« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الرميتي
بحث الفقه

46/06/22

بسم الله الرحمن الرحيم

 الدرس 75// الصوم 179

 

الموضوع: الصوم 179 // الدرس 75

 

قول الماتن: ولا بالجدول، خلافاً لشاذٍّ من الأصحاب

 

المعروف بين الأعلام أنَّه لا اعتبار بالجدول، وهو حساب مخصوص مأخوذ من سير القمر، واجتماعه بالشَّمس، ومرجع أوَّل الشَّهر في هذا الحساب إلى تأخُّر جرم القمر عن محاذاة الشَّمس، لا إلى إمكان رؤية الهلال، بل يعترفون بأنَّه لا يمكن رؤيته، وإنَّما يظنّون مقارنة الرُّؤية للتّأخُّر المفروض.

 

وعليه، فقد يصيب وقد يخطئ.

على أنَّ أكثر أحكام التَّنجيم من الحدس الَّذي خطؤه أكثر من صوابه.

والخلاصة: أنَّه لا ريب في عدم اعتباره للرِّوايات الكثيرة الدَّالّة على عدم دخول الشَّهر إلَّا بالرُّؤية، أو مضيّ ثلاثين يوماً من الشَّهر السَّابق، ونحو ذلك ممَّا ذكرناه، ولا دليل على ثبوت أوَّل الشَّهر بتأخُّر جرم القمر عن محاذاة الشَّمس.

- قولٌ شاذّ بالعمل بالجدول

هذا وقد حكى الشَّيخ (رحمه الله) في الخلاف عن شاذّ منَّا العمل بالجدول، ونقله العلَّامة (رحمه الله) في المنتهى عن بعض الجمهور؛ وذلك لقوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾، وبأنَّ الكواكب والمنازل يرجع إليها في القبلة والأوقات الَّتي هي أمور شرعيَّة.

ولكن لا يخفى عليك بطلان هذا القول؛ وذلك لأنَّ الاهتداء بالنَّجم إنَّما هو لأجل معرفة الطُّرق، ومسالك البلدان، ومعرفة الأوقات، ونحو ذلك.

وبالجملة، فالَّذي يرجع إليه في الوقت والقبلة هو مشاهدة النَّجم، لا ظنون أهل التَّنجيم الكاذبة في أكثر الأوقات.

ومن هنا، قد شدَّد النَّبيّ (صلى الله عليه وآله) على النَّهي عن سماع كلام المنجّم، حيث روى عنه (صلى الله عليه وآله) أنَّه قال: (مَنْ صدَّق كاهناً أو منجّماً فقد كفر بما أنزل على مُحمّد (صلى الله عليه وآله))[1]

ولكنَّها ضعيفة بالإرسال.

وأمَّا مسألة كفر المنجِّم، أو كفر مَنْ يعتقد به، وعدم ذلك، ذكرناها بالتَّفصيل في مبحث المكاسب عند قول المصنِّف (رحمه الله): (ويحرم اعتقاد تأثير النُّجوم مستقلَّة أو بالشَّراكة والأخبار عن الكائنات بسببها...)، فراجع[2] ، فإنَّه مهمّ جدّاً.

 

قول الماتن: (ولا بعدم طلوعه من المشرق في دخول الشَّهر لليلة المستقبلة، إلَّا في رواية داود الرّقيّ)

 

المشهور بين الأعلام أنَّه لا عبرة بعدم طلوع القمر من المشرق في دخول الشَّهر لليلة المستقبلة؛ لأنَّه لا يطلع في الثامن والعشرين قطعاً، بل قد لا يطلع في السَّابع والعشرين نادراً في بعض الشُّهور، مع عدم إمكان الشَّهر الجديد في اللَّيلة المستقبلة قطعاً.

وأمَّا في التَّاسع والعشرين، فقد يدخل؛ وذلك عند نقصان الشَّهر، وقد لا يدخل عند تمامه، فكيف يمكن اعتبار تلك العلامة مع عدم استقامتها؟!

- ضعف رواية داود الرَّقيّ

نعم، يظهر من رواية داود الرَّقيّ الحكم بطلوعه في اللَّيلة المستقبلة بمجرَّد عدم الرُّؤية في المشرق فيما قبل تلك اللَّيلة عند الفجر.

فقد روى عن أبي عبد الله (عليه السَّلام) أنَّه قال: (إذا طلب الهلال في المشرق غدوةً، فلم يرَ، هو ههنا هلال جديد، رؤي أو لم يرَ)[3] .

والمراد بقوله: (إذا طلب الهلال في المشرق)، أي طلب القمر، وإنَّما ذكر الهلال من باب المشاكلة للهلال الجديد المذكور بعده.

وقوله: (هاهنا) أي في الجانب الغربيّ هلال جديد.

وإنَّما ذهب المشهور إلى عدم اعتبار هذه العلَّامة؛ لعدم استقامتها، كما عرفت.

ولضعف الرِّواية، فإنَّ زكريا بن يحيى الكنديّ الرَّقيّ مجهول الحال.

كما أنَّ دواد الرَّقي ضعيف، قال النَّجاشيّ: (داود بن كثير الرَّقيّ وأبوه كثير، يُكنّى أبا خالد، وهو يُكنّى أبا سليمان، ضعيف جدّاً، والغلاة تروي عنه، قال أحمد بن عبد الواحد: قلَّ ما رأيت له حديثاً سديداً...)[4]

 

قول الماتن: ولا بعدّ خمسة أيام من الماضية، وستَّة من الكبيسة

 

المعروف بين الأعلام أنَّه لا عِبرة بعدّ خمسة أيام من اليوم الَّذي كان أوَّل الشَّهر في السَّنة الماضية في غير الكبيسة، وستَّة أيامٍ في الكبيسة، بجعل الخامس أو السَّادس أوَّل الشَّهر في السَّنة الحاضرة.

مثلاً إذا كان أوَّل الشَّهر في السَّنة الماضية يوم السَّبت، فأوّله في هذه السَّنة يوم الأربعاء في غير الكبيسة، ويوم الخميس في الكبيسة، وهذا الحساب باعتبار أنَّ السَّنة الهلاليَّة ثلاثمئة وأربعة وخمسون يوماً، وثمان ساعاتٍ، وثمانية وأربعون دقيقةً، ففي كلِّ ثلاث سنين يحصل من السَّاعات الزَّائدة بقدر يوم للكبس.

- المعنى المراد مِنَ الكَبْس

ثمَّ إنَّ الكبس في اللَّغة الطَّمّ، يُقال: كبستُ النَّهر والبئر كبساً، أي طممتها بالتُّراب، والكبيسة على وزن فعليَّة، بمعنى المفعول.

فكأنَّ هذه السَّنة قد كبست بالسَّاعات والدَّقائق الزَّائدة الَّتي استترت في السِّنين السَّابقة.

ثمَّ إنَّك قد عرفت أنَّه لا اعتبار بهذه العلَّامة.

ولكنَّ المحكيّ عن عجائب المخلوقات للقزوينيّ: (قال جعفر الصَّادق رضي الله عنه: إذا أشكل عليك أوَّل شهر رمضان فعدّ الخامس من الشَّهر الَّذي صمته في العام الماضي، فإنَّه أوَّل يوم من شهر رمضان الَّذي في العام، وقدِ امتحنوا ذلك خمسين سنةً فكان صحيحاً)[5]

- الرِّوايات الدَّالّة على هذه العلامة وضعفها جميعاً

ومهما يكن، فقدِ استدلّ لاعتبار هذه العلامة بجملة من الرِّوايات، كلّها ضعيفة السَّند:

منها: رواية مُحمّد بن عثمان الخدري عن بعض مشايخه عن أبي عبد الله (عليه السَّلام) (قال: صُم في العام المستقبل اليوم الخامس من يوم صمت فيه عام أوَّل)[6]

وهي ضعيفة بجهالة مُحمّد بن عثمان الخدريّ، وبالإرسال.

ومنها: عمران الزعفراني (قَاْل: قلتُ لأبي عبد الله (عليه‌السلام): إنَّ السَّماء تُطْبِق علينا بالعراق اليومَيْن والثَّلاثة، فأيّ يومٍ نصوم؟ قَاْل: انظروا اليوم الَّذي صمت من السَّنة الماضية، وصم يوم الخامس)[7]

وهي ضعيفة بجهالة إبراهيم بن مُحمّد المزنيّ، وعمران الزَّعفرانيّ، وبالإرسال.

ومنها: مرسلة الفقيه (قَاْل: قَاْل (عليه‌السلام): إذا صمت شهر رمضان في العام الماضي في يوم معلوم فعدّ في العام المستقبل من ذلك اليوم خمسة أيام، وصم يوم الخامس)[8]

وهي ضعيفة بالإرسال.

ومنها: ما رواه عليِّ بن موسى بن طاووس في الإقبال، نقلاً من كتاب الحلال والحرام لأبي إسحاق إبراهيم الثَّقفيّ، عن أحمد بن عمران بن أبي ليلى، عن عاصم بن حميد، عن جعفر بن مُحمّد (عليه السَّلام) (قَاْل: عدّوا اليوم الَّذي تصومون فيه، وثلاثة أيام بعده، وصوموا يوم الخامس، فإنَّكم لن تخطئوا)[9]

وهي ضعيفة لجهالة طريق ابن طاووس إلى الكتاب، وجهالة أحمد بن عمران بن أبي ليلى.

هذا، وقد نسب ابن طاووس كتاب الحلال والحرام لإسحاق بن إبراهيم الثَّقفيّ، وقد وثَّقه ابن طاووس.

ولكنَّ الصَّحيح: أنَّ الكتاب إنَّما هو لأبي إسحاق إبراهيم بن مُحمّد الثَّقفيّ، فالمؤلّف كنيته أبو إسحاق، لا أنَّ اسمه إسحاق، بل اسمه إبراهيم، وهو ممدوح جدّاً.

 


[1] الوسائل باب24 من أبواب ما يكتسب به ح11.
[2] مدارك الدُّروس (كتاب المكاسب): ج1، ص265.
[3] الوسائل باب9 من أبواب أحكام شهر رمضان ح4.
[4] رجال النَّجاشيّ: ص156.
[5] عجائب المخلوقات لزكريَّا القزوينيّ -ط الأعلميّ-: ص71.
[6] الوسائل باب10 من أبواب أحكام شهر رمضان ح1و3و4و8.
[7] الوسائل باب10 من أبواب أحكام شهر رمضان ح1و3و4و8.
[8] الوسائل باب10 من أبواب أحكام شهر رمضان ح1و3و4و8.
[9] الوسائل باب10 من أبواب أحكام شهر رمضان ح1و3و4و8.
logo