقال له: يا بن رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم)! إنَّ فلاناً له عليَّ مال ويريد أن يحبسني، فقال: والله، ما عندي مال فأقضي عنك، قال: فكلّمه، قال: فلبس (عليه‌السلام) نعله، فقلت له: يا ابن رسول الله! أنسيت اعتكافك؟ فقال له: لم أنسَ، ولكنِّي سمعتُ أبي يحدِّث عن جدِّي رسول الله (صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم) أنَّه قال: مَنْ سعى في حاجة أخيه المسلم فكأنَّما عبدالله عزَّوجلّ تسعة آلاف سنة، صائماً نهاره، قائماً ليله)[1]

فيأتي الكلام عنها في الدرس الآتي -إن شاء الله تعالى-.

 


[1] الوسائل باب7 من أبواب الاعتكاف ح4.
logo