« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الرميتي
بحث الفقه

46/08/21

بسم الله الرحمن الرحيم

/ الدَّرس (78)/الصَّوم(211)

الموضوع: الصَّوم(211) / الدَّرس (78)/

 

قول الماتن: (نذر الصَّوم، أو المعاهدة عليه، أو الحلف يوجبه بحسب السَّبب)

 

المعروف بين الأعلام أنَّه إذا نذر الصَّوم أو حلف عليه أو عاهد الله عليه، فإنَّه يجب [عليه الصَّوم] وفق [ما] ذكره فيه بعنوان الإطلاق أو التَّعيين، من حيث العدد والزَّمان والتَّتابع والتَّفريق، ونحو ذلك.

ولا إشكال في ذلك، بل هو متَّفق عليه.

وتدلُّ عليه -مضافاً لإطلاق أدلَّة النَّذر والعهد واليمين-: الرِّوايات الخاصَّة الواردة في المقام الَّتي سيأتي -إن شاء الله تعالى- ذكر بعضها، وقد تقدَّم بعضها أيضاً..

 

قول الماتن: (فلو أطلق أجزأ يوم)

 

لو أطلق الصَّوم، كأن قال: لله عليَّ أن أصوم، أو حلف على الصَّوم، أو قال: عاهدت الله أن أصوم، أو عليَّ عهد الله أن أصوم.

وبالجملة، فلو أطلق الصَّوم أجزأه يوماً واحداً؛ لتحقُّق الصَّوم به؛ إذِ المطلوب هو على نحو صرف الوجود، وهو يتحقَّق بأوَّل وجوده، كما ذكرنا ذلك في مبحث علم الأصول.

وأمَّا ما ورد في رواية أبي جميلة عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله (عليه السلام) (في رجلٍ جعل لله نذراً، ولم يسمِّ شيئاً، قَاْل: يصوم ستَّة أيامٍ)[1]

وقوله: (لم يسمّ)، أي لم يعيَّن عدد الصِّيام مع ذكر أصل الصِّيام.

فهي ضعيفة بأبي جميلة، وبالإرسال، ولو تمَّت سنداً لحملت على الاستحباب بالاتِّفاق.

 

قول الماتن: (ولو عيَّن عدداً أو زماناً تعيَّن)

 

المعروف بين الأعلام أنَّه لو عيَّن عدداً، كخمسة أيام مثلاً، أو عيَّن زماناً، كشهر رجب مثلاً، تعيّن العدد والزَّمان بلا إشكال.

 

قول الماتن: (ولو نذر صوم زمانٍ كان خمسة أشهرٍ، وصوم حينٍ ستَّة أشهرٍ، ما لم ينوِ غيرهما)

 

المشهور بين الأعلام شهرة عظيمة أنَّه لو نذر صوم زمان، بأن قال: لله عليَّ أن أصوم زماناً، كان خمسة أشهر.

ولو نذر صوم حين بأن قال: لله عليَّ أن أصوم حيناً، كان ستة أشهر ما لم ينوِ بالزَّمان والحين غيرهما، فلو نوى غير هذَيْن المعنيَيْن، فيتّبع ما نواه.

قال العلَّامة (رحمه الله) في المنتهى: (قال علماؤنا: لو نذر أن يصوم زماناً كان عليه صيام خمسة أشهرٍ، ولو نذر أن يصوم حيناً كان عليه أن يصوم ستَّة أشهرٍ)[2]

أقول: قدِ استدلّ لذلك بجملة من الرِّوايات:

منها: معتبرة السَّكونيّ عن جعفر عن آبائه (عليهم السلام) (أنَّ عليّاً (صلوات الله عليه) قال في رجل نذر أن يصوم زماناً، قال: الزَّمان خمسة أشهر، والحين ستَّة أشهر؛ لأنَّ الله عزَّوجلّ يقول: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾)[3]

ومنها: رواية أبي الرَّبيع عن أبي عبد الله (عليه السلام) (أنَّه سُئل عن رجلٍ قَاْل: لله عليَّ أن أصوم حيناً، وذلك في شكر؟ فقال أبو عبد الله (عليه‌السلام): قد أُتي عليٌّ (عليه‌السلام) في مثل هذا، فقال: صُمْ ستَّة أشهر، فإنَّ الله عزَّوجلّ يقول: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ -يعني: ستَّة أشهر-)[4]

ولكنها ضعيفة بجهالة أبي الرَّبيع، ورواها العيَّاشيّ في تفسيره، عن الحلبيّ، عن أبي عبد الله[5] ، إلَّا أنَّها ضعيفة بالإرسال.

ومنها: مرسلة المقنعة (قَاْل: سُئل الصَّادق (عليه‌السلام) عمَّنْ نذر أن يصوم زماناً، ولم يسمّ وقتاً بعينه؟ فقال (عليه‌السلام): كان عليٌّ (عليه‌السلام) يوجب عليه أن يصوم خمسة أشهرٍ)[6] .

ومنها: مرسلته الأُخرى (قَاْل: وسُئل (عليه‌السلام) عمَّنْ نذر أن يصوم حيناً، ولم يسمِّ شيئاً بعينه؟ فقال: كان أمير المؤمنين (عليه‌السلام) يلزمه أن يصوم ستَّة أشهرٍ، ويتلو قول الله عزَّوجلّ { تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا }، وذلك في كلِّ ستّة أشهرٍ)[7]

وهما ضعيفتان بالإرسال.

 

قول الماتن: (وإنَّما يجب تتابعه مع التَّعيين لفظاً، كشهر متتابع، أو معنى، كشهر معيَّن)

 

المعروف بين الأعلام أنَّه يجب تتابع الصَّوم الَّذي أوجبه على نفسه -بأحد الأسباب المذكورة سابقاً- مع التَّعيين للتَّتابع في السَّبب لفظاً، كأن ينذر صوم شهر متتابع، أو مع التَّعيين للتَّتابع معنى، كأن ينذر صوم شهرٍ معيّنٍ، كرجب مثلاً.

نعم، لو أطلق نذر الصَّوم مثلاً من دون تعيينه لفظاً، أو معنى، فلا يجب التَّتابع؛ لعدم ما يدلّ عليه.

ومقتضى الأصل: عدم وجوب التَّتابع.

 

قول الماتن: (ولا يكفي مجاوزة النِّصف في المعيَّن مطلقاً)

 

المعروف بين الأعلام أنَّه لا يكفي في حصول التَّتابع في الصَّوم الَّذي أوجبه على نفسه مجاوزة النِّصف في المعيَّن، كما لو نذر صوم شهر رجب، أو رجب وشعبان، وهكذا.

وذلك لأنَّه قد وجب عليه صوم هذا الزَّمان بعينه، فبالإخلال بالتَّتابع في هذه الحالة يفوِّت منه صوم زمان وجب عليه شرعاً صومه.

 

قول الماتن: (ولا (يكفي أيضاً) في المطلق)

 

لو نذر صوم عشرة أيام متتابعاً مثلاً، أو عشرين يوماً متتابعاً، ونحو ذلك، فلا يكفي أيضاً في حصول التَّتابع مجاوزة النِّصف؛ لأنَّ مقتضى إطلاق دليل التَّتابع هو لزوم مراعاة التَّتابع في تمام العشرة أو العشرين، ونحو ذلك؛ لأنَّ هذا هو معنى التَّتابع عرفاً.

 

قول الماتن: (غير الشَّهر الواحد أو الشَّهرَيْن)

 

ذكرنا سابقاً عند الكلام في مبحث الكفَّارة أنَّه يكفي تجاوز النِّصف في الشَّهرَيْن، وفي الشَّهر الواحد.

أمَّا بالنِّسبة للشَّهرَيْن، فذكرنا ذلك عند قول المصنِّف (رحمه الله) في الدَّرس الثَّاني والسَّبعون: (ويكفي في تتابع الشَّهرَيْن يوم من الثَّاني).

وذكرنا بعض الرِّوايات:

منها: صحيحة الحلبيّ عن أبي عبد الله (عليه السلام) (عن قطع صوم كفَّارة اليمين، وكفَّارة الظّهار، وكفَّارة القتل، فقال: إن كان على رجلٍ صيام شهرَيْن متتابعَيْن، والتَّتابع أن يصوم شهراً، ويصوم من الآخر شيئاً، أو أياماً منه، فإن عرض له شيءٌ يفطر منه أفطر، ثمَّ يقضي ما بقي عليه...)[8]

وذكرنا أيضاً موثَّقة سماعة بن مهران[9] ، فراجع، فإنَّه مهمّ[10]

وأمَّا بالنِّسبة للشَّهر الواحد، فقد ذكرنا ذلك في درس الثَّاني والسَّبعون أيضاً عند قول المصنِّف (رحمه الله) (وكذا مَنْ نذر شهراً متتابعاً)، حيث قلنا: إنَّه يكفي في حصول التَّتابع في الشَّهر المنذور صومه تتابعاً أن يصوم خمسة عشر يوماً.

وقدِ استدلّ لذلك بروايتَيْن:

الأُولى: معتبرة الفضيل بن يسار عن أبي عبد الله (عليه السلام) (قال في رجل جعل عليه صوم شهر، فصام منه خمسة عشر يوماً، ثم عرض له أمر، فقال: إن كان صام خمسة عشر يوماً، فله أن يقضي ما بقي، وإن كان أقلّ من خمسة عشر يوماً لم يجزه حتى صوم شهراً تامّاً)[11]

بعد حمل النَّذر على نذر التَّتابع، فراجع[12] ما ذكرناه، فإنَّه مهمّ.

 


[1] الوسائل باب16 من أبواب بقيَّة الصَّوم الواجب ح2.
[2] المنتهى: ج2، ص624.
[3] الوسائل باب14 من أبواب بقيَّة الصَّوم الواجب ح2.
[4] الوسائل باب14 من أبواب بقيَّة الصَّوم الواجب ح1.
[5] الوسائل باب14 من أبواب بقيَّة الصَّوم الواجب، ذيل ح1.
[6] الوسائل باب14 من أبواب بقيَّة الصَّوم الواجب، ذيل ح3.
[7] الوسائل باب14 من أبواب بقيَّة الصَّوم الواجب، ذيل ح4.
[8] الوسائل باب3 من أبواب بقيَّة الصَّوم الواجب ح9.
[9] الوسائل باب3 من أبواب بقيَّة الصَّوم الواجب ح5.
[10] مدارك الدُّروس (الصَّوم): ج1، ص537 إلى 540.
[11] الوسائل باب5 من أبواب بقيَّة الصَّوم الواجب ح1.
[12] مدارك الدُّروس (الصَّوم): ج1، ص550 إلى 552.
logo