46/04/19
الصوم
الموضوع: الصوم
ومنها: رواية عبد الرَّحمان بن سالم عن أبيه (قَاْل: سألتُ أبا عبد الله (عليهالسلام): هل للمسلمين عيد غير يوم الجمعة والأضحى والفطر؟ قَاْل: نعم، أعظمها حرمةً، قلتُ: وأيّ عيدٍ هو جعلت فداك؟ قَاْل: اليوم الَّذي نصب فيه رسول الله (صلىاللهعليهوآله) أمير المؤمنين (عليهالسلام))[1] ، ثمَّ ساق الرِّواية على نحو ما تقدَّم.
وهي ضعيفة بسهل بن زياد، وبعدم وثاقة عبد الرَّحمان بن سالم.
ومنها: رواية عليّ بن الحسين العبديّ (قَاْل: سمعتُ أبا عبد الله الصَّادق (عليهالسلام) يقول: صيام يوم غدير خم -إلى أن قال:- يعدل عند الله عزَّوجلّ في كلِّ عامٍ مائة حجَّة، ومائة عمرة، مبرورات متقبلات، وهو عيد الله الأكبر ...)[2] .
وهي ضعيفة بمُحمّد بن موسى الهمدانيّ، وجهالة بعض الأشخاص أيضاً، منهم عليّ بن الحسين العبديّ.
ومنها: رواية المفضَّل بن عمر عن أبي عبد الله (عليه السَّلام) (قَاْل: صوم يوم غديرٍ خُمّ كفَّارة ستِّين سنةً)[3] .
وهي ضعيفة بمُحمّد بن سنان الواقع في طريق الصَّدوق إلى المفضَّل بن عمر.
ومنها: رواية إسحاق بن عبد الله العلويّ العريضيّ المُتقدِّمة[4] .
وقد عرفت أنَّها ضعيفة السَّند، إلَّا أنَّ جميع الأعلام قديماً وحديثاً عمل بها، وعمل الكلّ جابر لضعف السَّند.
قوله: (والدَّحو)
وهو يوم الخامس والعشرين من ذي القعدة، ومعنى دحو الأرض: بسطها، والمراد هنا: بسطها من تحت الكعبة.
والمعروف أنَّ في ليلة الخامس والعشرين من ذي القعدة وُلِد إبراهيم (عليه السَّلام) ووُلِد عيسى (عليه السَّلام).
وتدلُّ على استحباب صيام هذا اليوم جملةٌ من الرِّوايات بلغت حدّ الاستفاضة:
منها: صحيحة الحسن بن عليّ الوشا (قَاْل: كنتُ مع أبي وأنا غلام، فتعشينا عند الرِّضا (عليهالسلام) ليلة خمس وعشرين من ذي القعدة، فقال له: ليلة خمس وعشرين من ذي القعدة ولد فيها إبراهيم (عليهالسلام)، وولد فيها عيسى بن مريم، وفيها دُحيت الأرض من تحت الكعبة، فمَنْ صام ذلك اليوم كان كمَنْ صام ستِّين شهراً)[5] .
ومنها: مرسلة الفقيه (قَاْل: وروي عن موسى بن جعفر (عليهالسلام) أنَّه قَاْل: في خمس وعشرين من ذي القعدة أنزل الله الكعبة البيت الحرام، فمَنْ صام ذلك اليوم كان كفَّارة سبعين سنةً، وهو أوَّل يوم أُنزل فيه الرَّحمة من السَّماء على آدم (عليهالسلام))[6] (7).
وهي ضعيفة بالإرسال.
ومنها: مرسلة سهل بن زياد عن بعض أصحابنا عن أبي الحسن الأوَّل (عليه السَّلام) -في حديث- (قَاْل: وفي خمسة وعشرين من ذي القعدة وضع البيت، وهو أوَّل رحمةٍ وضعت على وجه الأرض، فجعله الله عزَّوجلّ مثابةً للنَّاس وأمناً، فمَنْ صام ذلك اليوم كتب الله له صيام ستِّين شهراً)[7] (8).
وهي ضعيفة بسهل بن زياد، وبالإرسال.
ومنها: رواية مُحمّد بن عبد الله الصَّيقل (قَاْل: خرج علينا أبو الحسن -يعني: الرِّضا عليهالسلام- في يوم خمسة وعشرين من ذي القعدة، فقال: صوموا، فإنِّي أصبحت صائماً، قلنا : جعلنا فداك، أيّ يوم هو؟ قَاْل: يوم نشرت فيه الرَّحمة، ودُحيت فيه الأرض، ونصبت فيه الكعبة، وهبط فيه آدم (عليهالسلام))[8] (9).
وهي ضعيفة بسهل بن زياد، وبجهالة بعض الأشخاص، منهم مُحمّد بن عبد الله الصَّيقل.
ومنها: رواية إسحاق بن عبد الله العلويّ العريضيّ المُتقدِّمة عن أبي الحسن عليّ بن مُحمّد (عليه السَّلام) -في حديث- (قَاْل: الأيام الَّتي يصام فيهنَّ أربعة -إلى أن قال:- ويوم الخامس والعشرين من ذي القعدة فيه دُحيت الكعبة)[9] (10).
وهي ضعيفة، كما تقدَّم.
ولكنَّك عرفت أنَّ جميع الأعلام من المتقدِّمين والمتأخِّرين عملوا بها، وعمل الكلّ جابر لضعف السَّند، وكذا غيرها من الرِّوايات.
***
قوله: (وأيام البيض)
المعروف بين الأعلام أنَّه يستحبّ صوم أيام البيض بحذف الموصوف، أي أيام اللَّيالي البيض، وهي الثَّالث عشر، والرَّابع عشر، والخامس عشر من كلِّ شهر، سُمِّيت بذلك لبياض ليالي تلك الأيام أجمع بضوء القمر.
قال العلَّامة (رحمه الله) في المنتهى: (استحباب صوم هذه الأيام مذهب العلماء كافَّة...).
وقال العلَّامة (رحمه الله) في المختلف: (صوم أيام البيض مستحبّ إجماعاً، والمشهور في تفسيرها: الثَّالث عشر والرَّابع عشر والخامس عشر من كلِّ شهرٍ، سُمّيت بيضاً بأسماء لياليها، من حيث أنَّ القمر يطلع مع غروب الشَّمس ويغيب مع طلوعها، قاله الشَّيخان، والسّيِّد المرتضى، وأكثر علمائنا.
وقال ابن أبي عقيل: فأمَّا السُّنة من الصِّيام فصوم شعبان، وصيام البيض، وهي ثلاثة أيام في شهر متفّرقة: أربعاء بين خميسين الخميس الأول من العشر الأول، والأربعاء الأخير من العشر الأوسط، وخميس من العشر الأخير.
لنا: أنَّ العلَّة ما ذكرناها، ولا يتم إلَّا في الأيام المذكورة)[10] (11)، انتهى كلام العلَّامة (رحمه الله) في المختلف.
أقول: قدِ استدلّ الاستحباب صيام أيام البيض بجملة من الرِّوايات:
منها: ما ذكره الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله) في العلل بإسناده إلى ابن مسعود عن النَّبيّ (صلى الله عليه وآله) (قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: إِنَّ آدَمَ لَمَّا عَصَى رَبَّهُ تَعَالَى نَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ لَدُنِ الْعَرْشِ يَا آدَمُ اخْرُجْ مِنْ جِوَارِي، فَإِنَّهُ لَا يُجَاوِرُنِي أَحَدٌ عَصَانِي فَبَكَى، وَبَكَتِ الْمَلَائِكَةُ، فَبَعَثَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ إِلَيْهِ جَبْرَئِيلَ فَأَهْبَطَهُ إِلَى الْأَرْضِ مُسْوَدّاً فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَلَائِكَةُ ضَجَّتْ وَبَكَتْ وَانْتَحَبَتْ، وَقَالَتْ: يَا رَبِّ خَلْقاً خَلَقْتَهُ، وَنَفَخْتَ فِيهِ مِنْ رُوْحِكَ، وَأَسْجَدْتَ لَهُ مَلَائِكَتَكَ بِذَنْبٍ وَاحِدٍ حَوَّلْتَ بَيَاضَهُ سَوَاداً، فَنَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ: أَنْ صُمْ لِرَبِّكَ الْيَوْمَ، فَصَامَ فَوَافَقَ يَوْمَ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ، فَذَهَبَ ثُلُثُ السَّوَادِ، ثُمَّ نُودِيَ يَوْمَ الرَّابِعَ عَشَرَ أَنْ صُمْ لِرَبِّكَ الْيَوْمَ فَصَامَ فَذَهَبَ ثُلُثَا السَّوَادِ، ثُمَّ نُودِيَ يَوْمَ الْخَامِسَ عَشَرَ بِالصِّيَامِ فَصَامَ فَأَصْبَحَ وَقَدْ ذَهَبَ السَّوَادُ كُلُّهُ، فَسُمِّيَتْ أَيَّامَ الْبِيضِ لِلَّذِي رَدَّ اللهُ عَزَّوَجَلَّ فِيهِ عَلَى آدَمَ مِنْ بَيَاضِهِ، ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ، يَا آدَمُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَيَّامٍ جَعَلْتُهَا لَكَ وَلِوُلْدِكَ مَنْ صَامَهَا فِي كُلِّ شَهْرٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ...)[11] (11).
قال الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله) -بعد أن أورد هذه الرِّواية-: (قَاْل مصنِّف هذا الكتاب، هذا الخبر صحيح، ولكن الله تبارك وتعالى فوَّض إلى نبيّه مُحمّد (صلى الله عليه وآله) أمر دينه، فقال: ﴿ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، فسنَّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكان الأيام البيض خميساً في أوَّل الشَّهر، وأربعاء في وسط الشَّهر، وخميساً في آخر الشَّهر، وذلك صوم السَّنة من صامها كان كمَنْ صام الدَّهر؛ لقول الله عزَّوجلّ: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾، وإنَّما ذكرت الحديث لما فيه من ذكر العلَّة، وَلْيعلم السَّبب في ذلك؛ لأنَّ النَّاس أكثرهم يقولون: إنَّ الأيام البيض سُمّيت بيضاً؛ لأنَّ لياليها مقمرة من أوَّلها إلى آخرها)، انتهى كلامه رُفع مقامه.