46/06/23
الموضوع: الصوم 180 // الدرس 75
- رواية العدّ ستَّة أيامٍ في السَّنة الكبيسيَّة
وأمَّا بالنِّسبة لعدّ ستَّة أيام في الكبيسية، فيدلّ عليه: رواية السَّيّاريّ (قَاْل: كتب مُحمّد بن الفرج إلى العسكريّ (عليهالسلام) يسأله عمَّا رُوي من الحساب في الصَّوم عن آبائك (عليهمالسلام) في عدِّ خمسة أيام بين أوَّل السَّنة الماضية، والسَّنة الثَّانية التي تأتي، فكتب: صحيح، ولكن عدّ في كلِّ أربع سنين خمساً، وفي السَّنة الخامسة ستّاً فيما بين الأولى والحادث، وما سوى ذلك، فإنَّما هو خمسة خمسة، قال السَّيّاريّ: وهذه من جهة الكبيسة، قَاْل: وقد حسبه أصحابنا فوجدوه صحيحاً، قَاْل: وكتب إليه مُحمّد بن الفرج في سنة ثمان وثلاثين ومائتين: هذا الحساب لا يتهيّأ لكلِّ إنسانٍ أن يعمل عليه إنَّما هذا لمَنْ يعرف السِّنين، ومن يعلم متى كانت السَّنة الكبيسة، ثمَّ يصحّ له هلال شهر رمضان أوَّل ليلة، فإذا صحّ الهلال لليلته، وعرف السِّنين، صحّ له ذلك -إن شاء الله-)[1]
وهي ضعيفة بالسَّيّاريّ، قال النَّجاشيّ: ( أحمد بن مُحمّد بن سيَّار، أبو عبد الله الكاتب، بصريّ، كان من كتَّاب آل طاهر في زمن أبي مُحمّد (عليهالسلام)، ويعرف بالسّيَّاريّ، ضعيف الحديث، فاسد المذهب، ذكر ذلك لنا الحسين بن عبيد الله، مجفوّ الرِّواية، كثير المراسيل...)[2]
وقال أبو جعفر بن بابوَيْه -في فهرسته، حين ذكر كتاب النَّوادر استنثى منه ما رواه السَّيّاريّ-: (لا أعمل به، ولا أفتي به لضعفه).
ويظهر من ذيل هذه الرِّواية أنَّ هذه العلامة خاصّة فيمَنْ عرف ذلك.
والظَّاهر اختصاص هذه المعرفة على وجهها القطعيّ بأهل البيت (عليه السَّلام) .
ومهما يكن، فإنَّ هذه الرِّوايات كلّها ضعيفة السَّند، ويزيدها ضعفاً هجر الأصحاب لها.
وأمَّا الشَّيخ (رحمه الله) ، فقد حمل هذه الرِّوايات على أنَّ السَّماء إذا كانت متغيّمةً فعلى الإنسان أن يصوم اليوم الخامس احتياطاً، فإنِ اتَّفق أنَّه يكون من شهر رمضان فقد أجزأ عنه، وإن كان من شعبان كتب له من النَّوافل، قال: (وليس في الخبر أنَّه يصوم يوم الخميس على أنَّه من شهر رمضان، وإذا لم يكن هذا في ظاهره، واحتمل ما قلناه سقطت المعارضة به، ولم ينافِ ما ذكرناه من العمل على الأهلّة)[3]
وقال في الاستبصار: (إنَّ راويهما عمران الزَّعفرانيّ، وهو مجهول، وفي إسناد الحديثَيْن قوم ضعفاء لا نعمل بما يختصّون بروايته...)[4]
والخلاصة: أنَّه لا اعتبار بهذه العلامة؛ لأنَّ الرِّوايات الواردة كلّها ضعيفة السَّند، مع أنَّها لا تفيد إلَّا الظَّنّ الَّذي لا يغني عن الحقّ شيئاً.
نعم، من عرف ذلك على نحو القطع تكون حجّةً في حقِّه.
ولكنَّ الظَّاهر اختصاص هذه المعرفة بأهل البيت (عليهم السلام).
ثمَّ إنَّه مع قطع النَّظر عن ضعف السَّند يمكن حمل هذه الرِّوايات على ما ذكره الشَّيخ (رحمه الله) من إرادة بيان الأمر بصوم الخامس، لا على أنَّه من شهر رمضان، بل من شعبان، ليحصل الإجزاء به لو بان أنَّه من شهر رمضان.
قول الماتن: إلَّا أن تغمّ الشُّهور كلّها
ذهب جماعة من الأعلام، منهم الشَّيخ (رحمه الله) في المبسوط، والعلَّامة (رحمه الله) في جملة من كتبه، والمصنِّف (رحمه الله) هنا، والشَّهيد الثَّاني (رحمه الله) في الرَّوض، وتبعهم جماعة من متأخِّري المتأخِّرين إلى العمل بهذه العلامة إذا غمَّت الشُّهور، وإن كان هذا الفرد نادر الوقوع -وهو غمّ شهور السَّنة كلّها-.
- ضعف المستند
ومهما يكن، فقدِ استدلّ لهذا القول بالرِّوايات المُتقدِّمة.
ولكنَّك عرفت أنَّها ضعيفة السَّند بتمامها، مع أنَّها غير مقيّدةٍ بغمّة الجميع، ومحتاجة أيضاً إلى تقييد الخمسة بغير السَّنة الكبيسيّة، وفيها ستَّة.
وذهب كثير من الأعلام، منهم الشَّيخ (رحمه الله) في المبسوط أيضاً، أنَّه لو غُمّت شهور السَّنة عُدّ كلّ شهرٍ منها ثلاثين للأصل -أي كون التَّمام هو الأصل-.
- إشكال الشَّهيد الثَّاني
ولكنِ استشكل الشَّهيد الثَّاني (رحمه الله) في المسالك، حيث قال: (بأنَّ ذلك خلاف الواقع في جميع الأزمان، وبمنع كون التَّمام هو الأصل؛ إذ ليس للشَّهر وظيفة معيّنة حتَّى يكون خلافها خارجاً عن الأصل، وإنَّما المعتبر شرعاً الأهلّة، وهي محتملة للأمرَيْن.
ويجاب: بأن معنى الأصل أنَّ الشَّهر المعيّن -كشعبان مثلاً- واقعٌ ثابتٌ، فالأصل استمراره الى أن يتحقّق زواله، ولا يتمّ ذلك إلا بمضيّ ثلاثين، وكذا القول في غيره، أو نقول: إذا حصلت الخفيّة للهلال -وهو المحاق- فالأصل بقاؤها، وعدم إمكان الرُّؤية الى أن يتحقّق خلافه بمضيّ الثَّلاثين...)(5).
أقول: هذا هو الإنصاف؛ لأنَّ مقتضى الاستصحاب بقاء الشَّهر إلى أن يعلم خلافه.
- قولٌ ثالث لم يُعرف قائلُه
وهناك قول ثالث لم يعلم قائله، وهو أنَّه ينقص من الثَّلاثين لقضاء العادة بالنَّقيصة؛ إذ من المعلوم عادة أنَّه ليس كلّ الشُّهور ثلاثين يوماً، بل بعضها يكون تسعاً وعشرين.
نعم، يمكن أن يكون التَّمام في ثلاثة شهورٍ متوالية، وأمَّا أكثر من ذلك فلا.
ويجاب عن هذا القول -مضافاً لمجهول قائله-: أنَّه لا يعرف مقدار النَّقيصة من الشُّهور، ولا تعيين الشَّهر النَّاقص.
والخلاصة إلى هنا: أنَّ القول فيما لو غمَّت الشُّهور هو عدّ كلّ شهر ثلاثين، هو الإنصاف، والله العالم.