46/05/16
الدرس 75// الصوم 176
الموضوع: الصوم 176 // الدرس 75
قول الماتن: والصَّدوق جعل غيبوبته بعد الشَّفق لليلتَيْن، ورؤية ظلِّ الرَّأس فيه لثلاث
جعل الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله) غيببوبة الهلال بعد الشَّفق المغربيّ علامة كونه لليلتَيْن، ورؤية ظلّ الرأس فيه علامة كونه لثلاث ليال.
قال في المقنع: (واعلم أنّ الهلال إذا غاب قبل الشَّفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشَّفق فهو لليلتَيْن، وإذا رُؤي فيه ظلّ الرأس فهو لثلاث ليالٍ)[1]
أقول: أمَّا الكلام عن أنَّ رؤية ظلّ الرَّأس فيه تكون لثلاث ليال، فسيأتي حكمه -إن شاء الله تعالى- عند الكلام عن تطوُّق الهلال.
- روايتان في علامة غيبوبته بعد الشَّفق
وأمَّا بالنِّسبة لجعل غيبوته بعد الشَّفق المغربيّ علامة كونه لليلتَيْن، فقد يستدلّ لذلك لروايتَيْن:
الأُولى: إسماعيل بن الحرّ عن أبي عبد الله (عليه السَّلام) (قَاْل: إذا غاب الهلال قبل الشَّفق فهو لليلة، وإذا غاب بعد الشَّفق فهو لليلتَيْن)[2]
ولكنَّها ضعيفة بجهالة إسماعيل بن الحرّ.
الثَّانية: رواية الصَّلت الخزَّاز عن أبي عبد الله (عليه السَّلام)، وهي مثل الأُولى[3] ، وهي أيضاً ضعيفة بجهالة كلٍّ من عبد الله بن الحسين، والصَّلت الخزّاز.
وقد حمل الشَّيخ (رحمه الله) في كتابي الأخبار رواية إسماعيل بن الحرّ على ما إذا كان في السَّماء علّة من غيم، أو ما يجري مجراه.
ولكن لا يخفى عليك أنَّه لا شاهد على هذا الحمل.
- رواية في عدم اعتبارها
ومهما يكن، فلا دليل قويّ على هذه الأمارة، بل هناك رواية على عدم العبرة الغياب بعد الشَّفق، وهي معتبرة أبي عليّ الحسن بن راشد (قَاْل: كتب إليَّ أبو الحسن العسكريّ (عليهالسلام) كتاباً، وأرَّخه يوم الثُّلاثاء للّيلة بقيت من شعبان، وذلك في سنة اثنين وثلاثين ومائتين، وكان يوم الأربعاء يوم شكّ، وصام أهل بغداد يوم الخميس، وأخبروني أنَّهم رأوا الهلال ليلة الخميس، ولم يغب إلَّا بعد الشَّفق بزمان طويل، قَاْل: فاعتقدت أنَّ الصَّوم يوم الخميس، وأنَّ الشَّهر كان عندنا ببغداد يوم الأربعاء، قَاْل: فكتب إليّ: زادك الله توفيقاً فقد صمت بصيامنا، قَاْل: ثمَّ لقيته بعد ذلك فسألته عمَّا كتبت به إليه، فقال لي: أو لم أكتب إليك إنَّما صمت الخميس ولا تصم إلَّا للرُّؤية)[4]
والرِّواية معتبرة، فإنَّ أبا عليّ الحسن بن راشد الَّذي هو من أصحاب الإمام الجواد والإمام الهاديّ (عليهما السلام) ثقة، وهذه الرِّواية رواها عن الإمام الهاديّ (عليه السَّلام).
ثمَّ لا يخفى أنَّ الحسن بن راشد أبا عليّ البغدايّ هذا غير الحسن بن راشد الضَّعيف الَّذي هو جدّ للقاسم بن يحيى، والَّذي هو من أصحاب الإمام الصَّادق (عليه السَّلام).
وحاصل هذه المعتبرة: أنَّ الرَّاوي الحسن بن راشد ظنّ في غيبوبة الهلال ليلة الخميس بعد الشَّفق بزمان طويل أنَّ أوَّل الشَّهر كان في الواقع يوم الأربعاء، فيكون غيابه بعد الشَّفق لليلتَيْن.
وأمَّا وقوع الصَّوم يوم الخميس، فلعلَّه باعتبار خفاء الهلال ليلة الأربعاء؛ لغيم ونحوه، فسأل الإمام (عليه السَّلام) عن ذلك، فأجابه: بأنَّ صيامنا أيضاً كان يوم الخميس، ولا صوم إلَّا للرُّؤية، ولا عبرة بالغيبوبة بعد الشَّفق.
وقوله: (فاعتقدت أنَّ الصَّوم يوم الخميس)، أي أعتقد ذلك من إخبار الإمام (عليه السَّلام)؛ لأنَّ ظاهر الرِّواية أنَّ ما كتبه إلى الإمام (عليه السَّلام) غير مصرَّحٍ به في الرِّواية، إلَّا أنَّ ظاهر السِّياق يدلّ على أنَّه كتب إليه بما ذكره هنا من وقوع الشَّكّ في بغداد يوم الأربعاء... إلى آخر ما هو مذكور في الرِّواية من حكاية تلك الحال.
قول الماتن: وتبعه الشَّيخ إذا كان هناك علَّة، وجعل التّطوّق للّيلتَيْن عند العلَّة أيضاً
ذكر المصنِّف (رحمه الله) أنَّ الشَّيخ (رحمه الله) في كتابي الأخبار تبع الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله) في جعل غيبوبته بعد الشَّفق علامة كونه لليلتَيْن إذا كان هناك علّة، وجعل التّطوُّق أيضاً -وهو ظهور النُّور في جرمه مستديراً- لليلتَيْن عند العلَّة أيضاً.
أمَّا أنَّ الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله) جعل التّطوُّق علامة كونه لليلتَيْن، فلأنَّه ذكر صحيحة مُحمّد بن مرازم الآتية الدَّالّة عليه في الفقيه، وقد ذكر في الدِّيباجة أنَّه لا يورد فيه إلَّا ما يعمل عليه.
وأمَّا أنَّ الشَّيخ الطُّوسيّ (رحمه الله) تبعه على ذلك، فقال في التَّهذيب -بعد أن أورد صحيحة مرازم، ورواية إسماعيل بن الحرّ-: (فهذان الخبران، وما يجري مجراهما، ممَّا هو في معناهما، انَّما يكون أمارةً على اعتبار دخول الشَّهر إذا كان في السَّماء علّة من غيم، وما يجري مجراه، فجاز حينئذٍ اعتباره في اللَّيلة المستقبلة بتطوُّق الهلال وغيبوبته قبل الشَّفق أو بعد الشَّفق.
فأمَّا مع زوال العلَّة، وكون السَّماء مصحيَّة، فلا تعتبر هذه الأشياء، ويجري ذلك مجرى شهادة الشَّاهدَيْن من خارج البلد، إنَّما يعتبر شهادتهما إذا كان هناك علَّة، ومتى لم يكن هناك علَّة فلا يجوز اعتبار ذلك على وجه من الوجوه، بل يحتاج الى شهادة خمسين نفساً...)[5]
أقول: أمَّا بالنِّسبة لكون الغياب بعد الشَّفق المغربيّ علامة كونه لليلتَيْن، فقد عرفت أنَّ هذا لم يثبت، والرِّواية الواردة فيه ضعيفة، كما تقدَّم.
وأمَّا بالنِّسبة لكون تطوُّق الهلال علامة لكونه لليلتَيْن، فالمشهور بين الأعلام عدم اعتبار ذلك، وأنَّ ذلك ليس علامةً لكونه لليلتَيْن.
وفي الجواهر: (بلا خلاف أجده فيه...)[6]
وفي المدارك: (لا أعلم فيه مخالفاً...)[7]
وفيه: أنَّ ظاهر الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله) اعتبار ذلك علامةً، كما ذكرنا سابقاً، وتبعه الشَّيخ (رحمه الله) إذا كان هناك علّة من غيم ونحوه، وكذا بعض الأعلام، منهم السّيِّد أبو القاسم الخوئيّ (رحمه الله)، وهو الإنصاف عندنا.
وذلك لصحيحة مُحمّد بن مرازم، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام) (قَاْل: إذا تطوَّق الهلال فهو لليلتَيْن، وإذا رأيت ظلّ رأسك فيه فهو لثلاث ليالي)[8]
والرِّواية صحيحة بطريق الشَّيخ (رحمه الله) في التَّهذيب، والكليني (رحمه الله) في الكافي.
نعم، هي ضعيفة في الفقيه بطريق الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله)، حيث لم يذكر طريقه في المشيخة إلى مُحمّد بن مرازم، فيكون الطَّريق مجهولاً.
ولعلَّه لذلك حكى صاحب الجواهر (رحمه الله) عن العلَّامة (رحمه الله) في التَّذكرة ضعف السَّند.
ولكنَّك عرفت أنَّه يكفينا صحَّة طريقي الشَّيخ الطُّوسيّ (رحمه الله)، والكلينيّ (رحمه الله).
ومُحمّد بن مرازم ثقة، وثقه النَّجاشي، وأنَّ أباه مرازم بن حكيم ثقة.
قال النَّجاشيّ: (مرازم بن حكيم الأزدي المدائنيّ، مولى، ثقة، وأخواه مُحمّد بن حكيم، وحديد بن حكيم، يكنى أبا مُحمّد، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن (عليهماالسلام)، ومات في أيام الرِّضا (عليهالسلام)، وهو أحد من بُلي باستدعاء الرَّشيد له وأخوه، أحضرهما الرَّشيد مع عبد الحميد بن عواض فقتله وسلما، ولهم حديث ليس هذا موضعه....)[9]
ثمَّ إنَّ المشهور أعرض عن هذه الرِّواية الصَّحيحة.
ولكنَّك عرفت أنَّ إعراض المشهور لا يوجب ضعف السَّند.
ولا يخفى عليك أيضاً أنَّ نسبة هذه الصَّحيحة إلى ما يعارضها نسبة المقيّد إلى المطلق الَّذي هو ما دلّ على وجوب الصَّوم بالرُّؤية، أو الشَّاهدَيْن، أو مضيّ ثلاثين يوماً.
وما دلّ على عدم وجوب قضاء يوم الشَّكّ إلَّا مع قيام البيّنة بالرُّؤية السَّابقة، فلا مانع من العمل بالمقيّد.
وممَّا ذكرنا يتّضح لك أنَّ رؤية ظلّ الرَّأس فيه علامة كونه لثلاث ليالي، والله العالم.