« قائمة الدروس
الأستاذ الشيخ حسن الرميتي
بحث الفقه

46/03/05

بسم الله الرحمن الرحيم

الصوم

الموضوع: الصوم

- استثناء مراثي أهل البيت (ع)

ثمَّ إنَّه قدِ استثنى الأعلام من كراهة الشعر: الشِّعر المشتمل على مراثي الأئمَّة (عليهم السلام)، والمشتمل على مدحهم.

وهناك جملة من الرِّوايات تدلّ على ذلك:

منها: حسنة عبد الله بن الفضل الهاشميّ (قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ (عليه السَّلام): مَنْ قَالَ فِينَا بَيْتَ شِعْرٍ بَنَى اللهُ تَعَالَى لَهُ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ)[1]

وهي حسنة بإبراهيم بن هاشم، وعبد الله بن الفضل الهاشميّ ثقة، كما أنَّ أحمد بن زياد بن جعفر الهمدانيّ في إسناد الصَّدوق ثقة.

قال الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله) -بعد أن ترضَّى عنه في عدَّة مواضع-: (وكان رجلاً ثقةً ديِّناً فاضلاً، رحمة الله عليه ورضوانه‌)[2] .

ومنها: ما رواه الفضل بن الحسن الطّبرسيّ في كتاب الأداب الدِّينيّة، عن خلف بن حمَّاد (قَاْل: قلتُ للرِّضا عليه‌السلام: إنَّ أصحابنا يروون عن آبائك عليهم‌السلام: إنَّ الشِّعر ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، وفي شهر رمضان، وفي اللَّيل، مكروهٌ، وقد هممتُ أن أرثي أبا الحسن عليه‌السلام، وهذا شهر رمضان، فقال لي: إرثِ أبا الحسن في ليلة الجمعة وفي شهر رمضان وفي اللَّيل، وفي سائر الأيام، فإنَّ الله يكافئك على ذلك)[3] .

ولكنها ضعيفة بالإرسال.

وكذا غيرها من الرِّوايات.

أقول: صحيحتا حمَّاد المتقدِّمتَيْن صريحتان في الكراهة، وإن كان الشِّعر في الأئمَّة (عليهم السلام)، فلولا إعراض الأعلام عنهما في حقِّ الأئمَّة (عليهم السلام) لكان القول بالكراهة مطلقاً هو الأقوى.

ثمَّ إنَّ هناك رواية صحيحة وصريحة في جواز إنشاد الشِّعر بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المسجد الحرام، وأمره (صلى الله عليه وآله) بذلك.

وهي ما رواها الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله) في كتاب إكمال الدِّين وإتمام النِّعمة، قال: حدثنا أبي (رحمه الله)، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن أحمد بن مُحمّد بن عيىسى، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن مُحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السَّلام) (قَالَ: بَيْنَا رَسُولُ الله (صلى الله عليه وآله) ذَاتَ يَوْمٍ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ إِذْ أَقْبَلَ إِلَيْهِ وَفْدٌ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله): مَنِ الْقَوْمُ؟ قَالُوا: وَفْدُ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، قَالَ: فَهَلْ عِنْدَكُمْ عِلْمٌ مِنْ خَبَرِ قُسِّ بْنِ سَاعِدِةَ الْإِيَادِيِّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: فَمَا فَعَلَ؟ قَالُوا: مَاتَ -إلى أن قال:- ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله): رَحِمَ اللهُ قُسّاً يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أُمَّةً وَحْدَهُ، قَالَ: هَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يُحْسِنُ مِنْ شِعْرِهِ شَيْئاً؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ:...)[4] .

وهي صحيحة وصريحة في ذلك، مع أنَّ صحيحة حمَّاد الأُولى المُتقدِّمة دلَّت على كراهة إنشاد الشِّعر في الحرم.

ولا مانع من الالتزام بعدم الكراهة في إنشاد الشِّعر في الحرم أيضاً.

 

قوله: (والهَذَر والمِراء)

 

تقدَّم الكلام عن ذلك سابقاً عند قوله: (وكلُّ ما يحرم في غير الصَّوم يتأكَّد به، كالمسابّة والكذب).

وذكرنا رواية جرَّاح المدائنيّ الَّتي رواها الشَّيخ الكُلينيّ (رحمه الله)، حيث ورد فيها: (ودعِ المِراء، وأدنى الخادم...)[5] .

وقلنا: هي ضعيفة بعدم وثاقة جراح المدائنيّ، وجهالة القاسم بن سليمان.

وقدِ استُدلّ أيضاً لكراهة ذلك: بما رواه أحمد بن مُحمّد بن عيسى في نوادره، عن النَّضر بن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جرَّاح المدائنيّ (قَاْل: قَاْل أبو عبد الله عليه‌السلام: إذا أصبحتَ صائماً فَلْيصمْ سمعُك وبصرُك عنِ الحرام، وجارحتك، وجميع أعضائك من القبيح، ودَعْ عنك الهذي، وأذى الخادم... )[6] .

وهي ضعيفة بعدم وثاقة جراح المدائنيّ، وجهالة القاسم بن سليمان.

* * *

 

قوله: (والسَّفر، إلَّا لحجّ، أو غزوٍ، أو ضرورةٍ، كحفظ مالٍ، أو أخٍ في الله، أو تشييعه، أو تلقّيه)

 

ذكرنا ذلك مفصّلًا عند قول المصنِّف (رحمه الله) سابقاً: (ولا يحرم السَّفر على مَنْ شهد الشَّهر حاضراً، خلافاً للحلبيّ)، فراجع رواية أبي بصير، ومرسلة عليّ بن أسباط[7] ، وصحيحة مُحمّد بن مسلم[8] .

قوله: (ويُستحبّ الإكثار من تلاوة القرآن، والدُّعاء، والتَّسبيح بالمأثور، والصَّدقة، وتفطير الصَّائمين، ولُزوم المساجد)

 

الرِّوايات الواردة في فضْل هذه الأُمور كثيرة جدًّا، ونحن نقتصر على بعضها؛ خوفاً من الإطناب المملّ:

منها: ما في الكافي، عن أبي الورد، عن أبي جعفر (عليه السَّلام) (قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ (صلى الله عليه وآله) النَّاسَ فِي آخِرِ جُمُعَةٍ مِنْ شَعْبَانَ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكُمْ[9] ‌ شَهْرٌ، فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فَرَضَ اللهُ صِيَامَهُ، وَجَعَلَ قِيَامَ لَيْلَةٍ فِيهِ بِتَطَوُّعِ صَلَاةٍ كَتَطَوُّعِ صَلَاةِ سَبْعِينَ لَيْلَةً فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ، وَجَعَلَ لِمَنْ تَطَوَّعَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ وَالْبِرِّ كَأَجْرِ مَنْ أَدَّى فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ‌ عَزَّوَجَلَّ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللهِ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الشُّهُورِ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَإِنَّ الصَّبْرَ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَهُوَ شَهْرٌ يَزِيدُ اللهُ فِي رِزْقِ الْمُؤْمِنِ فِيهِ، وَمَنْ فَطَّرَ فِيهِ مُؤْمِناً صَائِماً كَانَ لَهُ بِذَلِكَ عِنْدَ اللهِ عِتْقُ رَقَبَةٍ، وَمَغْفِرَةٌ لِذُنُوبِهِ فِيمَا مَضَى، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَيْسَ كُلُّنَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يُفَطِّرَ صَائِماً، فَقَالَ: إِنَّ اللهَ كَرِيمٌ يُعْطِي هَذَا الثَّوَابَ لِمَنْ لَمْ يَقْدِرْ إِلَّا عَلَى مَذْقَةٍ [10] مِنْ لَبَنٍ، يُفَطِّرُ بِهَا صَائِماً، أَوْ شَرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ عَذْبٍ أَوْ تَمَرَاتٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ خَفَّفَ فِيهِ عَنْ مَمْلُوكِهِ خَفَّفَ (اللهُ) عَنْهُ حِسَابَهُ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ الْإِجَابَةُ، وَالْعِتْقُ مِنَ النَّارِ، وَلَا غِنَى بِكُمْ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ خَصْلَتَيْنِ تُرْضُونَ اللهَ بِهِمَا، وَخَصْلَتَيْنِ لَا غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا، فَأَمَّا اللَّتَانِ تُرْضُونَ اللهَ عَزَّوَجَلَّ بِهِمَا، فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللهِ، وَأَمَّا اللَّتَانِ لَا غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا، فَتَسْأَلُونَ اللهَ فِيهِ حَوَائِجَكُمْ وَالْجَنَّةَ، وَتَسْأَلُونَ الْعَافِيَةَ، وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ). [11] [12]

ولولا جهالة أبي الورد لكانت الرِّواية صحيحة، ورواها الشَّيخ الصَّدوق (رحمه الله) في الفقيه، وفي الأمالي، عن أبي الورد، مثل رواية الكافي.


[7] الوسائل باب3 من أبواب من يصحّ منه الصَّوم ح3.
[8] الوسائل باب3 من أبواب من يصحّ منه الصَّوم ح6.
[9] قال في النِّهاية: ( قد أظلّكم: أي قد أقبل عليكم، ودنا منكم كأنَّه ألقى عليكم ظلّه).
[10] المذق: اللَّبن الممزوج بالماء.
logo