46/04/15
الصوم
الموضوع: الصوم
- كيفيَّات أُخرى لصوم هذه الأيام
وهناك كيفيَّة أُخرى لصوم هذه الأيام الثَّلاث لا بأس بالعمل بها، وهي صيام ثلاثة أيام من الشَّهر متوالية أو متفرِّقة، من أوَّله أو آخره.
وتدلّ عليها جملة من الرِّوايات:
منها: موثَّقة عمَّار بن موسى عن أبي عبد الله (عليه السَّلام) (قَاْل: سألتُه عن الرَّجل تكون عليه من الثَّلاثة أيام الشَّهر، هل يصلح له أن يؤخِّرها أو يصومها في آخر الشَّهر؟ قَاْل: لا بأس، فقلتُ: يصومها متواليةً، أو يفرِّق بينها؟ قَاْل: ما أحبُّ، إن شاء متواليةً، وإن شاء فرَّق بينها)[1] .
وهي، وإن كانت مُشعرةً بخصوص القضاء، إلَّا أنَّه لا ظهور لها في ذلك معتدّ به.
ومنها: صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السَّلام) (قَاْل: وسألته عن صيام الثَّلاثة أيام من كلِّ شهرٍ تكون على الرَّجل، يصومها متواليةً أو يفرِّق بينها؟ قَاْل: أيّ ذلك أحبّ)[2] .
وهي، وإن كانت ضعيفةً في قرب الإسناد بعبد الله بن الحسن، فإنَّه مهمل، إلَّا أنها صحيحة لوجودها في كتاب عليّ بن جعفر.
وأيضاً لا ظهور لها في خصوص القضاء، وإن كانت مشعرةً بذلك.
وبالجملة، فلا بأس بالعمل بهذه الكيفيَّة.
وقد عرفت أنَّ حمل المطلق على المقيّد لا يجري في المستحبَّات.
- الأفضل بين الكيفيَّات
نعم، الأفضل والمؤكّد: هي الكيفيَّة الأُولى المشهورة بين الأعلام، والَّتي استفاضت بها الرِّوايات، وكان عليها عمل الرَّسول (صلى الله عليه وآله) في حياته إلى أن مات، وكذا الأئمَّة (عليهم السلام) من بعده، والسَّلف الصَّالح إلى يومنا هذا.
والحمد لله قد وفّقني الله سبحانه لصوم هذه الأيام الثَّلاث بالكيفيَّة المشهورة منذ فترة طويلة، فلا تفوتني إلَّا أيام السَّفر إلى الحجّ، أو الزِّيارة، ولكنِّي أقضيها بعد ذلك، وفي بعض السَّفرات إلى الحجّ نذرت صوم بعضها، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفِّقني لصوم هذه الأيام ما بقي من عمري، فإنَّه قد ذهب الكثير، وما أدري متى يفاجئني الأجل، والأعمار والآجال بيده سبحانه وتعالى.
***
قول الماتن: (ويؤخِّر من الصَّيف إلى الشِّتاء عند المشقَّة ثمّ يقضي)
كما يستفاد ذلك من صحيحة الحسين بن أبي حمزة (قَاْل: قلتُ لأبي جعفر أو لأبي عبدالله (عليهماالسلام): صوم ثلاثة أيامٍ في الشَّهر اُؤخِّره في الصَّيف إلى الشِّتاء، فإنِّي أجده أهون عليَّ؟ فقال: نعم، فاحفظها)[3] .
ومعنى ذلك: أنَّه يقضيها في أيام الشِّتاء.
والمذكور في الوسائل وغيرها: الحسن بن أبي حمزة.
ولكنّ الصَّحيح: الحسين بن أبي حمزة الثِّقة، كما هو موجود كذلك في ثواب الأعمال، وأمَّا الحسن بن أبي حمزة فلا وجود له.
وسيأتي -إن شاء الله تعالى- أنَّه يستحبّ قضاؤها، وإن لم يكن لأجل المشقَّة، فمن باب أولى يجوز هنا.
قوله: (بل يُستحبّ قضاؤها عند الفوات مطلقاً)
أي: وإن لم يكن لأجل المشقَّة، كما يُستفاد ذلك من بعض الرِّوايات:
منها: موثَّقة عبد الله بن سنان -في حديث- (قَاْل: سألتُ أبا عبد الله (عليهالسَّلام) عن الرَّجل يصوم أشهر الحرم فيمرّ به الشَّهر والشَّهران لا يقضيه؟ قَاْل: فقال: لا يصوم في السَّفر، ولا يقضي شيئاً من صوم التّطوُّع إلَّا الثَّلاثة الأيام الَّتي كان يصومها في كلِّ شهرٍ، ولا يجعلها بمنزلة الواجب إلَّا أنِّي أحبّ لك أن تدوم على العمل الصَّالح)[4] .
والرِّواية موثَّقة، فإنَّ عليّ بن مُحمّد بن الزُّبير القرشيّ الواقع في إسناد الشَّيخ (رحمه الله) إلى ابن فضَّال، وإن لم يكن موثّقاً بالخصوص، إلا أنَّه من المعاريف.
ومنها: موثَّقة عمَّار المتقدِّمة عن أبي عبد الله (عليهالسَّلام) (قَاْل: سألتُه عن الرَّجل تكون عليه من الثَّلاثة أيام الشَّهر، هل يصلح له أن يؤخِّرها أو يصومها في آخر الشَّهر؟ قَاْل: لا بأس...)[5] .
وقلنا سابقاً: إنَّها تشمل القضاء والأداء، ولا تختصُّ بالقضاء، وكذا غيرها ممَّا سيأتي -إن شاء الله تعالى-.
والخلاصة: أنَّه يستفاد من هذه الرِّوايات، وغيرها، جواز قضائها بمطلق الفوت، وإن لم يكن التَّرك لأجل المشقَّة.
ولكن ذهب صاحب المدارك (رحمه الله) إلى أنَّه لو كان الفوات لمرض أو سفر لم يستحبّ قضاؤها.
واستدلّ لذلك: بصحيحة سعد بن سعد الأشعريّ عن أبي الحسن الرِّضا (عليهالسَّلام) (سألته عن صوم ثلاثة أيام في الشَّهر، هل فيه قضاء على المسافر؟ قال: لا)[6] .
ثمَّ قال صاحب المدارك (رحمه الله): (وإذا سقط القضاء عن المسافر سقط عن المريض بطريق أولى؛ لأنَّه أعذر منه)[7] .