« قائمة الدروس

الأستاذ الشيخ حسن الرميتي

بحث الفقه

45/09/27

بسم الله الرحمن الرحيم

الصَّوم

 

الموضوع: الصَّوم

 

قوله: (ويُستحبّ فيه التَّتابع لا التَّفرقة على الأصحّ)`

المعروف بين الأعلام استحباب التَّتابع في القضاء، وفي المدارك: (ما اختاره المصنِّف (رحمه الله) من استحباب الموالاة في القضاء قول أكثر الأصحاب...)[1]

وفي الحدائق: (المشهور بين الأصحاب (رضوان الله عليهم) استحباب الموالاة في القضاء، وقيل: باستحباب التَّفريق، حكاه ابن إدريس في سرائره عن بعض الأصحاب، ويظهر من كلام الشَّيخ المفيد (قدس سره) الميل إليه، حيث قال بعد أن حكم بالتَّخيير بين التَّتابع والتَّفريق، وقد روى عن الصَّادق (عليه السلام)، أنَّه قال: «إذا كان عليه يومان فصل بينهما بيوم، وكذلك إذا كان عليه خمسة أيام وما زاد، فإن كان عليه عشرة أيام أو أكثر من ذلك تابع بين الثَّمانية الأيام إن شاء ثمَّ فرق الباقي»، والوجه في ذلك كلّه أنَّه إن تابع بين الصِّيام في القضاء لم يكن فرق بين الشَّهر في صومه وبين القضاء، فأوجبت السُّنة الفصل بين الأيام بالإفطار ليقع الفرق بين الأمرَيْن كما وصفناه، انتهى)[2]

أقول: اِعلم أوَّلاً: أنَّه لا تجب المتابعة في قضاء شهر رمضان، كما هو المعروف بين الأعلام، بلِ ادَّعى عليه جماعة الإجماع؛ وذلك لإطلاق الأمر بالقضاء في الكتاب المجيد، والسُّنّة النبويّة الشريفة؛ إذ مقتضى الإطلاق جواز التَّفريق.

وتدلّ على عدم الوجوب أيضاً: صحيحة سُليمان بن جعفر الجعفريّ (أنَّه سأل أبا الحسن الرِّضا عليه‌السلام عَنِ الرَّجل يكون عليه أيام من شهر رمضان، أيقضيها متفرّقةً؟ قَاْل: لا بأس بتفرقة قضاء شهر رمضان، إنَّما الصِّيام الَّذي لا يفرق صوم كفَّارة الظّهار، وكفَّارة الدَّم، وكفَّارة اليمين)[3]

ومنها: صحيحة الحلبيّ المُتقدِّمة عن أبي عبد الله (عليه‌السَّلام) (قَاْل: إذا كان على الرَّجل شيءٌ من صوم شهر رمضان فَلْيقضه في أيّ شهرٍ شاء أياماً متتابعة، فإن لم يستطع فَلْيقضه كيف شاء، وَلْيحصِ الأيام، فإن فرَّق فحسن، فإن تابع فحسن...)[4]

ومنها: صحيحة ابن سنان -يعني: عبد الله- عن أبي عبد الله (عليه‌السَّلام) (قَاْل: مَنْ أفطر شيئاً من شهر رمضان في عُذر، فإن قضاه متتابعاً فهو أفضل، وإن قضاه متفرّقاً فحسن)[5]

ومنها: موثَّقة سُماعة (قَاْل: سألته عمَّنْ يقضي شهر رمضان متقطعاً؟ قَاْل: إذا حفظ أيامه فلا بأس)[6]

وكذا غيرها من الرِّوايات.

ثمَّ إنَّ التَّتابع، وإن لم يكن واجباً، إلَّا أنَّه مستحبّ، كما تدلّ عليه صحيحة عبد الله بن سنان المُتقدِّمة (فإن قضاه متتابعاً فهو أفضل).

وكذا صحيحة الحلبيّ المُتقدِّمة (فَلْيقضِه في أيّ شهرٍ شاء أياماً متتابعة).

وقدِ استُدلّ لاستحباب المتتابعة أيضاً: بحديث شرائع الدِّين (قَاْل: والفائت من شهر رمضان إن قُضي متفرِّقاً جاز، وإن قضي متتابعاً كان أفضل)[7]

ولكنَّه ضعيف بجهالة أكثر من شخص.

وأمَّا القول: باستحباب التَّفريق مطلقاً، كما حكاه ابن إدريس (رحمه الله) عن بعض الأصحاب.

ويظهر من كلام الشَّيخ المفيد (رحمه الله) الميل إليه، كما تقدَّم نقل عبارته.

وقدِ استُدلّ عليه: بأنَّ الوجه في ذلك أنَّه إن تابع بين الصَّيام في القضاء لم يكن فرَّق بين الشَّهر في صومه، وبين القضاء، فأوجبت السُّنّة الفصل بين الأيام ليقع الفرق بين الأمرَيْن.

فيرد عليه: أنَّ ما ذكره من ورود السُّنة بالفصل بين الأيام ليقع الفرق بين الأداء والقضاء ليس تامّاً؛ إذ لا يوجد في السُّنة النَّبويّة الشَّريفة ما يدلّ على ذلك.

ثمَّ إنَّ ابن إدريس (رحمه الله) حكى أيضاً عن بعض الأصحاب استحباب التَّتابع في ستَّة أيام، والتَّفريق في الباقي.

أقول: قدِ استدلّ لذلك بموثَّقة عمَّار بن موسى السَّاباطيّ عن أبي عبد الله (عليه‌السَّلام) (قَاْل: سألتُه عَنِ الرَّجل تكون عليه أيام من شهر رمضان كيف يقضيها؟ فقال: إن كان عليه يومان فَلْيفطر بينهما يوماً، وإن كان عليه خمسة أيام فَلْيفطر بينها أياماً، وليس له أن يصوم أكثر من ستَّة أيامٍ متواليةٍ، وإن كان عليه ثمانية أيام أو عشرة أفطر بينها يوماً)[8]

وفيه: أنَّه لا دلالة في هذه الموثَّقة على استحباب المتابعة في السِّتّة أو الثَّمانية -بناءً على أنَّه الموجود في بعض النّسخ بدل السِّتة ثمانية- بل أقصاها أنَّه تدلّ على الرُّخصة في المتابعة.

أضف إلى ذلك: أنَّه كيف يمكن الالتزام بأنَّه إذا كان عليه خمسة أيام أفطر بينها أياماً، وإذا كان عليه ستَّة أو ثمانية أفطر بينها يوماً.

مع أنَّ المذكور في صدر الموثَّقة هو التَّفرقة بيوم إذا كان عليه يومان.

وأيضاً، فكيف ينهى عن المتابعة فيما إذا كان عليه أكثر من ستَّة أيام.

والخُلاصة: أنَّ هذه الموثَّقة يردّ علمها إلى أهلها.

وعليه، فما ذكره المشهور من استحباب التَّتابع في القضاء مطلقاً هو المُتعيّن، والله العالم.

`قوله: (ولا ترتيب فيه، فلو قدّم آخره فالأشبه: الجواز)`

المعروف بين الأعلام أنَّه كما لا تجب المتابعة لا يجب التَّرتيب أيضاً.

وفي الجواهر: (للأصل، وإطلاق الأدلَّة، وعدم وجوبه في الأداء، وإنَّما كان فيه من ضرورة الوقت، وحينئذٍ فلو أخلَّى النِّية من التَّعيين، أو عيَّن الأخير أجزأ، كما نصَّ عليه بعضهم...)[9]

وفي المدارك: (ذكر العلامة (رحمه الله) في التَّذكرة وغيره أنَّه لا يجب التَّرتيب في قضاء الصَّوم، فلو قدَّم آخره جاز، وهو كذلك، تمسُّكاً بمقتضى الأصل السَّليم من المعارض )[10]


logo