« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الرميتي
بحث الفقه

46/10/11

بسم الله الرحمن الرحيم

الصوم

الموضوع: الصوم

 

الثَّانية: حسنة عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) -وهي التي أشار إليها المصنِّف (رحمه الله) بقوله: وعوَّلا على رواية حسنة- (قال: سألته عن صوم ثلاثة أيامٍ في الحج والسَّبعة، أيصومها متواليةً، أو يفرِّق بينها؟ قال: يصوم الثَّلاثة لا يفرِّق بينها، والسَّبعة لا يفرِّق بينها، ولا يجمع السَّبعة والثَّلاثة جميعاً)[1]

وقد أُشكل على هذه الرِّواية: بأنَّ في سندها مُحمّد بن أحمد العلويّ، وهو غير معلوم الحال.

ولكنَّ الإنصاف: أنَّه حسن؛ لكونه ممدوحاً مدحاً يعتدّ به.

قال النَّجاشيّ عند ترجمة العمركيّ في حقّ مُحمّد بن أحمد العلويّ: (روى عنه شيوخ أصحابنا، منهم عبد الله بن جعفر الحميريّ).

وظاهر هذا الكلام أنَّ هؤلاء الَّذين يروون عن مُحمّد بن أحمد العلويّ هم من الأجلَّاء الممدوحين، كعبد الله بن جعفر الحميريّ.

وبالجملة، فهذا يكشف عن حُسْنه.

والخلاصة: أنَّ الأقوى: ما ذهب إليه الحسن بن أبي عقيل، وابن زهرة، وأبي الصَّلاح (رحمهم الله)، من وجوب المتابعة فيها، وفي الثَّلاثة أيام الَّتي يصومها في الحجّ بدلاً عن الهدي.

 

قول الماتن: (وقضاء رمضان)

 

هذا هو المورد الرَّابع من الأمور الخمسة المستثناة، وهو قضاء رمضان، ولا يجب فيه المتابعة.

وقد ذكرنا ذلك سابقاً بشكل مفصَّل، فراجع.

 

قول الماتن: (وقضاء النَّذر المعيَّن)

 

هذا هو المورد الخامس، وهو قضاء النَّذر المعيّن، فلا يجب فيه التَّتابع، كما لو نذر صوم شهر رجب، ولم يصمه، فيجب عليه قضاء صيام أيامه، ولا يجب فيه التَّتابع.

وبالجملة، فلا دليل على وجوب التَّتابع فيه بعد أن كان مقتضى الأصل عدمه.

قول الماتن: (ولو كان قد شرط فيه التَّتابع، ففي وجوبه في قضائه وجهان، أقربهما: الوجوب)

 

المعروف بين الأعلام أنَّ النَّذر المشروط فيه التَّتابع إذا فات لا يجب في قضائه التَّتابع.

خلافاً للمصنِّف (رحمه الله)، حيث استقرب وجوب التَّتابع في قضاء ما اشترط فيه ذلك، كما لو نذر عشرة أيام متتابعة من شهر رجب مثلاً.

وتردَّد فيه العلَّامة (رحمه الله) في القواعد؛ للأصل، ومن أنَّ القضاء عين الأداء، فإذا كان الأداء متتابعاً، فالقضاء كذلك.

أقول: قد عرفت في أكثر من مناسبة أنَّ القضاء بأمر جديد، ولم يثبت بالأمر الجديد إلَّا أصل قضاء الصَّوم المنذور.

والأمر الأوَّل المشترط فيه التَّتابع: قد سقط.

وعليه، فمقتضى الأصل عدم التَّتابع في قضائه.

وأمَّا الاستدلال لوجوب المتتابعة بالنَّبويّ (مَنْ فاتته فريضة فَلْيقضها كما فاتته).

ففيه أوَّلاً: أنَّه ضعيف، كما تقدَّم في أكثر من مناسبة.

وثانياً: يظهر منه كون المراد من التَّشبيه غير ذلك من الكيفيَّات الَّتي وضعها الشَّارع المقدَّس، كالقصر والإتمام، والجهر والإخفات، لا ما يشمل مثل المتابعة، ونحوها، كالمكان والزَّمان، فلو نذر أن يصوم يوماً في المدينة ففاته، فهل يحتمل عدم جواز القضاء في بلده.

وكذا لو نذر أن يصوم أيام الشِّتاء ففاته، فهل يحتمل عدم جواز القضاء في أيام الرَّبيع، أو أيام الصَّيف.

ثمَّ إنَّه قد ذكرنا في أكثر من مناسبة أنَّه لا دليل على قضاء كلّ فائتٍ، وإنَّما يثبت ذلك في موارد خاصَّة للدَّليل الخاصّ، ولولا قيام الدَّليل على قضاء صوم المنذور لما التزمنا به.

وهو صحيحة عليّ بن مهزيار (أنَّه كتب إليه يسأله: يا سيدي! رجل نذر أن يصوم يوماً بعينه فوقع ذلك اليوم على أهله، ما عليه من الكفَّارة؟ فأجابه: يصوم يوماً بدل يوم، وتحرير رقبة مؤمنة)[2]

وهذه الرِّواية رويت بطريقَيْن كلّ منهما صحيح، ومُحمّد بن جعفر الرزَّاز الواقع في أحد السَّندَيْن هو من مشايخ عليّ بن إبراهيم المباشرين، حيث روى عنه في تفسيره في سورة الحديد عند قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ﴾

 

قول الماتن: (وأمَّا بدل البدنة للمفيض، فالأحوط فيه: التَّتابع)

 

ذكر المصنِّف (رحمه الله) أنَّ الأحوط: التَّتابع في صيام الثَّمانية عشر يوماً الَّتي هي بدل البدنة للمفيض من عرفات قبل الغروب، وقد جزم في باب الحجّ بوجوب التَّتابع فيها.

ولكنَّ الإنصاف: عدم الوجوب؛ لإطلاق الأمر بصيامها من دون ذكر التَّتابع في صحيحة ضريس الكناسيّ عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: سألته عن رجل أفاض من عرفات قبل أن تغيب الشَّمس! قال: عليه بدنة ينحرها يوم النَّحر، فإن لم يقدر صام ثمانية عشر يوماً بمكَّة أو في الطَّريق أو في أهله)[3]

ولعلّ مَنْ ذهب إلى وجوب التَّتابع فيها هو لأجل انصراف التَّتابع من إطلاق الأمر بالصِّيام فيها.

ولكنَّك عرفت أنَّ هذه الدَّعوى في غير محلِّها.

وعليه، فعدم وجوب التَّتابع هو الأقوى، وإن كان الأحوط الأولى فيها: التَّتابع، خروجاً عن خلاف مَنْ أوجبه.

 


[1] الوسائل باب10 من أبواب بقيَّة الصَّوم الواجب ح5.
[2] الوسائل باب7 من أبواب بقيَّة الصَّوم الواجب ح1. وباب23 من أبواب الكفَّارات ح2.
[3] الوسائل باب23 من أبواب الحجّ والوقوف بعرفة ح3.
logo