46/02/29
الصوم
الموضوع: الصوم
قوله: (والاكتحال بما فيه مسك أو صبر)
المعروف بين الأعلام أنَّه يُكره الاكتحال بما فيه مسك أو صبر ممَّا يصل طعمه أو رائحته إلى الحَلْق، وفي الجواهر: (بلا خلاف أجده...).
- اختلاف الرِّوايات
أقول: الرِّوايات الواردة في المقام على طوائف ثلاث:
الطَّائفة الأولى: ما دلّت على التَّرخيص مطلقاً.
وفيها جملة من الرِّوايات:
منها: صحيحة مُحمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليهالسَّلام) في الصَّائم يكتحل؟ قَاْل: لا بأس به، ليس بطعام، ولا شراب[1] .
ومنها: صحيحة عبد الحميد بن أبي العلاء، عن أبي عبد الله (عليهالسَّلام) قَاْل: لا بأس بالكُحل للصَّائم) [2] .
ومنها: رواية ابن أبي يعفور قَاْل: سألتُ ابا عبد الله عليهالسلام عن الكُحل للصَّائم؟ فقال: لا بأس به، إنَّه ليس بطعام يُؤكل[3] .
وهي ضعيفة بعدم وثاقة الحُسين بن أبي غندر.
ومنها: رواية الحُسين بن أبي غندر قَاْل: قلتُ لأبي عبد الله عليهالسلام: أكتحل بكُحل فيه مسك وأنا صائم؟ فقال: لا بأس به[4] .
وهي ضعيفة بالحُسين بن أبي غندر.
ومنها: صحيحة عبد الله بن ميمون، عن أبي عبد الله (عليهالسَّلام)، عن أبيه (عليهالسَّلام) -في حديث- أنَّه كان لا يرى بأساً بالكُحل للصَّائم[5] .
الطَّائفة الثَّانية: ما دلَّ على المنع مطلقاً.
وفيها عدَّة روايات:
منها: صحيحة الحلبيّ، عن أبي عبد الله (عليهالسَّلام) أنَّه سُئل عن الرَّجل يكتحل وهو صائم؟ فقال: لا، إنِّي أتخوَّفُ أنْ يدخل رأسه[6] .
وقد يتوَّهم من التَّعليل بتخوُّف دخولِ الرَّأسِ، الإفطارُ لو دخل.
ولكنَّه ليس بمراد حتماً؛ لما عرفته سابقاً من عدم الإفطار بوصول مثل ذلك إلى الجوف إذا لم يكن عن طريق الحَلْق.
وعليه، فالتَّعليل يراد منه الكراهة في الواصل، وفيما يخاف منه.
والخُلاصة: أنَّ التَّعليل ظاهر أو مُشعِر بأنَّ النَّهي للكراهة.
ومنها: موثَّقة الحسن بن عليّ أو صحيحته قَاْل: سألتُ أبا الحسن عليهالسلام عنِ الصَّائم إذا اشتكى عينه، يكتحل بالذَّرور[7] *، وما أشبهه، أم لا يسوغ له ذلك؟ فقال: لا يكتحل[8] .
والغالب اشتمال الذَّرور الَّذي يستعمل في الرَّمد على الأدوية الحادَّة.
والمراد بالحسن بن عليّ: إمَّا الوشَّا أو ابن النُّعمان، وكلٌّ منهما ثقة.
ومنها: صحيحة سعد بن سعد الأشعريّ، عن أبي الحسن الرِّضا (عليهالسَّلام) قَاْل: سألتُه عمَّنْ يصيبه الرَّمد في شهر رمضان، هل يذرّ عينه بالنَّهار وهو صائم؟ قَاْل: يذرّها إذا أفطر، ولا يذرّها وهو صائم[9] .
الطَّائفة الثَّالثة: ما دلَّت على التَّفصيل.
وفيها جملة من الرِّوايات:
منها: صحيحة مُحمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهالسَّلام) أنَّه سُئل عن المرأة، تكتحل وهي صائمة؟ فقال: إذا لم يكن كُحلاً تجد له طعماً في حلقها فلا بأس[10] .
ومفهوم الشَّرط: أنَّه إذا كان له طعم في حلقها ففيه بأس.
وعليه، فتكون هذه الطَّائفة قد فصَّلت بين ما لو كان له طعم في حلقها، وبين ما لم يكن له ذلك.
ومنها: موثَّقة سُماعة بن مهران قَاْل: سألتُه عن الكُحل للصَّائم؟ فقال: إذا كان كُحلاً ليس فيه مسك، وليس له طعم في الحَلْق، (فلا بأس به) [11] .
ودلالتها مثل سابقتها على التَّفصيل، ومضمرات سُماعة مقبولة.
ومنها: معتبرة الحُسين بن علوان، عن جعفر، عن أبيه (عليهم السلام) أنَّ عليّاً عليهالسلام كان لا يرى بأساً بالكُحل للصَّائم إذا لم يجد طعمه[12] .
إذا عرفت ذلك، فنقول: قد تسالم الأعلام على عدم الحرمة قديماً وحديثاً.
وعليه، فالمراد من البأس هو الكراهة.
هذا أوَّلا.
- الجَمْعُ بين الرِّوايات: الجَمْع الأوَّل
وثانياً: قد جمع بعض الأعلام بين الرِّوايات -ومنهم صاحب الحدائق (رحمه الله)- بحمل الرِّوايات الدَّالَّة على الرُّخصة مطلقاً، على ما إذا لم يجد له طعماً في الحَلْق، ويكون ذلك جائزاً من غير كراهةٍ.
وتُحمل الرِّوايات الدَّالّة على المنع مطلقاً: على ما إذا وجد له طعماً في الحَلْق، فيكون مكروهاً من باب حَمْل المطلق على المقيَّد.
وعليه، فتكون الطَّائفة الثَّالثة شاهد جمع بين الطَّائفتَيْن الأولتَيْن.
- الجَمْع الثَّاني ومقتضى الإنصاف
ولكنَّ الإنصاف -كما ذكرناه في أكثر من مناسبة-: أنَّ قانون حَمْل المطلق على المقيَّد لا يجري في المستحبَّات والمكروهات.
وعليه، فتُحمل الرِّوايات على اختلاف مراتب الكراهة شدَّةً وضعفاً، ولا منافاة بين الرِّوايات الدَّالّة على الجواز مطلقاً، وبين الكراهة، كما لا يخفى، والله العالم.
***
* قوله: (وإخراج الدَّم المُضعِف)
المعروف هو أنَّه يُكرَه للصَّائم إخراج الدَّم المُضعِف، أي يُخشى منه الضَّعف، سواء كان ذلك بحِجامة أو غيرها.
وتدلّ على ذلك جملة من الرِّوايات:
منها: صحيحة سعيد الأعرج قَاْل: سألتُ أبا عبد الله عليهالسلام عن الصاَّئم، يحتجم؟ فقال: لا بأس، إلَّا أن يتخوَّف على نفسه الضَّعف[13] .
ومنها: صحيحة الحلبيّ، عن أبي عبد الله (عليه السَّلام) قَاْل: سألتُه عن الصَّائم، أيحتجم؟ فقال: إنِّي أتخوَّف عليه، أمَا يتخوَّف على نفسِه؟! قلتُ: ماذا يُتخوَّف عليه؟ قال : الغشيان، أو تثور به مِرّة، قلتُ: أرأيتَ إن قوى على ذلك، ولم يخشَ شيئاً؟ قَاْل: نعم، إن شاء[14] .
ويظهر من التَّعليل عموم الحكم للحِجامة وغيرها، بل يظهر منه عموم الحكم لغير إخراج الدَّم ممَّا يُورِث شيئاً من ذلك.
- عدمُ الفَرْقِ بينَ شهرِ رمضانَ وغيرِه
ثمَّ لا يخفى أنَّه لا فرق في المسألة بين شهر رمضان وغيره؛ لإطلاق الصَّائم في الرِّوايات، وعدم تقييده بالصَّوم في شهر رمضان.
نعم، صحيحة عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليهالسَّلام) قَاْل: لا بأس بأن يحتجم الصَّائم إلَّا في شهر رمضان، فإنِّي أكره أن يغرّر بنفسه إلَّا أن لا يخاف على نفسه، وإنَّا إذا أردنا الحِجامة في رمضان احتجمنا ليلاً [15] .
ظاهرةٌ في اختصاص الحكم بشهر رمضان دون غيره من أقسام الصَّوم.
إلَّا أنَّه يمكن حملها على شدَّة الكراهة في شهر رمضان.
- إطلاق رواية النَّهي عن الحِجامة
ثمَّ إنَّك قد عرفت أنَّ الكراهة مختصَّة بإخراج الدَّم المضعف.
ولكن عندنا رواية أُطلق فيها النَّهي عن الحِجامة، وهو يقتضي عموم الكراهة، وإن أمن الضَّعف، وهي رواية الشيخ (رحمه الله) في عيون الأخبار عن الرِّضا (عليهالسَّلام)، عن آبائه (عليهمالسَّلام) قَاْل: قَاْل عليُّ بن أبي طالب عليهالسلام: ثلاثةٌ لا يعرِض أحدُكم نفسَه لهنّ وهو صائم: الحمَّام، والحِجامة، والمرأة الحَسْناء[16]
ولكنَّها ضعيفة بجهالة بعض الأشخاص في السَّند.