« قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ حسن الرميتي

بحث الفقه

45/11/13

بسم الله الرحمن الرحيم

البحث الأخير من درس

الموضوع: البحث الأخير من درس

 

التبرع بالكفارة عن الحيّ

إذا عرفت ذلك، فأمَّا مَنْ ذهب إلى الجواز مطلقاً، فقد استدلّ له: بأنَّ الكفَّارة دَيْنٌ كسائر الدُّيون الَّتي يجوز التّبرُّع فيها.

وفيه: ما عرفت، فلا حاجة للإعادة.

وأمَّا مَنْ ذهب إلى المنع مطلقاً، فقد استُدلّ له: بأنَّ ظاهر الخطاب الموجَّه إلى شخص بشيءٍ هو وجوب المباشرة من نفس المكلَّف، إلَّا أن يدلّ دليل على جواز التّبرُّع به، ولم يثبت.

وأيضاً، فإنَّ عدم الجواز هو مقتضى الأصل.

وأمَّا القول الثَّالث: فدليله على المنع في الصَّوم هو دليل القول الثَّاني، وهو صحيح.

وأمَّا الدَّليل على الجواز في غيره، كالعتق والإطعام، فهو كقضاء الدَّين، والدَّين يجوز التّبرُّع به، فكذلك العتق والإطعام.

وفيه: ما تقدم من أنَّه قياس لا نعمل به.

نعم، إذا كان ذلك بإذنه، فيجوز التّبرُّع بالعتق والتّصدُّق، والزَّكاة أيضاً، فإنَّ هذه الأمور تقبل التَّوكيل والنِّيابة، والمأذون بمنزلة الوكيل والنَّائب، بل لو فرضنا أنَّ هذه الأمور عباديّةٌ، كالزَّكاة، سواء كانت زكاة الأموال أم الأبدان، حيث لابُدّ من قَصْد التّقرُّب بها ممَّنْ وجبت عليه، فإنَّه يكفي صُدورها منه ولو بنحو التَّسبيب بإذن أو توكيل أو نيابة.

والخُلاصة: أنَّ هذا التَّفصيل الثَّالث هو الصَّحيح بشرط الإذن في العتق والإطعام، والله العالم.

`قوله: ((درس 73: لا يفطر بابتلاع ريقه)`

تسالم الأعلام قديماً وحديثاً على جواز ابتلاع الريق الَّذي في الفم.

وتدل عليه -مضافاً لذلك-: السيرة بين المسلمين، مع لزوم الحرج بالتجنب عنه.

كما أنَّ الجواز مقتضى الأصل.

ثمَّ إنه لا فرق في ذلك بين أن يجمع الريق في فمه، ثمَّ يبتلعه، وبين ما لم يجمعه.

وبالجملة، فلا فرق بين أن يكون الريق قليلاً أم كثيراً.

`قوله: (ولو خرج مع اللسان)`

أي: أنَّ الريق بابتلاعه لا يفطر، ولو خرج عن الفم مع اللسان من الباطن، والريق لاتصاله لم يخرج عن محلّه المعتاد.

`قوله: (نعم، لو انفصل عن باطن الفم أفطر بابتلاعه)`

المعروف بين الأعلام أنَّه إذا انفصل الريق عن باطن الفم فإنَّه يفطر بابتلاعه؛ لأنه بانفصاله قد خرج عن محله، فإذا ابتلعه فيكون قد أفطر إذا لم يستهلك في ريقه.

وفي الحدائق: أمَّا إذا أخرجه من فمه، ثمَّ رجعه وابتلعه، فقالوا: إنَّه مفطر، بل ربَّما يمكن أنَّه تجب به كفَّارة الإفطار على المحرم؛ لأنَّ ظاهرهم القول بتحريم ما يخرج من الفم، حتَّى أنَّ بعض الفضلاء المعاصرين ادَّعى إجماع الأصحاب على تحريم ابتلاع فضلات الإنسان من ريقه وعرقه ودموعه، ونحوها... .[1]

أقول: مقتضى الإنصاف: هو المفطرية؛ لأنه بعد انفصاله عن باطن الفم يصبح من فضلات الإنسان، فتناوله يكون مفطراً.

نعم، لا يصدق على تناوله أنَّه أفطر على محرم حتَّى تجب الكفارات الثلاث، أي كفارة الجمع -بناءً على القول بها في الإفطار على المحرم-؛ إذ لا دليل على الحرمة؛ لأنَّ هذه الفضلات ليست من الخبائث، حتَّى يحرم تناولها.

نعم، لا إشكال في المفطريَّة؛ لأنها ليست من الريق بعد الانفصال عن باطن الفم، إلَّا إذا استهلك في الريق.

ولقد أجاد العلامة (رحمه الله) في المنتهى، حيث قال: لو ترك في فيه حصاةً أو درهماً، فأخرجه وعليه بلَّة من الرِّيق، ثمَّ أعاده في فيه، فالوجه: الأفطار قلَّ أو كثر؛ لابتلاعه البلل على ذلك الجسم... .[2]

نعم، لابد من تقييده بما إذا لم يستهلك في الرِّيق.

`قوله: (وكذا لو ابتلع ريق غيره)`

إذا لا فرق بين المسألتين، فإذا ابتلع ريق غيره، فيصدق عليه أنَّه تناول شيئاً من الخارج، إلَّا إذا استهلك في ريقه، فلا محذور حينئذٍ.

`قوله: (وإن كان أحد الزَّوجين، فالمروي: جواز الامتصاص، وهو لا يستلزم الابتلاع)`

لو كان الغير أحد الزوجين، كما لو ابتلع ريق الزوجة، أو ابتلعت ريقه، فهل يوجب ذلك الإفطار أم لا.

فالمعروف أنَّه لا فرق بين أن يكون الريق من أحد الزوجين، أو من غيره، إلَّا إذا استهلك، كما عرفت.

ثمَّ إنه قد يقال: إنَّ ما ورد من جواز مصّ لسان الزوجة، أو مصّ الزوجة لسان الزوج، يدل على أنَّ ابتلاع ريق أحدهما لا يفطر.

وعندنا روايتان في المقام:

الأولى: حسنة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السَّلام) قَاْل: سألتُه عنِ الرَّجل الصَّائم، يمصُّ لسان المرأة، أو تفعل المرأة ذلك؟ قَاْل: لا بأس. [3]

وهي حسنة، فإنَّ مُحمّد بن أحمد العلوي، وإن لم يوثق، إلَّا أنَّه ممدوح.

الثانية: موثَّقة أبي بصير قَاْل: قلتُ لأبي عبدالله عليه‌السلام: الصَّائم يقبل؟ قَاْل: نعم، ويعطيها لسانه تمصُّه.[4]

ولكن لا يخفى عليك أنَّ هذه الرٍّوايات ظاهرة في جواز المصّ، وهو أعم من الابتلاع.

والخلاصة: أنَّه لا فرق في كون ريق الغير إذا ابتلعه الصَّائم في مفطريته بين أن يكون ريق أحد الزوجين، أو غيره، إلَّا مع الاستهلاك، كما تقدم.

`قوله: (نعم، في التهذيب: عن أبي ولّاد: لا شيء في دخول ريق البنت المُقبَّلة في الجوف، وتحمل على عدم القصد)`

قد يقال: إنه لا يضر ابتلاع ريق الغير، ففي صحيحة أبي ولاد قَاْل: قلتُ لأبي عبد الله عليه‌السلام: إنِّي أُقبل بنتاً لي صغيرة، وأنا صائم، فيدخل في جوفي من ريقها شيءٌ؟ قال : فقال لي: لا بأس، ليس عليك شيءٌ.[5]

ولكن ظاهر الصَّحيحة هو سبق الرِّيق إلى جوفه من غير تعمدٍ فلا يضر حينئذٍ.

مع أنَّه يحتمل أنَّه استهلك بريقه، والله العالم.

 


[2] المنتهى -ط قديمة-: ج2، ص563.
logo