« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الرميتي
بحث الفقه

46/07/14

بسم الله الرحمن الرحيم

 الدرس 77// الصوم 191

 

الموضوع: الصوم 191 // الدرس 77

 

قول الماتن: ولكنَّه جعل دوام المرض مقابل التَّواني، وهو يشعر بقول الصَّدوقَيْن، ولعلّه الأقرب

 

مَنْ فاته شهر رمضان أو بعضه لمرض، فإنِ استمرّ به المرض إلى رمضان آخر سقط القضاء، وكفَّر عن كلِّ يومٍ بمُدّ من طعام، وسيأتي الكلام عنه بالتَّفصيل -إن شاء الله تعالى- بعد هذه المسألة عند تعرُّض المصنِّف (رحمه الله) لذلك.

وإنَّما الكلام هنا إذا لم يستمرّ به المرض إلى رمضان آخر، بأن برأ بينهما، فإنَّه:

 

تارةً: يكون عازماً على القضاء بعد ارتفاع العُذْر، ولكنَّه اتَّفق العُذْر عند ضيق الوقت.

وأُخرى: يكون عازماً على ترك القضاء، سواء عرض له عذر بعد ذلك منعه من القضاء أو لا، أو يكون عازماً على ترك القضاء عند الضّيق خاصَّة بعد العزم على فعله قبله.

وثالثاً: يكون متهاوناً ومتسامحاً، بأن لم يكن عازماً على القضاء، ولا على تركه في تمام الزمان.

وعليه، فعندنا ثلاث صورٍ:

الأُولى: فيما لو كان عازماً على القضاء بعد ارتفاع العُذْر، ولكنَّه اتَّفق العُذْر عند ضيق الوقت.

فالمعروف بين الأعلام أنَّه يقضي خاصَّة، ولا كفَّارة عليه.

ولكنَّ ظاهر الصَّدوقَيْن (رحمهما الله)، وجملة من الأعلام، وجوب الكفَّارة أيضاً، أي الفدية.

الصُّورة الثَّانية: فيما لو كان عازماً على التَّرك، سواء عرض له عذر بعد ذلك منعه من القضاء أم لا، أو كان عازماً على التَّرك بعد ارتفاع العُذْر، ولكنَّه اتَّفق العُذْر عند ضيق الوقت.

الصُّورة الثَّالثة: فيما لو كان متهاوناً ومتسامحاً، بأن لم يكن عازماً على القضاء، ولا على التَّرك.

والمشهور في هاتَيْن الصُّورتَيْن: وجوب القضاء والكفَّارة، أي الفدية.

وخالف في هاتَيْن الصُّورتَيْن ابن إدريس (رحمه الله)، حيث ذهب إلى القضاء خاصَّة، حيث قال: (والإجماع غير منعقدٍ على وجوب هذه الكفَّارة؛ لأنَّ أكثر أصحابنا لا يذهبون إليها، ولا يوردونها في كتبهم، مثل الفقيه، وسلَّار، والسّيِّد المرتضى، وغيرهما، ولا يذهب إلى الكفَّارة في هذه المسألة -يعني مسألة التَّواني- إلَّا شيخنا المفيد مُحمّد بن مُحمّد بن النُّعمان في الجزء الثَّاني من مقنعته، ولم يذكرها في كتاب الصِّيام منها، ولا في غيرها من كتبه، وشيخنا أبو جعفر الطُّوسيّ (رحمه الله)، ومَنْ تابعهما، وقلّد كتبهما، ويتعلّق بأخبار الآحاد الَّتي ليست عند أهل البيت (عليهم السلام) حجّة، على ما شرحناه...)[1]

وقد ردّ عليه المحقِّق (رحمه الله) في المعتبر، وبالغ في الإنكار عليه، فقال: (إنَّه ارتكب ما لم يذهب إليه أحد من فقهاء الإماميَّة فيما علمت).

ثمَّ ذكر المحقِّق (رحمه الله) رواة الفدية زرارة ومُحمّد بن مسلم، وأبو الصَّلاح الكناني، وأبو بصير، وعبد الله بن سنان.

وقال: (هؤلاء فضلاء السَّلف من الإماميَّة، وليس لرواياتهم معارض إلَّا ما يحتمل ردّه الى ما ذكرناه، فالرَّادّ لذلك متكلِّف لما لا ضرورة له إليه)[2]

وقال العلَّامة (رحمه الله) في المختلف ردّاً على ابن إدريس (رحمه الله): (إنَّ البراءة -أي البراءة من الكفَّارة- إنَّما يصار إليها مع عدم دليل الثُّبوت، وشغل الذِّمّة، وقد بيّنا الأدلَّة، وعدم ذكر أحد من أصحابنا غير الشَّيخَيْن لهذه المسألة ليس حجَّة على العدم، مع أنَّ الشَّيخَيْن هما القيّمان بالمذهب، وكيف يدَّعي ذلك وابنا بابويه سبقا الشَّيخَيْن بذكر وجوب الصَّدقة مطلقاً، ولم يفصّلاً إلى التَّواني وغيره؟! وكذا ابن أبي عقيل، وهو أسبق من الشّيخَيْن، وهؤلاء عمدة المذهب...)[3]

أقول: أمَّا مَنْ ذهب إلى وجوب القضاء والكفَّارة في الصُّور الثَّلاث، فقد يستدلّ له بإطلاق جملة من الرِّوايات:

منها: حسنة زرارة عن أبي جعفر (عليه السَّلام) (في الرَّجل يمرض فيدركه شهر رمضان، ويخرج عنه، وهو مريض، ولا يصحُّ حتَّى يدركه شهر رمضان آخر، قَاْل: يتصدَّق عن الأوَّل، ويصوم الثَّاني، فإن كان صحّ فيما بينهما ولم يصم حتَّى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعاً وتصدَّق عن الأوَّل)[4]

أُنظر إلى قوله (عليه السَّلام): (فإن كان صحّ، ولم يصم حتَّى أدركه...)، فإنَّه مطلق يشمل حتَّى لو كان عازماً على القضاء بعد ارتفاع العُذْر، ولكنَّه اتَّفق العُذْر عند ضيق الوقت.

ومنها: موثَّقة سماعة (قَاْل: سألته عن رجلٍ أدركه رمضان، وعليه رمضان قبل ذلك لم يصمه؟ فقال: يتصدَّق بدل كلّ يومٍ من الرَّمضان الَّذي كان عليه بمدّ من طعام، وَلْيصم هذا الَّذي أدرك، فإذا أفطر فَلْيصم رمضان الَّذي كان عليه، فإنِّي كنت مريضاً فمرّ عليَّ ثلاث رمضانات لم أصح فيهنّ، ثمَّ أدركت رمضاناً آخر، فتصدَّقت بدل كلّ يومٍ ممَّا مضى بمدّ من طعام، ثمَّ عافاني الله تعالى وصمتهنَّ)[5]

ومضمرات سماعة مقبولة.

وهي واضحة جدّاً في الإطلاق، وأنَّ القضاء والكفَّارة -أي الفدية- مترتّبان على مجرَّد عدم الصَّوم فيما إذا صحّ، سواء أكان عازماً على التَّرك، أم كان متهاوناً.

 


[1] السَّرائر: ج1، ص397.
[2] المعتبر: ج2، ص699.
[3] المختلف: ج3، ص525.
[4] الوسائل باب25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح2و5.
[5] الوسائل باب25 من أبواب أحكام شهر رمضان ح2و5.
logo